«التصفيف الخامس والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنزِيه (٧)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الخامس والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنـزِيه (٧)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الرّابِعُ والخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ:

وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: السَّمْعُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمَسْمُوعَاتِ.

وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْبَصَرُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمُبْصَرَاتِ(١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(٢)، ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾(٣)، وَلِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ(٤) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا»»، رواه البخاري(٥).



(١) السّمعُ والبصرُ صفتان ذاتيّتان من صفاتِ الكمالِ ثابتتان لله تعالى، ومعتقدُ أهلِ السّنّةِ والجماعةِ: أنّ للهِ سمعًا حقيقةً، وبصرًا حقيقةً، وهما صفتان من لوازمِ ذاتِه المقدّسةِ، وأنّه يسمع بسمعٍ يليق بجلاله وعظمته، وسمعُه عزّ وجلّ واسعٌ غيرُ محدودٍ يدركُ به جميعَ الأصواتِ والمسموعاتِ مهما أسرّها العبدُ أو تناجى المتناجون، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، ومن أسمائِه سبحانه «السّميعُ»، كما أنّ من أسمائِه «البصيرَ»، فالله تعالى بصيرٌ ببصرٍ حقيقةً يليق بجلالِه، وبصرُه سبحانه نافذٌ في جميعِ المخلوقاتِ، وتنكشف به جميعُ المبصَراتِ، فلا يغيب عن بصرِه شيءٌ من ذلك.

وسمعُ اللهِ وبصرُه تعالى صفتان غيرُ مخلوقتين، بخلاف سمعِ المخلوقِ وبصرِه فهما مخلوقتان ومحدودتان وموهوبتان له من الله تعالى، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فدلّتِ الآيةُ على أنّه لا يلزم من إثباتِ الأسماءِ والصّفاتِ التّشبيهُ بالمخلوقاتِ، فسمعُ وبصرُ المخلوقاتِ لا يُشْبِهُ سمْعَ الله تعالى ولا بصرَه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه الله-: «وهو سميعٌ بصيرٌ، له السّمعُ والبصرُ، يسمع ويُبْصِر، وليس كمثلِه شيءٌ في سمعِه وبصرِه» [«الصّواعق المرسلة» لابن القيّم: (٣/ ١٠٢٠)]، وهذا خلافًا للمعطّلةِ من المعتزلةِ وأضرابِهم من نفاةِ أسماءِ الله وصفاتِه الذين يقولون: «ليس لله عزّ وجلّ علمٌ ولا قدرةٌ ولا حياةٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ ولا صفةٌ أزليّةٌ»، وزادوا على هذا بقولهم: «إنّ اللهَ تعالى لم يكنْ له في الأزلِ اسمٌ ولا صفةٌ» [«الفَرْقُ بين الفِرَقِ» للبغداديّ: (٩٣)]، ومنهم من يرى أنّ معنى «سميعٌ بصيرٌ» أي عليمٌ بمعنى: أنّه يعلم الأصواتَ والكلامَ ولا تخفى عليه المسموعاتُ والمبصراتُ [انظر: «مقالات الإسلاميّين» للأشعريّ: (١/ ٢٣٤)]، ومنهم من أثبت التّرادفَ بينهما لدلالتهما على الذّاتِ: فهو سميعٌ بذاتِه وبصيرٌ بذاتِه، فهي -عندهم- أعلامٌ محضةٌ تدلّ على الذّاتِ ولا تدلّ على معنىً كماليٍّ، ولا يخفى ضلالُ هذه المقالاتِ وما تضمّنتْه من إلحادٍ في أسمائِه لمخالفتِها لنصوصِ الكتابِ والسّنّةِ، قال ابنُ تيميّةَ -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى»: (٦/ ٣٥٩)]: «ومن رزقه اللهُ معرفةَ ما جاءت به الرّسلُ وبصرًا نافذًا وعرف حقيقةَ مأخذِ هؤلاءِ، علم قطعًا أنّهم يُلْحِدون في أسمائِه وآياتِه».

