Skip to Content
الثلاثاء 5 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 29 نوفمبر 2022 م

الكلمةُ الشَّهريةُ رقمُ: ١٥٦

[الحلقةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ]

[ ٨ ]

قالَ الشَّيخُ عبدُ الحَميدِ بنُ بَاديسَ ـ رحمهُ اللهُ ـ:

الأَصْلُ الثَّامِنُ:

عَلَى مَنْ تَوَلَّى أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الأُمَّةِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهَا الخِطَّةَ الَّتِي يَسِيرُ عَلَيْهَا لِيَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ وَيَكُونَ سَائِرًا فِي تِلْكَ الخِطَّةِ عَنْ رِضَى الأُمَّةِ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ عَلَى مَا يُرْضِيهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ فِيمَا يُرْضِيهِمْ(١).

وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: «أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللهَ فِيكُمْ»، فَخِطَّتُهُ هِيَ طَاعَةُ اللهِ، وَقَدْ عَرَفُوا مَا هُوَ طَاعَةُ اللهِ فِي الإِسْلَامِ(٢).

ـ يُتبَع ـ



(١) الإِمامَةُ العُظمَى أَمانَةٌ ثقيلةٌ، للقائم بها حقوقٌ وعليه واجباتٌ، وتعتريها مسؤوليَّةٌ وتَبِعاتٌ وأحمالٌ، كما قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: «وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْكُمْ غَيْرَ أَنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلًا» [أخرجه ابنُ سعدٍ في «الطَّبقاتِ» (٥/ ٣٤٠)، والدَّارميُّ في «سُننِه» (١/ ١١٥) بابُ ما يُتَّقَى مِن تفسيرِ حديثِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وقولِ غيره عند قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم]، ويَتحمَّلُ أمانةَ الإمامَةِ مَن كانَ كُفءًا لها، فمَنْ تَوَلَّاها بصِدقٍ وأمانةٍ وتحمَّلَ أمرًا مِن أُمورِ المُسلمينَ فجديرٌ به أَنْ يُبيِّنَ لهم خِطَّتَهُ الَّتي يسيرُ عليها، بالوسائلِ المَرغوبةِ والمَقاصِدِ المَرعيَّةِ التي يريدُ الوصولَ إليها في حُكمِهِ، لتكونَ الأُمَّةُ على بَصيرَةٍ وبيِّنةٍ ممَّا يريدُ تحقيقَهُ لها مِن أهدافٍ وغاياتٍ ضِمنَ حَيِّزِ شرعِ اللهِ تعالى وفي حُدودِه، إذِ الإمامُ الحاكمُ يستطيعُ ـ بما لَهُ مِنْ سلطانٍ وقُدرةٍ ـ أَنْ يُنفِّذَ ما يَعجِزُ عنه آحادُ أُمَّتِهِ، وحتَّى يُدرِكوا أَنَّ عقدَ الإِمامةِ لا يَخرجُ ـ في مَقصَدِه ـ عن خلافةِ النُّبوَّةِ مِنْ حِراسَةِ الدِّينِ وسياسَةِ الدُّنيا بهِ، وفي نِطاقِهما تُرسَمُ خِطَّتُهُ، علمًا أنَّ حراسةَ دِينِ الإسلامِ تكونُ ـ باختصارٍ ـ بأمرَينِ:

ـ أحدُهما: حفظُ حقائقِ الإسلامِ وأصولِه ومُعتقداتِهِ وثَوابتِهِ ومَعانيهِ، وإبقاؤُها منشورةً بين النَّاس تجنُّبًا للتَّبديلِ والتَّحريفِ والتَّزيِيفِ والتَّشويهِ؛ لأنَّ هذه المَفاسدَ الخطيرةَ وخيمةٌ تُفضي إلى التَّردِّي في مَهاوِي الابتداعِ المَذمومِ ومَهالِكِهِ.

ومِنْ ضروريَّات حِفظ الدِّينِ ـ أيضًا ـ: «تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالعُدَّةِ المَانِعَةِ وَالقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا تَظْفَرَ الأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ [أي: غفلةٍ؛ «النهاية» (٣/ ٣٥٥)] يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مُحَرَّمًا، أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا» [«الأحكامُ السُّلطانيَّةُ» للماوَرْدِي (٤٠)]؛ لأنَّ أعداءَ اللهِ إِنِ اسْتَوْلَوْا على أرضِ الإسلامِ وظَفِرُوا بها عَثَوْا فيها فسادًا بالانتهاكِ والسَّفْكِ والغوائلِ والإجرامِ، وضَيَّعوا أُصولَ الإسلامِ ومبادئَهُ وعبثوا فيه وطَمسوا حقائقَهُ وثوابِتَهُ، وما إلى ذلك مِنَ المَفاسدِ.

