Skip to Content
الثلاثاء 5 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 29 نوفمبر 2022 م

الكلمةُ الشَّهريةُ رقمُ: ١٥٧

[الحلقةُ العشرونَ]

[ ٩ ]

قالَ الشَّيخُ عبدُ الحَميدِ بنُ بَاديسَ ـ رحمهُ اللهُ ـ:

الأَصْلُ التَّاسِعُ:

لَا تُحْكَمُ الأُمَّةُ إِلَّا بِالقَانُونِ الَّذِي رَضِيَتْهُ لِنَفْسِهَا وَعَرَفَتْ فِيهِ فَائِدَتَهَا، وَمَا الوُلَاةُ إِلَّا مُنَفِّذُونَ لِإِرَادَتِهَا؛ فَهِيَ تُطِيعُ القَانُونَ لِأَنَّهُ قَانُونُهَا، لَا لِأَنَّ سُلْطَةً أُخْرَى لِفَرْدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ فَرَضَتْهُ عَلَيْهَا، كَائِنًا مَنْ كَانَ ذَلِكَ الفَرْدُ، وَكَائِنَةً مَنْ كَانَتْ تِلْكَ الجَمَاعَةُ؛ فَتَشْعُرُ بِأَنَّهَا حُرَّةٌ فِي تَصَرُّفَاتِهَا، وَأَنَّهَا تُسَيِّرُ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لِغَيْرِهَا مِنَ النَّاسِ لَا الأَفْرَادِ وَلَا الجَمَاعَةِ وَلَا الأُمَمِ؛ وَيَشْعُرُ هَذَا الشُّعُورَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا، إِذْ هَذِهِ الحُرِّيَّةُ وَالسِّيَادَةُ حَقٌّ طَبِيعِيٌّ وَشَرْعِيٌّ لَهَا وَلِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا(١).

وَهَذَا الأَصْلُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: «أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللهَ فِيكُمْ، فَإِذَا عَصَيْتُهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ»؛ فَهُمْ لَا يُطِيعُونَهُ هُوَ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يُطِيعُونَ اللهَ بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الَّذِي وَضَعَهُ لَهُمْ وَرَضُوا بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ مُكَلَّفٌ مِنْهُمْ بِتَنْفِيذِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ؛ فَلِهَذَا إِذَا عَصَى وَخَالَفَ لَمْ تَبْقَ لَهُ طَاعَةٌ عَلَيْهِمْ(٢).

ـ يُتبَع ـ



(١) مُرادُ المُصنِّفِ ـ رحمه الله ـ بالقانونِ [كما سيأتي التَّنبيهُ عليه لاحقًا] الذي رَضِيَتْهُ الأُمَّةُ لنَفْسِها لتُحكَمَ به ـ عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا ومعاملةً ـ وتَخضعَ له في نُظُمِ حياتِها بما يَكفلُ لها السَّعادةَ في الدُّنيا والآخرةِ: إنَّما هو شرعُ اللهِ تعالى لا غيرُه ـ كما بيَّنه رحمه الله في تَتِمَّةِ كلامه آخِرَ هذا الأصلِ ـ والمُتمثِّلُ في الوحيَينِ: كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما قام عليهِما مِنِ استنباطٍ صحيحٍ واجتهادٍ سائغٍ مَقبولٍ وَفْقَ قواعِدِهِ وضوابِطِهِ، عملًا بقوله تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ[الأعراف: ٣]، وبقولِه تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ[النساء: ٥٩]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡ[النساء: ٨٣]، فشَرْعُ اللهِ هو المَنهجُ الحقُّ المُستقيمُ الَّذي عَرفَتْ فيه الأُمَّةُ فائدَتَها حقًّا، وهو المَورِدُ العَذْبُ الذي يَشفي غَليلَهَا ويُحيِي نَفْسَهَا ويُرْوِي فُؤادَهَا فَرَضِيَتْهُ لِنَفْسِهَا، لأنَّه يَصونُهَا مِنَ الزَّيغِ والضَّلالِ والمَيلِ عنِ الحقِّ، ويُبعِدُهَا عن مَزالِقِ الشَّرِّ والفَسادِ، ويُجنِّبُها نَوازِعَ الهوى ومنافذَ الشَّهواتِ، ويَحفَظُ لها شَخصيَّتَها وعِزَّها وقُوَّتَهَا، ويَكفُلُ لها السَّعادةَ في الدَّارينِ.