ولا شكّ أنّ صفتَيِ السّمعِ والبصرِ من أهمِّ صفاتِ الكمالِ التي يجب إثباتُها للهِ تعالى وعدمُ تعطيلِها، لأنّ في فقدانِهما أو فقدانِ أحدِهما مثلبًا ونقصًا يجب تنزيهُ الله عزّ وجلّ عنه، ولذلك عاب إبراهيمُ عليه السّلامُ آلهةَ قومِه وبيّن عوارَها من جهةِ عدمِ السّمعِ والبصرِ وعدمِ غَنَائِها في شيءٍ فلا تستحقُّ التّعظيمَ والعبادةَ، وذلك لعلمِه اليقينِ بأنّ اللهَ تعالى سميعٌ بصيرٌ على وجهِ الكمالِ والجلالِ، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤١-٤٢].

(٢) جزء من آية ١٣٤ من سورة النساء.

قال ابنُ بطّالٍ المالكيُّ في [«شرح صحيحِ البخاريِّ»: (١٠/ ٤١٦)] عند تعليقِه على ترجمةِ البخاريِّ «باب قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]»: «غرضُه –أيِ البخاريّ- في هذا البابِ أن يردَّ على من يقولُ: إنّ معنى «سميعٌ بصيرٌ» معنى «عليمٌ» لا غيرَ؛ لأنّ كونَه كذلك يُوجِبُ مساواتَه تعالى للأعمى والأصمِّ الذي يعلم أنّ السّماءَ خضراءُ ولا يراها، وأنّ في العالَمِ أصواتًا ولا يسمعُها، ولا شكّ أنّ من سمع الصّوتَ وعلِمَه ورأى خضرةَ السّماءِ وعَلِمَها أدْخَلُ في صفاتِ الكمالِ ممّنِ انفرد بإحدى هاتين الصّفتين، وإذا استحال كونُ أحدِنا ممّن لا آفةَ به أكملَ صفةً من خالقِه وجب كونُه تعالى سميعًا بصيرًا مفيدًا أمرًا زائدًا على ما يفيده كونُه عليمًا.

ثم نرجعُ إلى ما تضمّنه كونُه سميعًا بصيرًا، فنقول: هما متضمنتان لسمعٍ وبصرٍ بهما كان سميعًا بصيرًا، كما تضمّن كونَه عالمًا علمًا لأجلِه كان عالمًا، وكما أنّه لا خلافَ بين إثباتِه عالمًا وبين إثباتِه ذا علمٍ، فإنّ من نفى أحدَ الأمرين كمن نفى الآخرَ، وهذا مذهبُ أهلِ السّنّةِ والحقِّ.» [انظر -أيضا- «فتح الباري» لابن حجر: (١٣/ ٣٧٣)].

(٣) جزء من آية ١ من سورة المجادلة. وتمام الآية: ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

ففي الآيةِ إخبارٌ عن كمالِ سمعِه لجميعِ الأصواتِ في جميعِ الأوقاتِ على تفنُّنِ الحاجاتِ، وكمالُ بصرِه بجميعِ الأمورِ الدّقيقةِ والجليلةِ نافذٌ في جميعِ المخلوقاتِ، فيسمعُ كلامَ النّاسِ العاديَّ كالتي تحاوِرُ في قضيّتِها، ويسمع كلامَ الرّسلِ والأنبياءِ في دعوتِهم وردودَ قومِهم عليهم، ويراهم، قال اللهُ تعالى لموسى وهارونَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، وقال في شأنِ المنتقصين لجلالِ اللهِ وعظمتِه وغناه من اليهودِ وغيرِهم: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، ودلائلُ القرآنِ والسّنّةِ على صفتَيِ السّمعِ والبصرِ كثيرةٌ.

