«التصفيف الثالث والأربعون: الإيمان بكتب الله تعالى (١)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 28 ذو القعدة 1438 هـ الموافق لـ 20 أغسطس 2017 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف الثالث والأربعون: الإيمان بكتب الله تعالى ـ ١ ـ»

الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: [معنى الإيمان بالكُتُب المنزلة ومقتضَياتُه]

نُؤْمِنُ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ المُنْزَلَةِ عَلَى رُسُلِهِ [عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ](١)، فَمِنْهَا: التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ [وَالقُرْآنُ، وَمِنْهَا غَيْرُهَا](٢) مِمَّا لَمْ نَعْلَمْهُ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ؛ فَكُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكُلُّ مَا فِيهَا حَقٌّ(٣)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ(٤) مِن كِتَٰبٖ[الشورى: ١٥](٥)، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَ[آل عمران: ٣ ـ ٤](٧)، وَلِقَوْلِهِ(٨): ﴿وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا[النساء: ١٦٣؛ الإسراء: ٥٥].



(١) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ف».

(٢) «م.ف»: «وَالفُرْقَانُ، وَغَيْرُهَا».

(٣) انتقل المصنِّف ـ رحمه الله ـ مِنَ الفصل المتعلِّق بالإيمان بالملائكة عليهم السلام إلى أصلٍ آخَرَ مِنْ أصول الإيمان وأركانِه التي ينبني عليها إيمانُ العبدِ وصحَّةُ إسلامه، ولا يتمُّ له ذلك إلَّا به، وهو الإيمان بالكُتُب السماوية المُنْزَلةِ مِنَ الله تعالى على أنبيائه ورُسُله، ووجوبُ التصديقِ الجازم بها جميعًا؛ لأنها كلامُ الله الذي أوحاهُ إلى رُسُله؛ ليُبلِّغوا عنه شَرْعَه ودِينَه إلى عباده بالحقِّ المبين والهدى المستبين.

وقد استفاضَتِ النصوصُ الشرعية مِنَ الكتاب والسنَّة في إثبات هذا الأصل، وانعقد عليه إجماعُ الأمَّة سلفًا وخَلَفًا، ورضي بذلك المؤمنون؛ قال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦ[البقرة: ٢٨٥]، وقال تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦[البقرة]، وقال تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ[البقرة: ١٧٧]، والآياتُ القرآنية الدالَّةُ على هذا الأصلِ الإيمانيِّ كثيرةٌ جدًّا.

وأمَّا مِنَ السنَّةِ فيدلُّ عليه حديثُ جبريل عليه السلامُ حين سأل رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإيمان فقال له: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» [تقدَّم تخريجه].

وينقسم واقعُ الناسِ حِيالَ الكُتُبِ السماوية المُنْزَلة إلى ثلاثةِ أصنافٍ:

ـ الصنف الأوَّل: أتباع الرُّسُل: الذين يؤمنون بجميع الرُّسُل وما أُنْزِل إليهم مِنَ الكُتُب مِنْ غيرِ تفريقٍ بينها ولا تبعيضٍ ولا اختلافٍ، وقد امتدحهم اللهُ تعالى ووَصَفهم بالإيمان والتقوى في قوله تعالى: ﴿الٓمٓ ١ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥[البقرة]، وقولِه تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦ[البقرة: ٢٨٥]. قال ابنُ أبي العزِّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح العقيدة الطحاوية» (٣٣٢)]: «فجَعَلَ اللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ الإيمانَ هو الإيمانَ بهذه الجملة، وسمَّى مَنْ آمَنَ بهذه الجملةِ مؤمنين، كما جَعَلَ الكافرين مَنْ كَفَرَ بهذه الجملةِ بقوله: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦[النساء] .. فهذه الأصولُ التي اتَّفقَتْ عليها الأنبياءُ والرُّسُلُ صلواتُ الله عليهم وسلامُه، ولم يؤمن بها حقيقةَ الإيمان إلَّا أتباعُ الرُّسُل».