ـ والثَّاني: وتكونُ حِراسةُ دِينِ الإسلامِ بتنفيذِه، والعملِ بأحكامِ الشَّريعةِ وتطبيقِها في كافَّةِ المَيادينِ، وفتحِ مجالاتِ تعليمِهِ وتربيةِ النَّاسِ عليه: عبادةً ومُعاملةً وسُلوكًا وأخلاقًا وآدابًا، وإزالةِ المَفاسِدِ والمُنكراتِ الظاهرةِ مِنَ المُجتمعِ على الوجهِ المَرضِيِّ شرعًا.

وأمَّا سياسةُ الدُّنيا فلا تكونُ إلَّا بالدِّين إذ هي داخلةٌ في نطاقِهِ ومحكومَةٌ به، وهي المُسمَّاةُ السِّياسةَ الشَّرعيَّةَ لأمورِ الدُّنيا بالدِّينِ، ومِنْ مظاهرِ هذه السِّياسَةِ: نشرُ الأمنِ وتحقيقُ الاستقرارِ والاطْمئنانِ، بحيث يأمنُ النَّاسُ على أنفُسِهم وأموالِهِم وأعراضِهم مِنِ اعتداءِ المُعتَدينَ أو عَبثِ العابثينَ، وتَهيئةُ ما تحتاجُهُ الأُمَّةُ مِنَ العلومِ والحِرَفِ والصِّناعاتِ لسَدِّ حاجتِهَا واستثمارِ الخيراتِ بما يَكفُلُ لها العيشَ الكريمَ إذ: «رَغَدُ الرِّزقِ والأَمنِ مِنَ المَخاوفِ مِنْ أكبرِ النِّعَمِ الدُّنيويَّةِ، المُوجِبةِ لشُكرِ اللهِ تعالى» [«تفسيرُ السَّعدِي» (١١٠٤)].

ومِنْ مظاهِرِ سياسةِ الدُّنيا بالدِّينِ ـ أيضًا ـ أَنْ يعامِلَ الخَلْقَ بالحزمِ والعدلِ التَّامِّ ويقيمَهُ فيهم، فيُعطِي كُلَّ ذِي حقٍّ حَقَّهُ ولا يظلم أحدًا شيئًا مِنْ حُقوقِهِ، فيُؤدِّي كُلُّ والٍ ما عليه في وِلايتِهِ سواءٌ كانت ولايةَ الإمامةِ العُظمى أو نيابةً عن الإمامِ الأعظمِ أو ولايةَ القاضي ونوَّابِهِ ونحوَ ذلك، فالعدلُ هو ما فَرَضَهُ اللهُ في كتابِهِ وعلى لسانِ رسولِهِ، وأمَرَ المُسلمينَ بسُلوكِهِ، فهو الأساسُ الذي لا قيامَ لدولةٍ بدونِهِ ولا بقاءَ لأُمَّةٍ بفَقدِهِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ[النحل: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ[النساء: ٥٨] وغيرُها مِنَ الآيات؛ قال الماورديُّ [في «تسهيلِ النَّظَر» (٢٣٣)] عن استعمالِ الحَزْمِ وبَسْطِ العَدْلِ ما نصُّه: «وَإِذا أحكمَ المَلِكُ قَوَاعِدَ مُلكه بِاستِعمَالِ الحَزمِ وَبسطِ العدلِ، وَلم يَغفلْ عَنِ الحزمِ فِي صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، وَلم يترخَّصْ فِي الجَوْرِ مِنْ قَلِيلٍ وَلَا كثيرٍ؛ أحاطَتِ السَّلامَةُ بِمُلكهِ وحَفَّتِ السَّعَادَةُ بدَولتِهِ؛ فأَمِنَ غوائلَ الفسادِ وَسَلِمَ مِنْ ظُهُور الفسادِ، وَكَانَ النَّاسُ مَعَهُ مِنْ بَينِ حَامِدٍ لعَدلِهِ وإحسانِهِ، وحَذِرٍ مِنْ بأسِهِ وسُلطانِهِ، فشَكَرَهُ الأخيارُ واتَّقاهُ الأشرارُ وَلم يَتَطَرَّقْ إِلَى مُلكِهِ خَلَلٌ، وَلَا على نَفسه وَجَلٌ، فصحَّ أَنَّ الحَزْمَ وَالعدلَ أدفَعُ لشوائبِ المُلكِ ومخاوفِ المُلُوكِ مِنْ كُلِّ عُدَّةٍ، وأَبلَغُ فِي صَلَاحِهم مِنْ كُلِّ نَجدةٍ، فيستنجِدُ لِلْملكِ حَزْمَهُ، ويستعِدُّ عَدْلَهُ، فَإِنَّهُ يُستَغنَى بهما عَنْ كلِّ عُدَّةٍ، ويُستعانُ بهما فِي حِراسَتِهِ مِنَ الخَطرِ، وَحِفْظِ مُلكِهِ مِنَ الغِيَرِ».