(٤) هو الصّحابيُّ أبو موسى عبدُ اللهِ بنُ قيسِ بن سليمٍ الأشعريُّ الفقيهُ المقرئُ من الوُلاَةِ الفاتحين وأهلِ السّابقةِ في الإسلامِ، كان حَسَنَ الصّوتِ بالقرآنِ الكريمِ، استعمله النّبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مع معاذٍ على اليمنِ، ثم وَلِيَ لعُمَرَ بنِ الخطّابِ الكُوفَةَ والبصرةَ، وهو أحدُ الحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ رضي بهما عليٌّ ومعاويةُ بعد حربِ صِفِّينَ، تُوُفِّيَ سنة (٤٤هـ).

انظر ترجمتَه وأحاديثَه في: «المسند» لأحمد: (٤/ ٣٩١)، «الطّبقات الكبرى» لابن سعد: (٢/ ٣٤٤، ٤/ ١٠٥)، «التّاريخ الكبير» للبخاريّ: (٥/ ٢٢)، «الجرح والتّعديل» لابن أبي حاتم: (٥/ ١٣٨)، «المعارف» لابن قتيبةَ: (١٠٢، ١٩٤، ٥٩٠)، «الاستيعاب» لابن عبد البرّ: (٣/ ٩٧٩)، «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم: (٣٩٧)، «سير أعلام النّبلاء» للذّهبيّ: (٢/ ٢٨٠)، «طبقات الحفاظ» للسّيوطيّ: (١٥).

(٥) أخرجه البخاريُّ في التّوحيدِ (١٣/ ٣٧٢) باب ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، ومسلمٌ في الذّكرِ والدّعاءِ والتّوبةِ والاستغفارِ (١٧/ ٢٥)، باب استحبابِ خفضِ الصّوتِ بالذّكرِ، من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه.

نقل ابنُ حجرٍ في [«فتح الباري»: (١٣/ ٣٧٥)] تعليقَ الكرمانيِّ على الأحاديثِ الواردةِ التي أوردها البخاريُّ في باب ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ما نصُّه: «المقصودُ من هؤلاءِ الأحاديثِ إثباتُ صفتَيِ السّمعِ والبصرِ، وهما صفتان قديمتان من الصّفاتِ الذّاتيّةِ، وعند حدوثِ المسموعِ والْمُبْصَرِ يقع التّعَلُّقُ، وأمّا المعتزلةُ فقالوا: إنّه سميعٌ يسمع كلِّ مسموعٍ وبصيرٌ يُبْصِرُ كلَّ مُبْصَرٍ، فادّعَوْا أنّهما صفتان حادثتان، وظواهرُ الآياتِ والأحاديثِ تردُّ عليهم».

وحريٌّ بالتّنبيهِ: أنّ صفةَ الرّؤيةِ كالبصرِ ذاتيّةٌ ثابتةٌ للهِ عزّ وجلّ ويدلّ عليها قولُه تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]، وكذلك صفةُ النّظرِ فهي صفةٌ فعليّةٌ خبريّةٌ يدلّ عليها قولُه تعالى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، قال قوّامُ السّنّةِ الأصفهانيُّ –رحمه الله- في [«الحجّة»: (١/ ١٩٦)]: «فواجبٌ على كلِّ مؤمنٍ أن يُثْبِتَ من صفاتِ اللهِ عزّ وجلّ ما أثبته اللهُ لنفسِه، وليس بمؤمنٍ من ينفي عنِ اللهِ ما أثبتَه اللهُ لنفسِه في كتابِه، فرؤيةُ الخالقِ لا يكونُ كرؤيةِ المخلوقِ، وسمعُ الخالقِ لا يكونُ كسمعِ المخلوقِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وليس رؤيةُ اللهِ تعالى بني آدمَ كرؤيةِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم والمؤمنين، وإن كان اسمُ الرّؤيةِ يقع على الجميعِ، وقال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢]، جلّ وتعالى عن أن يُشْبِهَ صفةَ شيءٍ من خلقِه صفتُه أو فعْلَ أحدٍ من خلقِه فعلُه، فاللهُ تعالى يرى ما تحت الثّرى وما تحت الأرضِ السّابعةِ السّفلى وما في السّماواتِ العلى، لا يغيب عن بصرِه شيءٌ من ذلك ولا يخفى، يرى ما في جوفِ البحارِ ولُجَجِها كما يرى ما في السّماواتِ، وبنو آدمَ يَرَوْنَ ما قَرُبَ من أبصارِهم ولا تُدْرِكُ أبصارُهم ما يَبْعُدُ منهم، ولا يُدْرِكُ بصرُ أحدٍ من الآدميّين ما يكون بينه وبينه حجابٌ، وقد تتّفقُ الأسامي وتختلف المعاني».