ـ الصنف الثاني: أعداء الرُّسُل: مِنَ الكُفَّار والمشركين والمُلْحِدين ومَنْ سارَ على نهجهم مِنَ الفلاسفة وغيرِهم؛ فإنهم يُكذِّبون بها جميعًا، ويسخرون مِنَ الرُّسُل وأتباعِهم ويَصِفُونهم بالسفه، ويُسَمُّون أَنْفُسَهم حُكَمَاءَ بما عندهم مِنَ العقل والرأي والقياس، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨٣[غافر]. قال ابنُ أبي العزِّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح العقيدة الطحاوية» (٣٣٣)]: «وأمَّا أعداؤهم [أي: أعداء الرُّسُل] ومَنْ سَلَكَ سبيلَهم مِنَ الفلاسفة وأهلِ البِدَع فهُمْ مُتفاوِتون في جَحْدِها وإنكارها، وأعظمُ الناسِ لها إنكارًا الفلاسفةُ المُسَمَّوْنَ عند مَنْ يُعظِّمهم بالحُكَماء؛ فإنَّ مَنْ عَلِمَ حقيقةَ قولهم عَلِمَ أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رُسُله ولا كُتُبه ولا ملائكتِه ولا باليوم الآخِرِ .. أمَّا كُتُبُه ـ عندهم ـ فإنهم لا يَصِفُونه بالكلام، فلا يُكلِّم ولا يتكلَّم، ولا قال ولا يقول، والقرآنُ ـ عندهم ـ فيضٌ فاضَ مِنَ العقل الفعَّال على قلبِ بَشَرٍ زاكِي النفسِ طاهرٍ»، ونحو ذلك مِنَ التكذيب والتضليل والهذيان والباطل.

ـ الصنف الثالث: ويُلْحَق بأعداء الرُّسُل صنفٌ آخَرُ آمَنَ ببعض الكُتُب وكَفَرَ ببعضها؛ تكبُّرًا على الحقِّ واتِّباعًا للهوى وركونًا للظنونِ الكاذبة، وهُمُ اليهودُ والنصارى ومَنْ تَبِعَهم؛ فهُمْ يقولون: ﴿نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡ[البقرة: ٩١]، وقد ذمَّهم اللهُ ـ تعالى ـ على هذا الإيمانِ المبعَّضِ الذي هو ـ في حقيقته ـ كفرٌ بجميع الكُتُب؛ إذ الإيمانُ المطلوبُ ـ شرعًا ـ إنما هو إيمانٌ جامعٌ مُؤتلِفٌ لا يقبل تفريقًا بين أحَدٍ مِنْ كُتُبِه أو رُسُلِه ولا تبعيضًا بينها ولا اختلافًا. وقد ذمَّ اللهُ تعالى الذين اختلفوا في الكتابِ وتَفَرَّقوا فيه كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۢ بَعِيدٖ ١٧٦[البقرة]، وقَدْ توعَّدهم على أفعالهم المُخْزِيةِ بالعذاب الشديد في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥[البقرة].

هذا، ومِنْ مُقْتَضَيات الإيمانِ بالوحي والكُتُب السماوية المُنْزَلةِ: التصديقُ الجازم بأنها كلامُ اللهِ المُنْزَلُ، تَكلَّم بها حقيقةً كما شاءَ على الصفة التي أراد، فكان منها: المسموعُ مِنْ وراءِ حجابٍ بلا واسطةٍ، فمِنْ ذلك ما خصَّ اللهُ تعالى به موسى عليه السلامُ وحيًا؛ فإنه كلَّمه مُشافَهةً منه إليه لا بواسطةٍ، حتَّى اشتهر بهذا عند العالَمِين فيقال: «موسى كليمُ الرحمن». قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤[النساء]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ[الأعراف: ١٤٣]، وكذلك لنبيِّنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ليلةَ المعراج فقَدْ كلَّمه وحيًا بلا واسطةٍ [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢/ ٣٢٠، ١٠/ ٤٣٣)]. ومنها: ما يكلِّم اللهُ به رسولَه مِنَ الملائكة ويُسْمِعُه، ويأمره بأَنْ يُبلِّغَه منه إلى رسوله مِنَ البشر كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ ٥١[الشورى]، ونحو ذلك مِنَ الآيات. ومنها: ما خطَّهُ اللهُ تعالى بيده كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥[الأعراف]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٢/ ٢٤٦)]: «أخبر تعالى أنه كَتَبَ له في الألواح مِنْ كُلِّ شيءٍ موعظةً وتفصيلًا لكُلِّ شيءٍ .. وكانَتْ هذه الألواحُ مُشْتَمِلةً على التوراة التي قال اللهُ تعالى فيها: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ[القصص: ٤٣]، وقِيلَ: الألواحُ أُعْطِيَها موسى قبل التوراة»، وقد ثَبَت في حديثِ احتجاج آدَمَ وموسى عليهما السلام: «وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ» وفي لفظٍ: «كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ» [أخرجه البخاريُّ في «القَدَر» (١١/ ٥٠٥) بابُ تَحاجِّ آدَمَ وموسى عند الله، ومسلمٌ في «القَدَر» (١٦/ ٢٠٠ ـ ٢٠١) بابُ حِجاجِ آدَمَ وموسى صلَّى الله عليهما وسلَّم، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (١٢/ ٥٢٠)]: «قد ثَبَت بالنقل الصحيح أنَّ الله كَتَب لموسى التوراةَ بيده وأنزلها مكتوبةً».