ونظامُ الحُكمِ الذي أرادَتِ الأُمَّةُ ورَضِيَتْ أَنْ تُحكَمَ به ليس إلَّا سُلطةَ شريعَةِ الإسلامِ لا سلطةً أُخرى؛ لأنَّ شريعةَ الإسلامِ قائمةٌ بالحقِّ والعدلِ، حائزةٌ على الكمالِ الجامعِ بين الجمالِ والجلالِ، مُحكَمَةٌ بوضعِ كُلٍّ منهما في مواضعِهما على غايةِ الحِكمةِ، لم تغادِرْ صغيرًا ولا كبيرًا ممَّا فيه مصلحةُ النَّاسِ إلَّا دلَّتْ عليه، وأَرشدَتْ إليه، ودلَّتْ على ما فيه مفسدةٌ؛ ليُحذَر ويُجتنَبَ بأَقرَبِ الطُّرُق وأَحسنِها، بشهادةِ ذوي العقول مِنْ أعدائها، وهي مُبرَّأةٌ مِنَ العيبِ والطُّغيانِ والهَوَى، وتنهى عن العُلوِّ في الأرضِ، وحُبِّ الفسادِ والتَّكبُّرِ، والتَّسلُّطِ على الآخَرِينَ وغَمْطِ حُقوقِهِم، وتسخيرِهِم للشَّهواتِ، وإضاعَةِ دِينِهم وأخلاقِهِم، وغيرِها مِنَ المَعانِي الفاسدةِ التي لا تَنفكُّ عنها نُظُمُ الحكمِ الوضعيَّةُ.

هذا، ولتحقيقِ الغايةِ مِنْ إدارةِ شُؤُونِ الدَّولةِ والرَّعيَّةِ على وجهٍ يُحقِّقُ المَصلحَةَ ويَدْرَأُ المَفسدَةَ، تختارُ الأُمَّةُ ـ بنفسِهَا وإرادتِهَا عبرَ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ ـ الإمامَ الأعظمَ وأهلَ الشُّورَى بكُلِّ حُرِّيَّةٍ وَفْقَ ضَوابِطَ ومَوازينَ شرعيَّةٍ.

هذا، والإمامُ الحاكم ـ إذ يُباشِرُ شؤونَ الدولةِ وسُلطانَ الحُكمِ ـ فإنَّما عليه أَنْ يَهتدِيَ بشرعِ اللهِ تعالى الذي يجب أَنْ تُحكَمَ به الأُمَّةُ، ويُنفِّذَهُ باعتبارِهِ وكيلًا عنها، وتُطِيعُهُ في ذلك لا لذاتِهِ وإنَّما تطيعُ اللهَ ـ في الحقيقة ـ باتِّباعِ شَرْعِهِ الذي عليها أَنْ ترضى به لنَفسِها وتُحكِّمَه في شؤونِ عِباداتِها ومعاملاتِها؛ لأنَّ الحاكمَ الحقيقيَّ ومُشرِّعَ هذا الإسلامِ إنَّما هو اللهُ عزَّ وجلَّ؛ قال تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠[يوسف]، ووليُّ الأمرِ إنَّما هو مُكلَّفٌ بتنفيذِهِ على نفسِهِ وعليهم، فلا يَحيدُ عنه ولا يُقدِمُ ولا يُحْجِمُ، ولا يُعطي ولا يمنعُ إلَّا بدليلٍ شرعيٍّ ـ بين يَدَيْهِ ـ يُبرهِنُ به على صِحَّةِ حُكمِه وفِعلِهِ، ولا يَملِكُ هو ولا الأمَّةُ الخُروجَ ـ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ ـ عن سُلطانِ الإسلامِ وشرعِهِ، بل يَعمَلُ على وضعِ التَّرتيباتِ الضَّروريَّةِ لتنفيذِ شرعِ اللهِ على رَعيَّتِهِ على وجهِ العدلِ والمُساواةِ ـ كما تقدَّم في مقاصدِ الحُكمِ ـ إذ إنَّ تنفيذَ الحُكمِ الشَّرعيِّ مِنْ لوازمِ خضوعِ الإمامِ الأعظمِ والأمَّةِ له.

