في الاحتجاج بواقعة ذات أنواط | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 17 صفر 1441 هـ الموافق لـ 16 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩٩٨

الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - مسائل الإيمان

في الاحتجاج بواقعة ذات أنواط

السـؤال:

.. ثمَّ إنَّ أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد سألوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ، فلم يُجِبْهُمْ إلى طلبهم، بل أنكر عليهم صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أشدَّ الإنكار لِمَا وقعوا فيه من معصية الشِّرك، فكان التحذير على أصلٍ من أصول الدِّين، وقد عذرهم بسبب الجهل لكونهم حديثي عهد بالكفر، فلذلك كان اعتبار الجهل عذرًا بحادثة ذات أنواط، وهذا نصُّها:

«عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ-، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ, اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨ [الأعراف]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(١).

فإن كان للشيخ أبي عبد المعز –حفظه الله- توجيه آخر سليم على غير ما ذكر، فليوضِّحه لنا ونكون له من الشاكرين.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففي حادثة ذات أنواطٍ التي أنكر فيها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قولَهم: «اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ ـ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ـ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ [الأعراف]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(٢).

فإنَّ التوجيه المطلوب لهذه الواقعة يظهر بوضوحٍ في أنَّ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنما طلبوا مجرَّدَ المشابهة للمشركين لا عَيْنَ الشِّرك، حيث إنَّ سؤالهم له اتِّخاذَ ذاتِ أنواطٍ يشبه سؤالَ بني إسرائيل لموسى عليه السلام اتِّخاذَ الآلهة مِن دون الله لا أنه هو بعينه؛ ذلك لأنَّ التشابه في وجهٍ أو فردٍ لا يَلزم منه التشابهُ بينهما من كلِّ وجهٍ وفردٍ، كتعلُّق قلبِ المدمن بالخمر في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ»(٣)، فوجهُ التشابه بينهما أنَّ المدمنَ لا يكاد يمكنه أن يَدَع الخمرَ، كما لا يَدَعُ عابِدُ الوثن عبادتَه، ولم يقُلْ أحدٌ: إنَّ مدمن الخمر مشركٌ بهذه المشابهة في بعض الأفراد.

ويمكن الاستئناس بأثر عليٍّ رضي الله عنه لَمَّا مرَّ على قومٍ يلعبون بالشطرنج قال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟(٤) فشبَّههم بالعاكفين على التماثيل، لذلك فالتشبيه مِن هذا الوجه لا يَلزم منه بالضرورة المشابهةُ بينهما من كلِّ وجهٍ، قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «هذا وعيدٌ شديدٌ، وتهديدٌ ما عليه مزيدٌ؛ لأنَّ عابد الوثن أشدُّ الكافرين كفرًا، فالتشبيه لفاعل هذه المعصية بفاعل العبادة للوثن مِن أعظم المبالغة والزجر»(٥).

ومثله قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ»(٦)، قال ابن أبي العزِّ ـ رحمه الله ـ: «وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئيِّ بالمرئيِّ»(٧).

فلذلك لم يطلب القومُ الشركَ الأكبر يقينًا، وإنما طلبوا أن تكون لهم شجرةٌ ينوطون بها السلاحَ، ويستمدُّون مِن الله بها البركةَ والنصر، ولا يستمدُّون منها، لقيام الفرق بين طلب النصر والقُوَّة والبركة من الشجرة ـ وهو شركٌ أكبرُ لصرف عبادة الدعاء والسؤال لغير الله تعالى ـ وبين طلبِ ذلك مِن الله عندها أو بسببها، فهذا إنما يدخل في البدعة والشرك الأصغر، فشأنُه كمن يعبد اللهَ وحده لا شريك له عند القبور، فهذا مُوَحِّدٌ لم يشرك بالله غيرَه، إلَّا أنه مبتدعٌ؛ لأنه فضَّل مكانًا بغير مستنَدٍ شرعيٍّ، فانتقل من السُّنَّة إلى البدعة، وضمن هذا المعنى يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولمَّا كان للمشركين شجرةٌ يعلِّقون عليها أسلحتَهم ويُسمُّونها ذاتَ أنواطٍ، فقال بعض الناس: «يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواطٍ»، فقال: «اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(٨)، فأنكر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مجرَّدَ مشابهتهم للكفَّار في اتِّخاذ شجرةٍ يعكفون عليها، معلِّقين عليها سلاحَهم، فكيف بما هو أعظمُ مِن ذلك مِن مشابهتهم المشركين أو هو الشركُ بعينه؟

فمن قصد بقعةً يرجو الخيرَ بقصدها ولم تستحِبَّ الشريعةُ ذلك؛ فهو من المنكرات، وبعضُه أشدُّ من بعضٍ، سواءٌ كانت البقعةُ شجرةً أو عينَ ماءٍ أو قناةً جاريةً أو جبلًا أو مغارةً، وسواءٌ قصدها ليُصلِّيَ عندها، أو ليدعوَ عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسَّك عندها، بحيث يخصُّ تلك البقعةَ بنوعٍ من العبادة التي لم يُشرع تخصيصُ تلك البقعةِ به لا عينًا ولا نوعًا»(٩).