هذا، ومِنْ مُقْتَضَيَاتِ الإيمان بالكُتُب السماوية المُنْزَلة ـ أيضًا ـ: التصديقُ بأنَّ الله أوجب العملَ بكُلِّ ما فيها مِنَ الشرائع على الأُمَمِ التي أُنْزِلَتْ إليهم الكُتُبُ الأولى لينقادوا لها ويحكموا بما فيها، وليس فيها ما يُكذِّب بعضُه بعضًا، بل جميعُها يصدِّق بعضُه بعضًا، وأنَّ نَسْخَ الكُتُبِ الأولى بعضِها ببعضٍ حقٌّ، ويدلُّ على هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤ وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥ وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦ وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨ وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَ[المائدة: ٤٤ ـ ٤٩].

ويدلُّ على نسخِ بعض شرائع التوراة بالإنجيل قولُه تعالى في عيسى عليه السلام: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِ‍َٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡ‍َٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِ‍َٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠[آل عمران]، وكذلك نسخُ القرآنِ ـ بعضِ آياته ببعضٍ ـ حقٌّ يدلُّ عليه: قولُه تعالى: ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآ[البقرة: ١٠٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۢۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١[النحل]، ونحوُها مِنَ الآيات القرآنية، علمًا أنَّ الناسخ والمنسوخ مِنَ القرآن معلومةٌ آياتُه ومذكورةٌ في مَظانِّها مِنْ كُتُب التفسيرِ وغيرِها، [انظر: «مَعارِج القَبول» للحَكَمي (٢/ ٦٧٢ ـ ٦٧٤)].

هذا، والواجب على المُكلَّف أَنْ يُؤمِنَ بكُلِّ ما أَنْزَله اللهُ تعالى مِنْ كتابٍ أنه مِنْ عندِ الله وحقٌّ، سواءٌ ما لم يُسَمَّ مِنَ الكُتُب التي أنزلها على أنبيائه والتي لا يعلمها إلَّا هو ـ سبحانه ـ أو ما سمَّى اللهُ منها في كتابه، وهي: صُحُفُ إبراهيم، وألواحُ موسى وتَوْراتُه، وزبورُ داود، وإنجيلُ عيسى، وفرقانُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين وسلَّم، وهي خمسةٌ ـ على الصحيح ـ على اعتبارِ أنَّ صُحُفَ موسى وألواحَه هي التوراةُ نَفْسُها، وإلَّا فهي ستَّةُ كُتُبٍ سماويةٍ مُنْزَلةٍ، وقد ذكرَتِ السنَّةُ الصحيحةُ الكُتُبَ الخمسةَ المُنْزَلة، وأخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُمَّتَه أنها نزلَتْ جميعُها في شهرِ رمضانَ فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ» [أخرجه أحمد (٤/ ١٠٧)، والطبرانيُّ في «المُعْجَم الكبير» (٢٢/ ٧٥)، والبيهقيُّ في «شُعَب الإيمان» (٣/ ٥٢١)، مِنْ حديثِ واثلةَ بنِ الأسقع رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ١٠٤) رقم: (١٥٧٥)].

والإيمان بالكُتُب السماوية المُنْزَلةِ إيمانٌ مُجْمَلٌ، يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، وأمَّا الإيمانُ بالقرآن فهو إيمانٌ مفصَّلٌ، أي: يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، ويزيد على غيره بوجوبِ اتِّباعِ ما جاء فيه، وامتثالِ أوامره واجتنابِ نواهيه، وتحليلِ حلالِه وتحريمِ حرامِه، وتحكيمِه في كُلِّ كبيرةٍ وصغيرةٍ. قال ابنُ أبي العزِّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح العقيدة الطحاوية» (٣٥٠)]: «وأمَّا الإيمان بالكُتُب المُنْزَلة على المُرْسَلين، فنؤمن بما سمَّى اللهُ تعالى منها في كتابه: مِنَ التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأنَّ لله تعالى سوى ذلك كُتُبًا أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءَها وعدَدَها إلَّا اللهُ تعالى.

وأمَّا الإيمان بالقرآن: فالإقرارُ به، واتِّباعُ ما فيه، وذلك أمرٌ زائدٌ على الإيمان بغيره مِنَ الكُتُب؛ فعلينا الإيمانُ بأنَّ الكُتُبَ المُنْزَلةَ على رُسُلِ الله أَتَتْهُمْ مِنْ عندِ الله، وأنها حقٌّ وهدًى ونورٌ وبيانٌ وشفاءٌ».