·    تنبيه:

هذا، ويجدرُ التَّنبيهُ والمُلاحظَةُ إلى أمورٍ ثلاثةٍ:

ـ أحدها: أنَّ المُصنِّفَ ـ رحمه اللهُ ـ استعملَ مُصطلَحَ «القانون» للتَّعبيرِ عن الشَّرعِ الإسلاميِّ، والمَعلومُ أنَّ أصلَ كلمةِ «القانون» يونانيٌّ، دَخلَتْ إلى العربيَّة عن طريقِ السِّريانيَّةِ، وكان معناها الأَوَّلُ: «المسطرة» أي: مُسطِّرُ الجداوِلِ والكتابةِ، وهو المَشهورُ بين مُتأخِّرِي أرباب المَنطِقِ، ثُمَّ استُعمِلَتْ للدَّلالَةِ على مِقياسِ كُلِّ آلةٍ عُمِلَتْ لامتحانِ ما عَسَى أَنْ يكونَ الحِسُّ قد غَلِطَ فيه، مثل: الشَّاقور والبركار [الفِرْجار أو المِدْوَر] والمسطر، ويندرجُ في ذلك: المَوازينُ والمعايير، وجوامعُ الحسابِ وجداولُه ونحوُها تُسمَّى: قوانينَ، ويُطلَقُ ـ أيضًا ـ هذا الاسْمُ على الكُتُبِ المُختصَرةِ التي جُعِلَتْ تذاكيرَ لكُتُبٍ مُطوَّلةٍ مثلِ كتابِ: «القوانين الفقهيَّة» لابن جُزَي ـ رحمه الله ـ، ثمَّ أصبحَتْ كلمةُ «قانون» تُطلَقُ على «القاعدةِ الكُلِّيَّةِ» وهي الأصلُ الكُلِّيُّ الفِقْهِيُّ الذي تَنْطَبِقُ عليه جُزْئِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ تُفْهَمُ أَحْكَامُهَا مِنْهَا، ثُمَّ تَوسَّعَ استعمالُهَا في الاصطلاح القانونيِّ بمعنَى «جامع الأحكامِ القانونيَّةِ»، علمًا أنَّ العلماءَ ـ فيما مَضَى مِنَ العُصورِ الأُولَى ـ لم يَستعمِلُوا لفظَ «القانون» بمعنى الشَّرعِ أو الحُكمِ الشَّرعيِّ، ولم يُطلِقُوا اسْمَ الشَّارعِ أو المُشرِّعِ على المُقنِّنِ أو واضِعِ القانون، وإنَّما اصطلَحَ عليها المُتأخِّرونَ مِنْ رِجالِ القانونِ المُتأثِّرينَ بالقَوانِينِ الغَربيَّةِ، والتي أطلقوا عليها اسْمَ «القوانين الوضعيَّة» لتميِيزِها عنِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ، غيرَ أنَّهم أقحموا فيها مُصطلَحاتِ الشَّريعةِ مِنْ غيرِ مراعاةِ الفَرْقِ بين ما هو مِنْ عندِ اللهِ تعالى وما هو مِنْ وَضْعِ البشرِ ممَّا اختلقوه لأنفُسِهم، والحُكمُ الشَّرعيُّ ـ بلا رَيْبٍ ـ يَأبَى ذلك قَطْعًا للفرق بين الخالق والمخلوق [انظر: «الكُلِّيَّات» لأبي البقا (٧٣٤)، «التشريع والفقه في الإسلام» للقطَّان (١٤)، «مُعجَم المَناهي اللفظيَّة» لبكر أبو زيد (٤٢١)].