كما يجدر التّنبيهُ -أيضًا- إلى أنّ اللهَ تعالى يُبْصِرُ بعينٍ، وصفةُ العينِ ذاتيّةٌ خبريّةٌ ثابتةٌ لله سبحانه، وقد أجمع أهلُ السّنّةِ أنّ لله تعالى عينين تليقان بكمالِ جلالِه تعالى وعظمتِه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لقولِه تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وأخرج البخاريُّ في التّوحيدِ (١٣/ ٣٧٩) باب قول اللهِ تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ من حديث عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: «ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - «إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»». وهذا يدلّ على أنّ للهِ عينين حقيقةً، لأنّ العَوَرَ فَقْدُ إحدى العينين أو ذهابُ نورِها. وما أخرجه أبو داودَ في «السّنّةِ» (٥/ ٩٧) باب الجهميّة من حديث سُلَيْمِ بنِ جبيرٍ مولى أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقرأ هذه الآيةَ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قولِه ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ» [والحديث قوّى سندَه ابنُ حجرٍ في «الفتح»: (١٣/ ٣٧٣)، وصحّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داودَ»: (٣/ ١٥٦)]، وفي الحديثِ دليلٌ على أنّ اللهَ سميعٌ بسمعٍ وبصيرٌ ببصرٍ يليقانِ بجلالِه وعظمتِه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه اللهُ- في [«الصّواعق المرسلة»: (١/ ٣٩٦)] عند تعرُّضِه لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه: «وكذلك الحديثُ الآخَرُ أنّه قرأ (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) وضع إبهامَه على أُذُنِه والتي تليها على عينِه رفعًا لتوهُّمِ أنّ المرادَ بالسّمعِ والبصرِ غيرُ الصّفتين المعلومتين، وأمثالُ هذا كثيرٌ في القرآنِ والسّنّةِ كما في الحديثِ الصّحيحِ أنّه قال: «يَقْبِضُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالأَرْضَ بِيَدِهِ الأُخْرَى»، ثم جعل رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقبض يَدَه ويبسُطُها تحقيقًا لإثباتِ اليدِ وإثباتِ صفةِ القبضِ».

وقال ابنُ خزيمةَ –رحمه الله- في [«كتاب التّوحيدِ»: (٤٢)]: «فواجبٌ على كلِّ مؤمنٍ أن يُثْبِتَ لخالقِه وبارئِه ما أثبت الخالقُ البارئُ لنفسِه منَ العينِ، وغيرُ مؤمنٍ مَنْ ينفي عنِ اللهِ تبارك وتعالى ما قد ثبته اللهُ في محكمِ تنزيلِه ببيانِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم الذي جعله اللهُ مبيِّنًا عنه عزّ وجلّ في قولِه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبيّن النّبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم أنّ للهِ عينين، فكان بيانُه موافقًا لبيانِ محكمِ التّنزيلِ، الذي هو مسطورٌ بين الدّفّتين مقروءٌ في المحاريبِ والكتاتيبِ».