في حدود مطالبة المرأة زوجها بسكن مستقل | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 15 المحرم 1446 هـ الموافق لـ 21 يوليو 2024 م

الفتوى رقم: ٩٨٠

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزَّواج ـ الحقوق الزَّوجيَّة ـ الحقوق المنفردة

في حدودِ مُطالَبةِ المرأةِ زوجَها بسُكْنَى مُستقِلَّة

السؤال:

تسكن امرأةٌ متزوِّجةٌ مع عائلةِ زوجها، وكثيرًا ما تتفاجأ بدخول أقاربِ زوجِها البيتَ مِنْ غيرِ استئذانٍ، بالإضافة إلى وقوعها في خلوةٍ ـ بين فترةٍ وأخرى ـ مع أخي الزوج الذي بدأَتْ تظهر عليه علاماتُ البلوغ، فما عليها فعلُه في مِثلِ هذه الحالات؟ وما واجبُ الزوج؟ وهل يصحُّ لها المطالبة ببيتٍ مُستقِلٍّ ليزول عنها الحرجُ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالواجبُ على الزوجة أَنْ تسترَ مَحاسِنَها وكُلَّ ما يكونُ سببًا في الفتنة، فإِنْ كانت في بيتِها فلا يجوزُ لغيرِ ذي مَحْرَمٍ ـ ولو كان مِنْ أقارب الزوج ـ الدخولُ عليها أو مُباغَتتُها مُطلَقًا سواءٌ كانت مُتحجِّبةً أو غيرَ متحجِّبةٍ، بإذن الزَّوج أو بغير إذنه، سدًّا لطريق الخَلوة الممنوعة؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟» قال: «الحَمْوُ المَوْتُ»(١)؛ ذلك لأنَّ «الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»(٢)، كما لا تجوز الخلوةُ بواحدٍ منهم أو مِنْ غيرهم ممَّنْ ليسوا بمَحْرَمٍ لها لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ»(٣)، فالخلوة بالأجنبيَّة مَثارُ شهوةٍ، والشهوةُ الجنسيَّة لا حدودَ لها، ولها الجلوسُ مع زوجها أو مع ذي مَحْرَمٍ لها إِنْ كانَتْ مُستَتِرةً بلباسٍ سابغٍ يُخفي عَوْرَتَها ولا يُظهِرُ مَفاتِنَها ولو مع أقاربه؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»(٤).

هذا، وعلى المرأة ـ في هذه الوضعيَّةِ الحرجة ـ أَنْ تحترز قَدْرَ الإمكان عن الوقوع في هذه المحاذيرِ التي لا يعبأ بها مُعظَمُ العائلات والأُسَرِ ويغفلون عن نتائجها الضارَّة، كما أنه لا ينبغي لها تكليفُ الزوج بتوفير مسكنٍ خاصٍّ في الحال إذا كانت مداخيلُه الماليَّةُ ومَكاسِبُه المادِّيَّة لا تَفِي بهذه المُطالَبة، أو كان المقدار الماليُّ يُثقِل كاهِلَه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا[البقرة: ٢٨٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ[التغابن: ١٦].

فإِنْ كان قادرًا على إزالةِ مَفْسَدةِ الاختلاط والخلوةِ بتوفيرِ مسكنٍ مُستقِلٍّ وَجَب عليه ذلك في الحال لِيَصونَ به عِرْضَه، ويحفظ أهلَه ويدفع الحرجَ عنهم، وإِنْ لم يقدر وَجَب عليه تقليلُ المفسدة بأخذِ الاحتياطات اللازمة لتجنُّبِ الخلوة والاختلاط في البيت، ونصيحةُ أقاربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وتعريفُهم بالحكم الشرعيِّ وتعويدُهم على الْتِزامه، مع التَّحلِّي في تقديم النصيحة لهم بخُلُق الأناة والحِلْم والصبر إلى أَنْ يفتح اللهُ وهو خيرُ الفاتحين.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٠ صفر ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٥ فبراير ٢٠٠٩م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب: لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا ذو مَحْرَمٍ، والدخولِ على المُغيبة (٥٢٣٢)، ومسلمٌ في «السلام» (٢١٧٢)، مِنْ حديثِ عقبة بنِ عامرٍ رضي الله عنه.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتكاف» باب: هل يدرأ المُعتكِفُ عن نفسه؟ (٢٠٣٩)، ومسلمٌ في «السلام» (٢١٧٥)، مِنْ حديثِ صفيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ رضي الله عنها.

(٣) أخرجه الترمذيُّ في «الفِتَن» بابُ ما جاء في لزوم الجماعة (٢١٦٥) مِنْ حديثِ ابنِ عمر عن أبيه عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٢١٥) وفي «صحيح الجامع» (٢٥٤٦). وانظر طُرُقَه في: «البدر المنير» لابن الملقِّن (٨/ ٢٥٧)، و«نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٢٤٩).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» بابُ مَنِ اكتُتِبَ في جيشٍ فخرجَتِ امرأتُه حاجَّةً أو كان له عذرٌ: هل يُؤذَن له؟ (٣٠٠٦) وفي «النكاح» باب: لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا ذو مَحْرَمٍ، والدخولِ على المُغيبة (٥٢٣٣)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٤١)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.