فالحاصل: أنَّ كلمةَ «القانونِ» دخيلةٌ على المُصطلحاتِ الشَّرعيَّةِ ووافدةٌ عليها، ويَنصرِفُ الذِّهنُ ـ عند الإطلاقِ ـ إلى القوانينِ الوضعيَّةِ الَّتي انتُزِعَ بسببها «النَّصُّ الشَّرعيُّ» و«الشَّرعُ الإسلاميُّ» و«المُشرِّع» وما شابَهَها مِنَ المُصطلَحاتِ، لذلك لا يجوز إطلاقُ اسْمِ «القانون» على التَّشريعِ الإسلاميِّ أو على قواعدِهِ ومَبادئِهِ تحاشيًا للتَّعميَةِ والالتباسِ؛ وفي هذا المعنى قال بكر أبو زيد ـ رحمه الله ـ [في «مُعجَم المَناهي» (٤٢١ ـ ٤٢٢)]: «وفي بحثٍ للشَّيخِ أبي شُهبةَ ـ رحمه الله تعالى ـ بعنوانِ: «فضلُ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ على الشَّرائِعِ السَّماويَّةِ السَّابقَةِ، والقوانينِ الوَضعيَّةِ» قال فيها:

«أمَّا القوانينُ فهي مِنْ وَضعِ البَشَرِ، ولفظُ «القانون» أو «القوانين» عند الإطلاقِ يَنصرِفُ إليها، ولا يجوزُ أَنْ يُطلَقَ عليها شَرائِعُ كما يَفعَلُ المُسلمونَ ورِجالُ القانونِ ـ اليومَ ـ في مُؤلَّفاتِهِم ومُحاضراتِهم، وكذلك لا يجوزُ ولا يَنبغي أَنْ نُطلِقَ على التَّشريعاتِ الإسلاميَّةِ اسْمَ «القوانين» مهما كان مِنْ تَوافُرِ حُسنِ النِّيَّةِ؛ لِمَا في هذا التَّعبيرِ مِنَ اللَّبسِ والإبهام»».

ـ وثانيها: أنَّ المُصنِّف ـ رحمه الله ـ ذكَرَ في هذا الأصلِ عباراتٍ قلقةً لا تتوافقُ مع الأوامرِ التَّوقيفيَّةِ التي لم يجعلِ اللهُ فيها خِيَرَةً للمؤمنين كما جاء في التَّنزيلِ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦[الأحزاب]، مثل قوله: «رَضِيَتْهُ لِنَفْسِهَا»، «فَهِيَ تُطِيعُ القَانُونَ لِأَنَّهُ قَانُونُهَا، لَا لِأَنَّ سُلْطَةً أُخْرَى لِفَرْدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ فَرَضَتْهُ عَلَيْهَا» وغيرها؛ فسلطةُ اللهِ أكبرُ وهي التي فَرضَتْهُ على الأُمَّة، ولَزِمَتْهم طاعتُه والتسليمُ له دون حرجٍ مِنْ حُكمِهِ وقضائِهِ؛ لا لأنَّه قانونُها الذي رضِيَتْهُ هي والْتَزَمَتْه مِنْ نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥[النساء].

وكذلك مِنْ عباراتِ المُصنِّف ـ رحمه الله ـ القلقةِ قولُهُ ـ في شأنِ الأُمَّةِ ـ: «وَأَنَّهَا تُسَيِّرُ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا»، فإنَّها تُوحي باستقلالها بالحكم دون الشَّرعِ المنزَّل وهو غيرُ مَرْضِيٍّ، غيرَ أنَّ ما ذُيِّل به هذا الأصلُ يرفع هذا اللَّبْسَ.

ـ وثالثها: قوله ـ رحمه الله ـ : «إِذَا عَصَى وَخَالَفَ لَمْ تَبْقَ لَهُ طَاعَةٌ عَلَيْهِمْ» ليس على وجه الإطلاق، وإنَّما يُطاعُ في طاعةِ اللهِ وما ليس بمعصيةٍ وإِنْ جارَ وفَسَقَ، والعبارةُ تحتاجُ إلى تحويرٍ حتَّى تتوافَقَ مع مُعتَقَدِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ بهذا التقييد: «إِذَا عَصَى وَخَالَفَ لَمْ تَبْقَ لَهُ طَاعَةٌ عَلَيْهِمْ فيما عَصَى به أو فَسَقَ» إذ لا طاعةَ لِمَخلوقٍ في معصية الله ولو كان أتقى النَّاس ولا تُنزَعُ يَدٌ مِنْ جماعةٍ، ويؤيِّد هذا المَعنَى حديثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا» قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟» قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ» [مُتَّفَقٌ عليه، سبق تخريجه في «الأصل السابع»]، ويؤكِّدُ معنَى خصوصِ تلكِ المَعصيةِ التي أمَرَ بها لا على وجهِ الإطلاقِ قولُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الفِتَن» (١٣/ ١٢١) باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢٢٦) بابُ وجوبِ طاعة الأُمَراء في غيرِ معصيةٍ، وتحريمِها في المعصية]؛ علمًا أنَّه لو تُركَتِ العِبارةُ على إطلاقِها مِنْ غيرِ تقييدٍ لكان ذلك مُتوافِقًا مع مُعتقَدِ الخوارجِ ونَفَسِ مَنْ يُوافِقُهم مِنْ أهلِ البِدَعِ كَكثيرٍ مِنَ الأشاعرةِ، الأمرُ الذي يُفضِي إلى الخروجِ على الحاكِمِ وما يترتَّب عليه مِنْ مفاسدَ وتَبِعاتٍ.

