«التصفيف الثالث والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنزِيه (٥)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الثالث والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنـزِيه (٥)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ:

وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الإِرَادَةُ وَالمَشِيئَةُ المُطْلَقَةُ(١) فِي جَمِيعِ المُمْكِنَاتِ فَيُخَصِّصُ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ(٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾(٣)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾(٤).



(١) ذكر الجرجاني في «التعريفات» (٢١٦) أن المشيئة أعمُّ من الإرادة، وبيَّن هذا العموم من جهة الاصطلاح أن مشيئة الله هي عبارة عن تجلِّي الذات والعناية السابقة لإيجاد المعدوم أو إعدام الموجود.

بينما إرادته سبحانه إنما هي عبارة عن تجلِّيه لإيجاد المعدوم، ثم قال: «ومن تتبَّع مواضع استعمالات المشيئة والإرادة يعلم ذلك».

قلت: والأولى القول بترادفهما لأن قَصْرَ الإرادة على إيجاد المعدوم دون إعدام الموجود يعكِّر على هذا الضابط في الفرق بين المشيئة والإرادة ورودُ استعمال الإرادة في موضع إعدام الموجود أيضا، ويدلُّ على هذا الاستعمال قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].

وكذلك بحسب اللغة فإنه يُسْتَعْمَلُ كل واحد منهما مقام الآخر.

(٢) المشيئة والإرادة صفتان ذاتيَّتان ثابتتان، فالله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا بهما، فهو إذا شاء شيئا قدَّره، وأراد وجوده في وقته الذي قدَّره، فالأول عزم والثاني قصد، فنوعُ الإرادة قديم، وإرادةُ الشيء المعيَّن فإنه يريده في وقته. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٦/ ٣٠٣)].

والله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ووصف نفسه بالإرادة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وإذا كان العبد متَّصفا بهما أيضا فالمعلوم أن ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجب إثباتُه واعتقادُ حقيقته من غير تشبيه شيء من صفات الله تعالى بصفات المربوبين المخلوقين ولا تكييف له ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير بزيادة عليه أو إزالةِ لفظ عما تعرفه العرب وتصرفِه عنه، والإمساكُ عما سوى ذلك كما تقدم.

هذا والإرادة الإلهية تسبق وجود المراد، وتتقدم على وقت قطع الأعذار والعذاب، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].

وإرادة الله سبحانه تتنوَّع باعتبار تعلُّقها بالمراد ووقوعه إلى نوعين:

النوع الأول: الإرادة الكونية القدرية: وهي المشيئة المطلقة الشاملة لجميع الحوادث والمتعلقة بما يريد الله أن يفعل بنفسه، وهي مستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن»، ومن أدلتها ما استدل به المصنف – رحمه الله – ومنها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].

النوع الثاني: الإرادة الشرعية الدينية: وهي متعلِّقة بالأمر الذي أراده الله من عبده أن يفعله، وهي متضمنة للمحبة والرضا ولا تستلزم وقوع المراد إلا إذا تعلقت بالإرادة الكونية القدرية، ومن أدلَّتها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا، يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٧-٢٨]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. [انظر: «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (٢/ ٧٧)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ١٨٨)، «منهاج السنَّة النبوية» (٣/ ١٥٦، ١٥٧، ١٨٠)، «شفاء العليل» لابن القيم (١/ ١٨٩)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (١١٦)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ٣٢١)، «إيثار الحق على الخلق» لابن الوزير (٢٢٨)].

وهذه الإرادة الإلهية من كونية قدرية وشرعية دينية من حيث تعلُّقُها بالمراد من جهة، ومن حيث وقوعُه وعدمُ وقوعه من جهة أخرى قد تجتمع وقد تفترق، وقد توجد إحداهما دون الأخرى، لذلك كان التفصيل على أربع صور ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٨٩) بقوله:

«أحدها: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع ولولا ذلك لما كان.

والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمرَ الكفَّارُ والفجَّارُ، فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع.

والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدَّره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضَها ولم يحبَّها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئتُه وقدرتُه وخَلْقُه لها لما كانت ولما وُجِدَتْ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهذه الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع، والمعنى: أن الغاية التي يحب لهم ويرضى لهم والتي أمروا بفعلها هي العبادة، فهو العمل الذي خلق العباد له: أي هو الذي يحصِّل كمالَهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيِّين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادما لما يُحَبُّ ويُرْضَى ويُرَادُ له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته، وعادما لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه».

وضابط الفرق بين الإرادتين: أن الإرادة الكونية القدرية قد يحبُّها الله ويرضاها، وقد لا يحبُّها ولا يرضاها، وهي لا تستلزم الأمر إلا أن تتعلَّق بالإرادة الشرعية الدينية، فالله سبحانه أراد المعصية كونا ولا يرضاها ولا يحبُّها ولا يأمر بها شرعا، وأراد الطاعة كونا ويرضاها ويحبُّها ويأمر بها شرعا، فيأمر بما لم يشأ أن يخلقه كالطاعة في حق من لم يوفِّقه إليها، أو يأمر بما شاء أن يخلقه كطاعة من وفَّقه للطاعة.

أمَّا الإرادة الشرعية الدينية فيحبها الله ويرضاها، وهي تستلزم الأمر، فكل ما أراد الله شرعا أمر به.

ومن جهة ثانية فإن الإرادة الكونية القدرية لا بد من وقوعها لأنها إرادة الخلق، أي أن الله تعالى يريد خلق ما يحدثه من أفعال العباد وغيرها، وأما الإرادة الشرعية الدينية فلا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع إلا أن تتعلَّق بالإرادة الكونية القدرية، ذلك لأن الإرادة الشرعية هي إرادة الأمر التي تقتضي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم، وهي أن يريد الله بالمأمور فعل ما أمر به، فقد يفعله وقد لا يفعله إلا أن تتعلق به إرادة الخلق.

