في حكم إجبار البِكر البالغة العاقلة على الزواج | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 8 شوال 1445 هـ الموافق لـ 17 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٨٩٦

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في حكم إجبار البِكر البالغة العاقلة على الزواج

السؤال:

أَجبرَ والدٌ ابنتَه ـ وهي كارهةٌ ـ على الزواج مِنْ رجلٍ لا ترغب فيه زوجًا، وقد دَفَع كُلَّ المهر، فهل هذا الزواجُ صحيحٌ؟ وهل للمرأة حقٌّ في ردِّ هذا الزواج؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يجوز للوليِّ إجبارُ ولِيَّتِه البِكر البالغةِ العاقلة على الزواج على الراجح مِنْ قولَيِ العلماء، وهو مذهبُ الحنفيَّةِ وروايةٌ عن أحمد، وهو اختيارُ ابنِ تيمية رحمهم الله؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَجَّهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ؛ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم»(١)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»(٢)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَالبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا»(٣)؛ وأصلُ ذلك أنَّ تصرُّف الوليِّ في بُضْعِ وليَّتِهِ كتصرُّفِه في مالها، وإذا كان لا يجوز له أَنْ يتصرَّفَ في مالها إذا كانَتْ رشيدةً إلَّا بإذنها فإنَّه أَحْرَى أَنْ لا يجوز أَنْ يتصرَّفَ في بُضْعها مع امتناعها وكراهِيَتِها ورُشْدِها؛ لأنَّ بُضْعَها أَعْظَمُ مِنْ مالها.

ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ المرأة قد شُرِعَ لها الخُلْعُ للخلاص مِنَ الزوج الذي تكرهه، فكيف يجوز تزويجُها له ابتداءً؟!

قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا تزويجها مع كراهتها للنكاح فهذا مُخالِفٌ للأصول والعقول، واللهُ لم يُسوِّغ لوليِّها أَنْ يُكْرِهَهَا على بيعٍ أو إجارةٍ إلَّا بإذنها، ولا على طعامٍ أو شرابٍ أو لباسٍ لا تريده؛ فكيف يُكْرِهُها على مباضَعةِ ومعاشَرةِ مَنْ تكره مُباضَعَتَهُ، ومعاشرةِ مَنْ تكره معاشَرتَه؟! واللهُ قد جَعَلَ بين الزوجين مودَّةً ورحمةً؛ فإذا كان لا يحصل إلَّا مع بُغْضها له ونفورِها عنه فأيُّ مودَّةٍ ورحمةٍ في ذلك؟!»(٤).

ومَرَدُّ الاختلاف في هذه المسألةِ يرجع إلى مَناط الإجبار: هل هو الصِّغَرُ أم البَكارة؟ والأحاديث ترجِّح الصِّغَرَ، وكذا القياس والمعقول.

هذا، وإذا زوَّجها وليُّها بغيرِ إذنها فإنَّ العقد قابلٌ للإبطال موقوفٌ على إجازتها له أو إلغائها: فإِنْ أجازَتْه فيصير العقدُ صحيحًا لا يحتاج إلى استئنافه مِنْ جديدٍ، أمَّا إذا أبطلَتْه وصرَّحَتْ بذلك فلا يصحُّ العقدُ بغير إذنها، فإِنْ رضِيَتْ به بعد ذلك فلا بُدَّ لها مِنِ استئنافِ العقد مِنْ جديدٍ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠١ ماي ٢٠٠٨م

 



(١) أخرجه أبو داود في «النكاح» بابٌ في البِكْر يزوِّجها أبوها ولا يستأمرها (٢٠٩٦)، وابنُ ماجه في «النكاح» بابُ مَنْ زوَّج ابنتَه وهي كارهةٌ (١٨٧٥)، وأحمد (٢٤٦٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. قال ابنُ حجرٍ في «التلخيص الحبير» (٣/ ١٦١): «رجالُه ثِقَاتٌ»، والحديث صحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٤/ ١٥٥)، والألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢٠٩٦).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب: لا يُنْكِح الأبُ وغيرُه البِكْرَ والثيِّبَ إلَّا برضاها (٥١٣٦)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٤١٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «النكاح» (١٤٢١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٢/ ٢٥).