في حكم الجمع بين الله تعالى ورسوله بتثنية الضمير | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 21 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 18 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩٠٩

الصنـف: فتاوى الحديث وعلومه

في حكم الجمع بين الله تعالى ورسوله بتثنية الضمير

السـؤال:

يجمع كثير من الخطباء والوعاظ والكُتَّاب في كلامهم وكتبهم بين ذِكر الله عزَّ وجلَّ والرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كقولهم: «مَن يُطعهما» أو «من يَعْصِهِمَا»، فهل هذا التعبير صحيح؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فقد ورد النهي عن ذلك كما في «صحيح مسلم» من حديث عديٍّ بن حاتم أنَّ خطيبًا خطب عند النبيِّ صَلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فقال: «مَن يطع اللهَ ورسولَه فقد رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِمَا فقد غوى»، فقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: مَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى»(١).

علمًا بأنَّ تثنية الضمير لله تعالى ولرسوله ثبتت في مواطن كثيرة:

- منها حديث أنسٍ بن مالك قال: لَمَّا كان يوم خيبر أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم طلحة فنادى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اِلْحُمُرِ اْلأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ»(٢).

- ومنها قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا»(٣).

وجمعًا بين هذه النصوص التي ظاهرها التعارض أجاب العلماء بما يلي:

أولاً: إنَّ سبب الإنكار عليه أنَّ الخُطبة شأنها البسط والإيضاح واجتناب الرموز والإشارات، ولهذا ثبت أنّ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا لتُفهَمَ عنه، وما ثني الضمير في النصوص السابقة لأنَّها ليست خطبةَ وعظٍ وإنَّما هي تعليمُ حكم، فكلَّما قلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف الخطبة(٤).

ثانيًا: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم له أن يجمع بين الضميرين وليس لغيره، لعلمه بجلال الله وعظمته(٥).

ثالثًا: أنَّ حديثَ الخطيب محمولٌ على الأدب والأَوْلَى، وهذا محمولٌ على الجواز.

والتحقيقُ جوازُ التثنية للأحاديث المتقدِّمة الدالَّة عليها، ويحمل حديث الخطيب على أنَّه حادثة حالٍ وواقعةُ عَيْنٍ لها ظروفها الخاصَّة التي اقتضت أن يقول رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ذلك، كما يجوز الإفراد في مثل هذا الموضع، إذ كُلُّ ما في الأمر أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ما هو إلاَّ مخبر عن الله تعالى، وأمره ناشئٌ عن أمر الله تعالى، وهو نحو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فحُذفت الجملةُ الأُولى لدلالة الثانية عليها، والتقدير عند سيبويه: والله أحقُّ أن يُرضوه، ورسولُه أحقُّ أن يرضوه(٦).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ جمادى الأولى ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢١ مـاي ٢٠٠٨م


(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة: (٢٠١٠)، وأبو داود في «سننه» كتاب الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس: (١٠٩٩)، والنسائي في «سننه» كتاب النكاح، باب ما يكره من الخطبة: (٣٢٧٩)، وأحمد في «مسنده»: (١٨٨٩٢)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.

(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب المغازي، باب غزوة خيبر: (٣٩٦٣)، ومسلم في «صحيحه» كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية: (٥٠٢١)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان: (١٦) ومسلم في «صحيحه» كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان: (١٦٥)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٤) «شرح النووي لصحيح مسلم»: (٣/ ١٦٠)، «سبل السلام» للصنعاني: (١/ ٣٥).

(٥) نفس المصدرين السابقين.

(٦) «فتح الباري»: (٤/ ٤٢٥).