فالحاصل أنَّ أصحابَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يطلبوا الشركَ الأكبرَ، وإنما طلبوا مجرَّدَ المشابهة حيث قالوا: «اجعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ»، فإنه يشبه قولَ بني إسرائيل: «اجعَلْ لنا إلهًا»، فاتِّخاذُ ذات أنواطٍ يشبه اتِّخاذَ الآلهة مِن دون الله لا أنه هو نَفْسُه، فحذَّرهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وغلَّظ عليهم مع أنهم طلبوا ولم يفعلوا، والتغليظُ كما يَرِدُ في الشرك الأكبر يَرِدُ ـ أيضًا ـ في الشرك الأصغر، فمثلُه: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم في قولِ مَن قال له: «ما شاء الله وشئتَ»، فقال: «أَجَعَلْتَنِي للهِ عَدْلًا؟»(١٠)، فكان في زجره صلَّى الله عليه وسلَّم لهم عن هذه المشابهة خشيةُ أن يؤول أمرُها إلى الشرك الأكبر، فقطع مادَّةَ المشابهة من أساسها وجذورها حملًا لهم على السُّنَّة والمعتقَد السليم؛ لأنَّ البدع بريد الشرك الأكبر. قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «ولم يكن مِن قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرةَ أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون مِن أهل القبور، فأخبرهم صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ ذلك بمنزلة الشرك الصريح، وأنه بمنزلة طلب آلهةٍ غير الله تعالى»(١١)، وعليه فليس في قصَّة ذات أنواطٍ دلالةٌ على العذر بالجهل.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٠٥ شعبان ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٦ أوت ٢٠٠٨م

 


(١) أخرجه الترمذي في «سننه» كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم: (٢١٨٠)، وقال: «حسن صحيح»، وأحمد في «مسنده»: (٢١٣٩٠)، والحديث صححه الألباني في «جلباب المرأة المسلمة»: (٢٠٢).

(٢) أخرجه الترمذي في «الفتن» باب ما جاء: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (٢١٨٠)، وقال: «حسنٌ صحيحٌ»، وأحمد (٢١٨٩٧)، والطبرانيُّ ـ واللفظ له ـ في «المعجم الكبير» (٣/ ٢٤٤)، من حديث أبي واقدٍ الليثيِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني في «المشكاة» (٥٤٠٨).

(٣) أخرجه ابن ماجه في «الأشربة» باب مُدْمِن الخمر (٣٣٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أحمد في «مسنده» (٢٤٥٣) من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما بلفظ: «مُدْمِنُ الخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللهَ كَعَابِدِ وَثَنٍ». قال الألبانيُّ في [«السلسلة الصحيحة» (٢/ ٢٨٩)]: «فالحديث بمجموعِ طُرُقه حسنٌ أو صحيحٌ، والله أعلم».

(٤) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٠/ ٣٥٥) وفي «شُعَب الإيمان» (٥/ ٢٤١)، عن الأصبغ بن نباتة عن عليٍّ رضي الله عنه. وأخرجه البيهقيُّ في «سننه» (١٠/ ٣٥٥)، وابن أبي الدنيا في «ذمِّ الملاهي» (٤٧)، من طريق مَيْسَرة بن حبيبٍ. والأثر قال عنه ابن تيمية في [«مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٤٤)]: «ثابتٌ»، وصحَّحه ابن القيِّم في «الفروسية» (٣١٠)، وضعَّفه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٨/ ٢٨٨). وانظر: «جامع العلوم والحِكَم» لابن رجب (٩٥٣).

(٥) «نيل الأوطار» للشوكاني (١٠/ ١٢٩).

(٦) أخرجه البخاريُّ في «مواقيت الصلاة» باب فضل صلاة العصر (٥٥٤)، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٦٣٣)، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه.

(٧) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١/ ٢١٩).

(٨) انظر: (الهامش ٢)

(٩) «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (٢/ ١٥٧ ـ ١٥٨).

(١٠) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٥٦١)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٥٨١٢)، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، والحديث حسَّنه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (٣/ ١٢٨)، والألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٢٦٦).

(١١) «الدرُّ النضيد» للشوكاني (٩).