في حكم اقتراض عُملةٍ ورقيةٍ والوفاءِ بعملةٍ مُغايِرةٍ إلى أجلٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 21 صفر 1441 هـ الموافق لـ 20 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩١٦

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - القرض والصرف

في حكم اقتراض عُملةٍ ورقيةٍ
والوفاءِ بعملةٍ مُغايِرةٍ إلى أجلٍ

السؤال:

لي صديقٌ يُقيمُ في الخارج، وقد كلَّفْتُه بأَنْ يشتريَ لي بالعملة الصعبةِ بعضَ الحاجيات قرضًا، على أَنْ أدفع ثمنَها بالعملة المحلِّية لأخيه المُقيمِ معنا؛ فما حكمُ هذه المُعامَلة؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمعلوم أنه ـ لصحَّةِ عملية الصرف ـ يُشترَطُ التقابضُ بين البَدَلين في مجلس العقد، أي: مِنْ شرطه الحلولُ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثِ عبادة بنِ الصامت رضي الله عنه: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»(١)، وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»(٢)، بينما القرضُ فشرطُه الأجلُ، ولا يصحُّ إحلالُ البيعِ مَحَلَّ القرضِ لافتراقهما في شرط الأجل، وعليه فمَنِ استسلف مِنْ غيرِه مالًا على وجه القرض بالعُملة الصعبة ووكَّله أَنْ يشتريَ له به فلا يصحُّ له أَنْ يُوفِّيَهُ مالًا بغير عملةِ المال الذي استسلفه منه؛ لأنَّ القرض ينقلب إلى بيعٍ، وشرطُه الحلولُ والتقابضُ في مجلسٍ واحدٍ قبلَ التفرُّق، والواجبُ ـ والحالُ هذه ـ أَنْ يَرُدَّ له العملةَ ـ نَفْسَها ـ بالسعر الذي اقترضه منه، سواءٌ زادَتْ قيمةُ العملةِ عن سِعْرِها ـ وقتَ الاقتراض ـ أو نقصَتْ، وهذا مقتضى العدل تفاديًا لصورةِ رِبَا النسيئة في البيوع، فإِنِ اتَّفقا على أَنْ يُجريَ معه عمليةَ صرفٍ بعملةٍ أخرى بسعرِ يومِها فله أَنْ يبيعه تماثلًا أو تفاضلًا بشرطِ اتِّحاد المجلس، أي: أَنْ يتمَّ التقابضُ في مجلسٍ واحدٍ بالنظر إلى اختلاف الجنسين؛ لحديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما قَالَ: «كُنْتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بِالبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ـ فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ، إِنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ»»(٣)، والحديثُ ـ وإِنْ لم يَصِحَّ رفعُه ـ إلَّا أنه لا يختلف ـ في حكمه ـ عن الأحاديث الصحيحة المتقدِّمة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ جمادى الأولى ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٢ جوان ٢٠٠٨م

 


(١) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة» (١٥٨٧) مِنْ حديثِ عبادة بنِ الصامت رضي الله عنه.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ بيعِ الفضَّة بالفضَّة (٢١٧٧)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٨٤)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أبو داود في «البيوع» بابٌ في اقتضاء الذهب مِنَ الورِق (٣٣٥٤)، والترمذيُّ في «البيوع» بابُ ما جاء في الصرف (١٢٤٢)، والنسائيُّ في «البيوع» بابُ بيعِ الفضَّة بالذهب وبيعِ الذهب بالفضَّة (٤٥٨٢)، وابنُ ماجه في «التجارات» بابُ اقتضاء الذهب مِنَ الوَرِقِ، والوَرِقِ مِنَ الذهب (٢٢٦٢)، والحاكمُ في «مستدرَكه» (٢٢٨٥)، وقال: «صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يُخْرِجاهُ» ووافَقَه الذهبيُّ، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وضعَّف الألبانيُّ رَفْعَه في «إرواء الغليل» (٥/ ١٧٣)، وحسَّنه موقوفًا.