قال ابن القيم -رحمه الله- في «شفاء العليل» (٢/ ٧٦٨): «والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرًا كإيمان من أمره ولم يوفِّقه للإيمان، مراد له دينًا لا كونًا، لذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرد كونًا وقدرًا، وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونًا وقدرًا، وبين هذين الأمرين وأمرِ من لم يؤمن بالإيمان فرق، فإن الله لم يحبَّ من إبراهيم نبيِّه ذبح ولده، وإنما أحب منه عزْمَه على الامتثال وتوطينَ نفسه عليه، وكذلك أمر محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة، وأما أمْرُ من علم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله، ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره به ووفَّقه له، وخذل بعضهم فلم يُعِنْه ولم يوفِّقْه، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم، وحصلت من الأمر بالذبح».

وقال ابن أبي العز -رحمه الله- في «شرح العقيدة الطحاوية» (١١٧): «والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل وبين إرادته من غيره أن يفعل، فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الإرادة معلَّقةٌ بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلا فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على ما أُمِرَ به وقد لا يريد ذلك، وإن كان مريدا منه فعله».

ومن جهة ثالثة فإن الإرادة الكونية القدرية قد تكون مقصودة لغيرها بينما الإرادة الشرعية الدينية فمقصودة لذاتها.

قال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» (٢٨٠-٢٨٣) ما نصه: «المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره:

فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد.

والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا لما يريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسُه وذاتُه، مراد له من حيث إفضاؤُه وإيصالُه إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضُه وإرادتُه، ولا يتنافيان لاختلاف متعلَّقهما، وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناوِل له أن فيه شفاءه، وقطْعِ العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقَّة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه، فهو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، فلو قُدِّرَ عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حِكَمٌ كثيرة ولفاتت مصالح عديدة، ولو تعطَّلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لَتعطَّلَ الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلقُ إبليسَ لما حصلت، فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاةِ لله سبحانه والمعاداة فيه، وعبوديةِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبوديةِ الصبر ومخالفة الهوى وإيثارِ محاب الله تعالى، وعبوديةِ التوبة والاستغفار، وعبوديةِ الاستعاذة بالله أن يُجِيرَه من عدوِّه، ويعصِمَه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحِكَم التي تعجز العقول عن إدراكها» [بتصرف].

فالحاصل أن التقسيم بين الإرادتين الكونية القدرية والشرعية الدينية هو مذهب أهل السنة. ومنشأُ الضلال الذي وقعت فيه القدرية والجبرية في هذه المسألة يكمن في التسويةِ بين الإرادتين، وظنِّهم أن المشيئة والإرادة مستلزمة للمحبة والرضا.

فالقدرية أثبتوا الإرادة الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية، وزعموا أن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، فلا يدخل تحت إرادة الله وتقديره، لأن الأمر – عندهم يستلزم الإرادة، فكل ما أمر به فقد أراده، والله تعالى لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان، فهو غير مريد لها، لأن الله لا يحبها ولا يرضاها.

أما الجبرية فأثبتوا الإرادة الكونية وأنكروا الإرادة الشرعية وزعموا أن الكفر والفسوق والعصيان مرادة له محبوبة له، وقد جبرهم عليها ولا خيار لهم في تركها، لأن الأمر -عندهم- لا يستلزم الإرادة، وإذا كان الله تعالى لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان إلا أنه أراد ذلك وقدَّره وشاءه.

فهدى الله أهل السنة لإثبات الحق الذي ضلَّت فيه الطائفتان، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

هذا ويلاحظ على المصنف -رحمه الله- الملاحظات التالية:

أولاً: أنه مثَّل للإرادة والمشيئة من القرآن العزيز فقط، ويمكن إيراد بعض الأحاديث الصحيحة لتُطَابِقَ عنوان مؤلَّفه: «العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية»، فمن ذلك:

- قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» [أخرجه مسلم في «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» (١٦/ ٢١٠)، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].

- قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ أُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا» [أخرجه مسلم في «الفضائل» (١٥/ ٥٢) باب إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيَّها قبلها، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه].

- قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: «أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ»، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا، قَالَ الْمَلَكُ: «أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟» فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» [متفق عليه: أخرجه البخاري في «القدر» (١١/ ٤٧٧) باب ٦٥٩٥، ومسلم في «القدر» (١٦/ ١٩٥) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه].

- قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» [أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» (٢/ ٣٨) باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].

ثانيًا: استدلال المصنف -رحمه الله- بالآيتين الكريمتين أخص في الصفة المذكورة لشمولهما للإرادة الكونية القدرية فقط، ولم يعرِّج -رحمه الله- على الآيات الدالَّة على الإرادة الشرعية الدينية، وقد تقدَّم تمثيل لبعضها.

ثالثًا: استدلَّ المصنف -رحمه الله- بالآيتين الكريمتين لبيان أن إرادة الله ومشيئته مطلقة، والشمول والعموم من خصائص الإرادة الإلهية، إذ هي شاملة لجميع الحوادث ومستلزمة لوقوع المراد، وليست قاصرة على الممكنات، إذ لا يمتنع على إرادة الله وقدرته شيء سواء كانت ممكنات أو متضادات أو متقابلات أو ممتنعات مستحيلات، فمن خصائص الإرادة الإلهية -أيضًا- أنها نافذة لا يحول دونها شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].

(٣) آية ١٦ من سورة البروج.

(٤) الآية ٢٠ من سورة الإنسان، والآية ٢٩ من سورة التكوير.