في حكم تقسيم الشريعة إلى ثوابت ومتغيِّرات | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 20 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩١٤

الصنف: فتاوى منهجية

في حكم تقسيم الشريعة إلى ثوابت ومتغيِّرات

السؤال:

نريد معرفةَ حكمِ ما يتردَّد على ألسنةِ بعضِ الأساتذة مِنْ أنَّ الشريعة تنقسم إلى ثوابتَ ومُتغيِّراتٍ؟ فهل هذا التقسيمُ صحيحٌ؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فتقسيمُ الدِّين الإسلاميِّ إلى ثوابتَ ومُتغيِّراتٍ ـ بالمفهوم الاصطلاحيِّ الحديث ـ باطلٌ لا يُعْرَفُ له أصلٌ في الشرع، والمعلومُ أنَّ الله تعالى أكملَ أحكامَه وشَرْعَه ودِينَه بنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وتمَّتْ نعمتُه واستقرَّتْ؛ ذلك لأنَّ المسائل المعلومةَ مِنَ الدِّين بالضرورة والقطعيةَ الإجماعيةَ ليسَتْ مِنَ المتغيِّرات لثبوتها بالنصِّ والإجماع.

وكذلك المسائلُ الاجتهادية التي يتمسَّك فيها كُلُّ فريقٍ مِنَ المجتهِدين بدليلٍ يَستنِدُ عليه فيها ولا يقطع فيها بصوابِ قوله وخطإِ مَنْ خالَفَه فيما إذا كانَتِ المسألةُ محتمِلةً؛ فالمسائلُ الاجتهادية لا إنكارَ فيها على المُخالِف إلَّا بعد بيان الحجَّة وإظهار المَحَجَّة، وهذه المسائل لا تُسمَّى أحكامُها بالمتغيِّرات؛ لأنها ثابتةٌ في حقيقة الأمر، وحكمُها واحدٌ معلومٌ عند الله، وقد جَعَلَ له أدلَّةً وأماراتٍ يُعْرَفُ بها، وإنما التغييرُ حاصلٌ في اجتهاد المجتهد ونظرِه الذي له فيه نصيبٌ بين الأجر والأجرين إذا اتَّقى اللهَ في اجتهاده.

أمَّا المسائل غيرُ الاجتهادية ـ وهي ما يُعْرَفُ بالمسائل التي لا يستند فيها المُخالِفُ على دليلٍ صحيحٍ يؤيِّده ـ؛ فإنَّ هذه المسائلَ لا يُلْتَفَتُ إلى الخلاف فيها لشذوذه أو ضعفِه: كمَنْ خالَفَ في قولٍ يُخالِفُ سنَّةً ثابتةً أو إجماعًا شائعًا، وهذا يجب فيه الإنكارُ على العمل المُخالِف للسنَّة أو الإجماع بحَسَب درجات الإنكار(١).

وإذا كانَتِ المسائلُ الاجتهادية لا تُسمَّى أحكامُها المشرَّعة متغيِّراتٍ فلا شكَّ أنَّ المسائل الخلافيةَ ليسَتْ مِنَ المتغيِّرات مِنْ بابٍ أَوْلى؛ لقيامِ الدليل الشرعيِّ المُعارِض لها.

وعليه فإنَّ دِينَ الله كُلَّه حقٌّ ثابتٌ ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ٤٢[فُصِّلت]، وليس لأحَدٍ أَنْ يُغيِّرَ شيئًا منه أو يبدِّلَ أو يزيدَ عليه أو ينقصَ منه؛ لأنَّ الشريعة كاملةٌ غيرُ منقوصةٍ، وتامَّةٌ لا تحتاج إلى زيادة المُبتدِعين واستدراكاتِ المُستدرِكين، وقد أتمَّ اللهُ هذا الدِّينَ فلا ينقصه أبدًا، ورَضِيَه فلا يَسْخَطُهُ أبدًا، كذا ينبغي أَنْ يكون عليه إيمانُ المسلم الصادق؛ قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا[المائدة: ٣]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَايْمُ اللهِ، لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ البَيْضَاءِ: لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ»(٢).

هذا، وإِنْ أُريدَ بالمتغيِّرات آراءُ المجتهدين الذين يبذلون الوُسْعَ في النظر في الأدلَّة الشرعية لاستنباط الأحكام الشرعية منها ـ فقَدْ يُغيِّر المجتهِدُ الرأيَ في المسألة المجتهَد فيها أو في حقِّ نازلةٍ يَبْحَث فيها في محاولةٍ للكَشْفِ عن حُكمها الشرعيِّ، فإنه يجوز للمجتهِد تغييرُ رأيِهِ وتبديلُ اجتهادِه، والعدولُ عنه إلى قولٍ آخَرَ اتِّباعًا للدليل الشرعيِّ، والظاهرُ أنَّ هذا المعنى هو المرادُ بالقول بالمتغيِّرات؛ لأنَّ المجتهد لا يصحُّ أَنْ يقطع بصوابِ قوله وخطإِ قولِ مَنْ خالفه فيما إذا كانَتِ المسألةُ محتملةً ـ إلَّا أنَّ الجدير بالتنبيه والتذكير ـ في باب الاجتهاد ـ أنَّ آراء المجتهِد وأنظارَه وأقوالَه لا تُسمَّى تشريعًا؛ فإنَّ التشريع هو الكتابُ والسنَّة، أمَّا الاجتهاد فهو رأيُ الفقيه أو حُكْمُ الحاكم، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأميرِ سريَّةٍ: «وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي: أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا؟»(٣).

فالحاصل: أنه كما أنَّ اجتهاداتِ المجتهدين لا تنقسم إلى ثوابتَ ومتغيِّراتٍ؛ لأنَّ المسائل الاجتهاديةَ ظنِّيةٌ في الغالب لا يُقْطَعُ فيها بصحَّة القول وخطئِه، فهي قابلةٌ للتغيير متى كانَتْ مُخالِفةً للدليل الشرعيِّ؛ فليس في اجتهاداتهم ثوابتُ، بل هي مِنَ المتغيِّرات.

وبالعكس فأحكامُ الله قضايا تشريعيةٌ يقينيةٌ يُجْزَم فيها بحكمِ الله تعالى؛ فهي حقٌّ ثابتٌ لا يقبل التغييرَ ولا التبديلَ.

ولذلك فنسبةُ الثوابت والمتغيِّرات للدِّين غيرُ صحيحٍ، وإضافتُها إلى المجتهدين غيرُ سليمٍ.

وأخيرًا، نَلْفِتُ النظرَ إلى أنه بواسطةِ التلبيس على الأمَّة بتسمية الحقِّ بالباطل تأتي مثلُ هذه العباراتِ التي يتشوَّف بها أهلُ الأهواء والباطل تسلُّلًا للوصول إلى تمييع الدِّين وصرفِ الناس عن الحقِّ، ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١[المؤمنون].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ جمادى الأولى ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٧ ماي ٢٠٠٨م

 


(١) انظر: «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٦/ ٢٨٨ ـ ٢٨٩).

(٢) أخرجه ابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ اتِّباعِ سنَّةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٥) مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٣٠٢) رقم: (٦٨٨).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٧٣١) مِنْ حديثِ بُرَيْدةَ الأسلميِّ رضي الله عنه.