حديث عائشة رضي الله عنها في الشك في علم الله تعالى | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 20 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 21 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ٩١٧

الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - مسائل الإيمان

حديث عائشة رضي الله عنها في الشك في علم الله تعالى

السـؤال:

لقد طرحتم مسألةَ عدمِ العُذر بالجهل في أصولِ الإيمان والتوحيد في إحدى الفتاوى المتعلِّقة بالعقيدة، وقد أحببتُ أن أعرف ما إذا كان هذا الحكم غير معارض بشكِّ عائشة رضي الله عنها عندما قالت للنبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم: «مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ»، وبحديث سجود معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وقد نهاه وأعذره عمَّا هو من الشرك الأكبر؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فأمَّا قولُ عائشةَ: «مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ»(١) فليس فيه شكٌّ في علمِ الله تعالى، بل بالعكس فيه تقريرٌ للعلم، ويدلُّ على ذلك تصديقُ نفسها حيث أكدَّت مقالتَها بالإثبات.

قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وهو صحيحٌ، وكأنَّها لمَّا قالت: «مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ»، صدَّقت نَفْسَها، فقالت: نَعَمْ»(٢)، فليس في عبارتها محذورٌ شرعيٌّ، إذ لو وقعت فيه حقيقةً لَلزم البيانُ على الفور من غير تَراخٍ، وخاصَّةً في مسائل الإيمان والاعتقاد؛ لأنَّ «تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ» قولًا واحدًا عند أهل العلم، ولمَّا عُدم البيانُ في موضع الحاجة إليه دلَّ على العدم، بل دلَّ على صِحَّة مُعتقَدها الذي أكَّدَتْه بالتصديق ﺑ «نعم».

هذا، ولا ينبغي أن يضاف لأُمِّنا عائشة رضي الله عنها ـ زوج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الدنيا والآخرة، وأفقهِ نساء المؤمنين ـ  الشكُّ في صفةٍ ذاتيةٍ لله سبحانه والمتعلِّقة بالعلم، كيف وقد أسلمت في العهد المكِّيِّ، وتربَّت في بيت النُّبوَّة الذي يُتلى فيه آياتُ الله والحكمة؟ ومِن آيات الله قولُه تعالى: ﴿يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧ [طه]، وقوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩ [غافر]، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ [الفرقان: ٦]، وغيرها من الآيات الدالَّة على أنَّ الله لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء.

وأمَّا حديث معاذٍ رضي الله عنه فجوابُه من وجهين:

الوجه الأوَّل: عدمُ التسليم بصحَّة حديثه مِن جهة الإسناد والمعنى، وقد بيَّن الشيخُ ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ ضَعْفَ ونكارة قصَّة سجود معاذٍ رضي الله عنه للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بما نصُّه:

«أمَّا من جهة معناه فإنه لم يثبت أنه ذهب إلى الشام في حياة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما الثابت ذهابُه إلى الشام في عهد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ومات بالطاعون هناك، وفي الحديث: «حِينَ رُجُوعِهِ مِنَ اليَمَنِ»، وهو لم يذهب إلى اليمن إلَّا في آخر حياة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومات النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو باليمن، حيث لم يَعُدْ إلَّا في خلافة أبي بكرٍ رضي الله عنه.

ثمَّ هو مِن كبار الصحابة وفقهائهم الكبار، بعيدٌ جدًّا أن يكون بهذه الدرجة من الجهل..

وأمَّا من جهة الإسناد ففيه نكارةٌ(٣).. أمَّا حديث: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» فهو حديثٌ ثابتٌ ـ إن شاء الله ـ بمجموع طرقه عن أبي هريرة وأنسٍ وعائشة»(٤).

وإذا كان حديث معاذٍ مقرونًا بجملةٍ من العلل فإنه لا يصلح أن يُبنى عليه حكمٌ شرعيٌّ بله عقيدة.

الوجه الثاني: وعلى فرض التسليم بصحَّته فإنَّ جمهور أهل العلم والحديث يقرِّرون بأنَّ سجود معاذٍ رضي الله عنه لم يكن سجودَ عبادةٍ وإنما هو سجودُ تحيَّةٍ، وقد كان مثلُ هذا السجود جائزًا في الشرائع السابقة إذا سلَّموا على الكبير يسجدون له، وبقي ذلك على الجواز من لدن آدَمَ إلى شريعة عيسى عليهم السلام، فحُرِّم هذا في هذه الملَّة بما في حديث معاذٍ رضي الله عنه، وأصبح السجود مختصًّا بجناب الربِّ سبحانه وتعالى، قال ابن كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في مَعْرِض تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤ [البقرة]: «وقال قتادة في قوله ... «فكانت الطاعة لله، والسجدة أَكْرَمَ اللهُ آدَمَ بها أن أَسْجَدَ له ملائكتَه»... وقال بعضُ الناس:كان هذا سجودَ تحيَّةٍ وسلامٍ وإكرامٍ، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ [يوسف: ١٠٠]، وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنَّه نُسخ في مِلَّتنَا، قال معاذٌ: (.. وذكر الحديث)»(٥).

هذا، ولا يخفى أنَّ السجود لغير الله على وجه العبادة شركٌ محرَّمٌ في كلِّ الشرائع السابقة، فكيف يسوغ أن يُنسب هذا الأمرُ الجَلَلُ مِن عِبادة غير الله إلى
هذا الصحابيِّ الجليـل الذي اختاره النبيُّ
صلَّى الله عليه وسلَّم لمناظرة أهل الكتاب وتبليغهم التوحيدَ وأصلَ الدِّين؟ ثمَّ إنه ـ من ناحيةٍ أخرى ـ لو كان السجود للعبادة لَمَا قال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ لَأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»، وحاشا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يأمر بالمعصية بَلْهَ السجود لغير الله تعالى سجودَ عبادةٍ، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ أَرۡبَابًاۗ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠ [آل عمران].

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٦ جمادى الأولى ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٣١ ماي ٢٠٠٨م


 


(١) أخرجه مسلم في «الجنائز» (٩٧٤) من حديث عَائِشَة رضي الله عنها قَالَتْ: أَلا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ البَابَ فَخَرَجَ ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ:«مَا لَكِ ـ يَا عَائِشُ ـ حَشْيَا رَابِيَةً؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: «لَا شَيْءَ»، قَالَ:«لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ»، قَالَتْ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي» فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ:«فَأَنْتِالسَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟» قُلْتُ: «نَعَمْ»، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: «أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟»، قَالَتْ:«مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ»، قَالَ:«فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ البَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَلَهُمْ»، قَالَتْ: قُلْتُ: «كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْيَارَسُولَ اللهِ؟» قَالَ:«قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».

(٢) «شرح مسلم» للنووي (٧/ ٤٤).

(٣) وقد بيَّن ـ حفظه الله ـ جملةً من العِلل مقترنةً بحالِ الحديث المنسوبِ إلى معاذٍ رضي الله عنه منها: ضعفُالقاسم بن عوفٍ الشيبانيِّ واضطرابُه في الأسانيد، والاختلاف في المتن، والانقطاع في إسناد أبي ظبيان بينه وبين معاذٍ رضي الله عنه، والاختلاف عليه.

(٤) انظر مقالة: «بيان ضعفِ ونكارةِ قصَّة سجود معاذٍ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم» للشيخ ربيع بن هادي المدخلي في «مجلَّة الإصلاح» العدد ٢٠ ص ١٠.

(٥) «تفسير ابن كثير» (١/ ٧٧، ٢/ ٤٩١).