(٢) هذا مَبدأٌ إلهيٌّ وهو أنَّ الإمامَ الحاكمَ لا يُطاعُ مُطلَقًا لأنَّه ليس مَعصومًا، وإنَّما يُطاعُ في المَعروفِ، فإِنْ أَمَرَهم بطاعةِ اللهِ أطاعُوه ولو كان الإمامُ فاسقًا ظالِمًا، وإِنْ أمرَهم بمعصيَةٍ فَلَا طاعَةَ له فِيها ولو كانَ الإمامُ عادِلًا، وبهذا الصَّددِ قال ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ عن مُعتقَدِ أهلِ السُّنَّةِ [في «منهاجِ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ» (٣/ ٣٨٧)] ما نَصُّه: «أَنَّهم لا يُوجِبُونَ طاعةَ الإمامِ في كُلِّ ما يأمرُ بهِ، بَلْ لا يُوجِبُونَ طاعتَهُ إِلَّا فيما تَسُوغُ طَاعَتُهُ فيه في الشَّريعةِ، فَلَا يُجَوِّزُونَ طَاعَتَهُ في معصيَةِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَادِلًا، وإذا أمَرَهُم بطاعَةِ اللَّهِ فَأَطَاعُوهُ ـ مِثْلَ أَنْ يأمُرَهم بإقامَةِ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ، والصِّدقِ والعَدلِ والحجِّ والجهادِ في سبيلِ اللَّهِ ـ فهُم في الحقيقةِ إِنَّما أطاعوا اللَّهَ، والكافرُ والفاسقُ إذا أمَرَ بما هو طاعةٌ للَّهِ لم تَحرُم طَاعَةُ اللَّهِ ولا يَسْقُطُ وُجُوبُهَا لأجلِ أمرِ ذلك الفاسقِ بها، كما أَنَّهُ إذا تكلَّمَ بِحَقٍّ لم يَجُزْ تكذِيبُهُ، ولا يسقطُ وجوبُ اتِّباعِ الحقِّ لكونِهِ قد قالَهُ فاسقٌ، فأهلُ السُّنَّةِ لا يطيعونَ وُلَاةَ الأمورِ مُطلَقًا، إنَّما يُطيعونَهم في ضِمنِ طاعةِ الرَّسولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ[النِّساء: ٥٩]، فأمَرَ بِطاعةِ اللَّهِ مُطْلَقًا وأَمَرَ بطاعةِ الرَّسولِ لِأَنَّهُ لا يأمرُ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ[النِّساء: ٨٠]، وجعَلَ طاعةَ أُولِي الأَمْرِ دَاخِلَةً فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ﴾ وَلَمْ يذكرْ لهم طاعةً ثالثةً؛ لِأَنَّ وَلِيَّ الأَمرِ لا يُطاعُ طاعةً مُطْلَقَةً، إِنَّمَا يُطَاعُ فِي المَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» [صحيح: سبق تخريجه في «الأَصْلِ الخامس»] وَقَالَ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» [أخرجه مسلمٌ في «الإمارةِ» (١٢/ ٢٢٦) بابُ وجوبِ طاعة الأُمَراء في غيرِ معصيةٍ، وتحريمِها في المعصية، مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه]، وَ«لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» [صحيحٌ: سبق تخريجه في «الأصل الخامس»]، وَقَالَ: «وَمَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ» [صحيح: سبق تخريجه في «الأصلِ الخامِسِ»]».