في أدب تقديم الأكابر في السنِّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 21 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 22 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ٩٤٧

الصنـف: فتاوى متنوِّعة - الآداب

في أدب تقديم الأكابر في السنِّ

السـؤال:

بعد إلقاء السلام على الحاضرين: هل يبتدئ المسلِّم في المصافحة بالأيمن أم بالأكبر؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فظاهر النصوص الحديثية الواردةِ في باب الآداب تدلُّ على أنَّ وصف السِّنِّ مُعتبَرٌ في التقديم في وجوه الإكرام والآداب لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ»(١)، أي: أمرني عن الله تعالى بأن أُقدِّم الأكبر في السِّنِّ، وهو على الحقيقة، أمَّا الكُبْر المعنويُّ كالكبير في العلم فهو على المجاز، والحقيقة مُقدَّمةٌ على المجاز، ويدلُّ عليه حديث القسامة في أنَّ عبد الرحمن بنَ سهلٍ ذهب ليتكلَّم قبل صاحبيه وكان أصغر القوم، فقال له رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «كَبِّرْ»(٢)، يريد الكُبْرَ في السِّنِّ(٣)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلاَنِ فَأُوحِيَ إِلَيْهِ: أَنْ كَبِّرْ: أَعْطِ السِّوَاكَ الأَكْبَرَ»(٤).

فإذا ثبت منصوصًا تقديمُ ذي السِّنِّ في الكلام والسِّواك فيَطَّرِدُ ذلك في جميع وجوه الإكرام، بما في ذلك المصافحة إلاَّ ما استثناه الدليلُ، كإمامة الصلاة فإنه يُقدَّم فيها أقرؤُهم لكتاب الله، لقوله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا»(٥)، وفي أدب الإسقاء يبتدئ الساقي باليمين، ولو لم يكن بكبير القوم لقوله صَلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «الأَيْمَنُ فَالأَيْمَنُ»(٦)، وفي روايةٍ: «الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، أَلاَ فَيَمِّنُوا»(٧).

قال المناوي -رحمه الله- في معرض شرح حديث: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ»: «وفيه أنَّ السِّنَّ مِن الأوصاف التي يُقدَّم بها، فيُستدلُّ به في أبوابٍ كثيرةٍ من الفقه سيما في مورد النصِّ وهو الإرفاق بالسواك، ثمَّ يطَّرد في جميع وجوه الإكرام، كركوبٍ وأكلٍ وشربٍ وانتعالٍ وطيبٍ، ومحلُّه ما إذا لم يعارض فضيلةَ السِّن أرجحُ منها، وإلاَّ قُدِّم الأرجحُ كإمامة الصلاة والإمامة العُظمى وولاية النكاح وإعطاء الأيمن في الشرب، ولا منافاة بين ذلك والحديث؛ لأنه لم يدلَّ على أنَّ السِّنَّ يُقدَّم به على كُلِّ شيءٍ، بل أنه شيءٌ يحصل به التقديم»(٨).

قلت: ويُقدَّم عموم تقديم الأكابر لكثرة أفراده في حسن المعاملة والإكرام، ولا ينافي العملُ بعموم اليمين في مورد النصِّ، وفي المصافحة إذا تقارب المسلَّم عليهم في السِّن، أو لم يظهر له الكبير في المجلس، أو كان الكبير عن يمينه، ونحو ذلك.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٠ شوَّال ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ أكتوبر ٢٠٠٨م


(١) أخرجه أبو بكرٍ الشافعيُّ في «الفوائد» (٩/ ٩٧/ ١)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في «مسنده» (٦٢٢٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٧٢)، بلفظ: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ». والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٧٤).

(٢) أخرجه البخاري في «الجزية» باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال (٣١٧٣)، ومسلم في «القسامة والمحاربين والقصاص والديات» (٣١٧٣)، من حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه.

(٣) قال النووي في «شرح مسلم» (١١/ ١٤٦): «وقوله: الكُبْر في السن، معناه: يريد الكُبْرَ في السن، والكُبر منصوبٌ بإضمارِ «يريد» ونحوِها».

(٤) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب في الرجل يستاك بسواك غيره: (٥٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث حسَّنه ابن حجر في «فتح الباري»: (١/ ٣٥٧)، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (٤/ ٧٦).

(٥) أخرجه مسلم «المساجد» (٦٧٣)، والترمذي -واللفظ له- في «الصلاة» باب مَن أحقُّ بالإمامة (٢٣٥)، من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

(٦) أخرجه البخاري في «المساقاة والشرب» باب في الشرب ومن رأى صدقةَ الماء وهِبَتَه ووصيَّتَه جائزةً (٢٣٥٢)، ومسلم في «الأشربة» (٢٠٢٩)، من حديث أنسٍ رضي الله عنه.

(٧) أخرجه البخاري في «الهبة وفضلها» باب من استسقى (٢٥٧١)، ومسلم في «الأشربة» (٢٠٢٩)، إلاَّ أنه ذكر في الثالثة أيضَّا «الأيمنون»، كلاهما من حديث أنسٍ رضي الله عنه.

(٨) «فيض القدير» للمناوي (٢/ ١٩٣).