فباختصارٍ: أنَّ رسالةَ الإمامِ الأعظمِ وخِطَّتَهُ تكمنُ في القيامِ بأعباءِ مسؤوليَّتِهِ في هذا المَنصِبِ الخطيرِ، والنُّهوضِ بواجباتِ الدِّين، وتحقيقِ مقاصدِ الإمامَةِ: مِنْ حِراسةٍ لدِينِ الإسلامِ وتنفيذِهِ، وإقامَةِ سياسَةِ الدُّنيا به على الوجهِ المَرضِيِّ المُحقِّقِ لِمَصلحةِ الأُمَّةِ، وبناءِ مجتمعِها المُتماسكِ على نهجِ نبيِّها القويمِ.

هذا، وأمَّا عبارةُ المُصنِّف ـ رحمه الله ـ: في «الأصلِ السَّابِعِ» عن الأُمَّةِ: «فالكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ لَهَا لَا لَهُمْ»، وقولُه ـ أيضًا ـ في هذا المَوضِعِ: «وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ فِيمَا يُرْضِيهِمْ» فهي عبارةٌ قَلِقةٌ في كِلَا المَوضِعَينِ تُوهِمُ جوازَ العملِ بالتَّشهِّي واتِّباعِ الهَوَى وإرضاءِ النَّاسِ، وذلك يُفضي ـ بلا شكٍّ ـ إلى الابتداعِ المَذمومِ إذا لم يكن مُقيَّدًا بالشَّرعِ، ولا شكَّ أنَّ ذلك لم يكن مَقصودَهُ على ما دَلَّ عليه لاحقًا سياقُ نَصِّهِ، وبيانُ ذلك أنَّ الحُكمَ والولايةَ ليست غايةً ـ في حَدِّ ذاتها ـ ولا وسيلةَ ابتداعٍ، وإنَّما هي وسيلةٌ سُلطانيَّةُ وسياسةٌ لتنفيذِ شرعِ اللهِ على وجهِ الاتِّباعِ، ولهذا قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ـ فيما تقدَّمَ مِنْ خُطبتِهِ ـ: «إنَّما أنا مُتَّبِعٌ ولستُ بمُبتدِعٍ»، فليس ـ إذن ـ للأُمَّةِ ولا لوكيلِها ـ بناءً على عقدِ الإمامةِ ـ مِنْ ولايةٍ مُطلَقَةٍ ولا سلطانٍ مُطلَقٍ باختراعٍ وابتداعٍ لنظامِ حُكمٍ تهواه أو يهواه نائبُها، وإنَّما سلطانُ الأُمَّةِ ورضاها مُقيَّدٌ بشرائعِ الإسلامِ وأحكامِهِ ونُظُمِهِ، تابِعٌ لزومًا لسلطانِ اللهِ تعالى الذي له الحاكميَّةُ المُطلقةُ؛ والمَعلومُ أنَّ الوكيلَ لا يملكُ أَزْيَدَ مِمَّا تملكُهُ الأُمَّةُ المُوَكِّلةُ له، فلو حصل الرِّضا ـ باتِّفاقٍ بين الأُمَّةِ والإمامِ الحاكمِ ـ بتغييرِ شرعِ اللهِ أو تبديلِهِ أو اتِّباعِ شرعِ غيرِه فهو مردودٌ لا اعتبارَ له لكونِهِ حقًّا خالصًا لله تعالى، وفِعلُهُ مُحرَّمٌ لا تُصحِّحُهُ النِّيَّةُ الحسنةُ، قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [أخرجه مسلمٌ في «الأقضيةِ» (٥/ ١٣٢) باب نقضِ الأحكامِ الباطلةِ، وردِّ محدَثاتِ الأمورِ، مِنْ حديثِ عائشةَ رضي الله عنها»].

فالحاصل: أنَّ كُلًّا مِنَ الأُمَّةِ والإمامِ خاضعانِ لسلطانِ الإسلامِ في شرعِهِ وحُكمِهِ، ولا يملكُ واحدٌ منهما أو كلاهُما الخروجَ عن هذا السُّلطانِ مُطلَقًا، غيرَ أنَّه يجوزُ للإمامِ الحاكمِ ـ عندَ عدمِ وجودِ نَصٍّ شرعيٍّ ـ أَنْ يضعَ التَّنظيماتِ الاجتهاديَّةَ اللَّازمَةَ لتسهيلِ تنفيذِ شريعةِ اللهِ وترتيبِ إدارةِ شؤونِ الدَّولةِ في نطاقِ قواعدِ الاجتهادِ وشروطِهِ وضوابطِهِ مع مراعاةِ الأصولِ العامَّةِ للتَّشريعِ الإسلاميِّ ومقاصِدِه المَرعيَّةِ.

(٢) سيأتي قريبًا بيانُه في «الأصل التاسع»، وهو أنَّ الإمامَ الحاكِمَ لا يُطاعُ مُطلَقًا؛ لأنَّهُ ليس بمعصومٍ، وإنَّما يُطاعُ في المَعروفِ.