ومِنْ مُقْتَضَيَاتِ الإيمانِ بالكُتُب السماوية المُنْزَلةِ: أنَّ الله تعالى جَعَلَ الكُتُبَ الأولى خاصَّةً ببني إسرائيل، وموقوتةً بزمنٍ مُعيَّنٍ، ودَخَلَها التحريفُ والتبديلُ، وأصابَها الضياعُ والنسيان ـ كما سيأتي ـ ووَكَلَ اللهُ حِفْظَها إلى الذين اسْتُحْفِظوا عليها مِنَ الناسِ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَ[المائدة: ٤٤].

لذلك كانَتْ مَحَلَّ نسخٍ بآخِرِ الكُتُبِ السماوية المُنْزَلةِ وأَكْمَلِها، وهو القرآنُ الكريمُ الذي نَسَخَ اللهُ تعالى به كُلَّ ما سَبَقَ مِنَ الكُتُب، لا مُبدِّلَ لشيءٍ مِنْ شرائعه بعده، وليس لأحَدٍ الخروجُ عن أحكامه؛ لأنَّ رسالةَ القرآنِ عامَّةٌ لكُلِّ الأُمَمِ وشاملةٌ لكُلِّ العصور والأقطار والبلدان؛ فوظيفةُ القرآنِ باقيةٌ إلى قيام الساعة لا تتوقَّف على صلاح العباد وفسادِهم، ولا تنتهي بموتِ آحادهم، وقد تولَّى اللهُ ـ تعالى ـ حِفْظَه بنَفْسِه، ولم يَكِلْه إلى غيرِه كما هو أَمْرُ الكُتُبِ الأولى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩[الحِجْر].

(٤) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.١»، وهو خطأٌ في الآية.

(٥) والمصنِّف ـ رحمه الله ـ استدلَّ بهذه الآيةِ وغيرِها لإثباتِ وجوبِ الإيمان بجميعِ الكُتُب التي أنزلها اللهُ مِنَ السماء على رُسُله وأنبيائه إيمانًا جامعًا وتصديقًا جازمًا، مِنْ غيرِ اتِّباعِ سبيلِ أعداءِ الرُّسُل الذين كذَّبوا بها كُلِّها كما هو شأنُ الكُفَّار والمُشْرِكين وأضرابِهم، أو الذين آمنوا ببعضٍ منها وكفروا ببعضٍ وهُمُ اليهودُ والنصارى ومَنْ تَبِعَهم؛ فإنَّ مقتضى الإيمانِ: التصديقُ الجازمُ بجميعِ الكُتُب السماوية المُنْزَلة وبجميعِ الأنبياء والمُرْسَلين، مِنْ غيرِ تفريقٍ ولا تبعيضٍ ولا اختلافٍ يُضادُّ الائتلافَ.

(٦) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٧) قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (١/ ٣٤٣)] عند هاتين الآيتين: «وقولُه تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ﴾ يعني: نَزَّلَ عليك القرآنَ ـ يا محمَّدُ ـ ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: لا شكَّ فيه ولا ريبَ، بل هو مُنَزَّلٌ مِنْ عندِ الله عزَّ وجلَّ، ﴿أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦[النساء: ١٦٦].

وقولُه: ﴿مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ أي: مِنَ الكُتُب المُنْزَلة قبلَه مِنَ السماء على عباد الله الأنبياء؛ فهي تُصدِّقُه بما أخبرَتْ به وبشَّرَتْ في قديم الزمان، وهو يُصدِّقها؛ لأنه طابَقَ ما أخبرَتْ به وبشَّرَتْ مِنَ الوعد مِنَ الله بإرسالِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنزالِ القرآن العظيم عليه.

وقولُه: ﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ﴾ أي: على موسى بنِ عمران عليه السلام، ﴿وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ أي: على عيسى ابنِ مريم.

﴿مِن قَبۡلُ﴾ أي: مِنْ قبلِ هذا القرآن، ﴿هُدٗى لِّلنَّاسِ﴾ أي: في زمانهما، ﴿وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَ﴾: وهو الفارقُ بين الهدى والضلال، والحقِّ والباطل، والغيِّ والرشاد، بما يذكره اللهُ تعالى مِنَ الحُجَجِ والبيِّنات، والدلائلِ الواضحات، والبراهينِ القاطعات، ويُبيِّنُه ويُوضِّحُه ويُفسِّرُه ويُقرِّرُه، ويُرْشِدُ إليه ويُنبِّهُ عليه مِنْ ذلك».

(٨) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».