Skip to Content
الإثنين 19 ذي القعدة 1440 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ٤٢

في ردِّ شبهةِ دار الإفتاء المصرية
في حصر النهي عن اتِّخاذ القبر مسجدًا في الصلاة عليه أو إليه

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففي مَعْرِضِ فِقْهِ مَعْنَى «اتِّخاذِ القبورِ مساجدَ» أرادَتْ دارُ الإفتاءِ المصريةُ ـ هداها الله ـ أَنْ تحصره في الصلاةِ على القبور بمعنى السجود عليها، وكذا في استقبالها بالصلاة والدعاء، مُسْتنِدةً إلى أنَّ فَهْمَ العُلَماءِ لأحاديثِ النهي محصورٌ في هذين المَعْنَيَيْنِ، وأخرَجَتْ بذلك المسجدَ الذي به ضريحٌ، وقَصْدَ الصلاةِ فيه مِنْ معنى اتِّخاذِ القبر مسجدًا، ثمَّ ناقَضَتْ كلامَها في الأخيرِ عند بيانِها لحكمِ العُلَماء الفحولِ مِنْ أصحابِ المَذاهِبِ الأربعة على الصلاة في مسجدٍ فيه ضريحٌ، حيث قالَتْ ـ هداها الله ـ ما نصُّه:

نصُّ الشبهة:

[واتِّخاذُ القبرِ مسجدًا الذي وَرَدَ فيه النهيُ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ليس هو ما ذَكَرْنا مِنْ بناءِ المسجدِ بجوارِ ضريحٍ مُتَّصِلٍ به أو مُنْفصِلٍ عنه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالَتْ: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» [أخرجه البخاريُّ في «صحيحه» (١/ ٤٤٦)، ومسلمٌ في «صحيحه» (١/ ٣٧٦)]، وفي روايةٍ لمسلمٍ بلفظِ: «قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ» [أخرجه مسلمٌ في «صحيحه» (١/ ٣٧٧)] بزيادةِ: «وصالِحِيهم».

فعُلَماءُ الأُمَّةِ لم يفهموا مِنْ هذا الحديثِ أنَّ المقصود النهيُ عن اتِّصالِ المسجد بضريحِ نبيٍّ أو صالحٍ، وإنما فسَّروا اتِّخاذَ القبرِ مسجدًا التفسيرَ الصحيح، وهو أَنْ يُجْعَلَ القبرُ نَفْسُه مكانًا للسجود ويَسْجُدَ عليه الساجدُ لمَنْ في القبر عبادةً له كما فَعَلَ اليهودُ والنصارى؛ حيث قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١[التوبة]؛ فهذا هو معنى السجود الذي استوجب اللعنَ، أو جَعْلُ القبرِ قِبْلَةً دون القبلةِ المشروعة كما يفعل أهلُ الكتاب؛ حيث يتوجَّهون بالصلاة إلى قبورِ أحبارهم ورُهْبانهم؛ فتلك الصُّوَرُ هي التي فَهِمَها عُلَماءُ الأُمَّةِ مِنَ النهي عن اتِّخاذ القبورِ مَساجِدَ.

فكان ينبغي على المسلمين أَنْ يعرفوا الصورةَ المنهيَّ عنها، لا أَنْ ينظروا إلى ما فَعَلَه المسلمون في مَساجِدِهم، ثمَّ يقولون: إنَّ الحديث وَرَدَ في المسلمين؛ فهذا فِعْلُ الخوارج ـ والعياذُ بالله ـ كما قال ابنُ عمر رضي الله عنه: «ذَهَبُوا إلى آياتٍ نَزَلَتْ في المشركين، فجعلوها في المسلمين»؛ فليست هناك كنيسةٌ للنصارى ولا مَعْبَدٌ لليهود على هيئة مَساجِدِ المسلمين التي بها أضرحةٌ، والتي يُصِرُّ بعضُهم أنَّ الحديث جاء في هذه الصورةِ.

ولكنَّ العُلَماءَ فهموا المرادَ بنظرٍ ثاقبٍ، وهو ما اتَّضَحَ في شروحهم لهذه الأحاديث؛ فها هو الشيخ السنديُّ يقول بشأنِ هذا الحديث: «ومُرادُه بذلك أَنْ يُحذِّرَ أُمَّتَه أَنْ يصنعوا بقبرِه ما صَنَعَ اليهودُ والنصارى بقبورِ أنبيائهم مِنِ اتِّخاذِهم تلك القبورَ مَساجدَ: إمَّا بالسجود إليها تعظيمًا أو بجَعْلِها قِبلةً يتوجَّهون في الصلاة نحوَها، قيل: ومجرَّدُ اتِّخاذِ مسجدٍ في جِوارِ صالحٍ تبرُّكًا غيرُ ممنوعٍ» [«حاشية السندي» (٢/ ٤١)].

وقد نَقَلَ العلَّامةُ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ وغيرُه مِنْ شُرَّاح السُّنن قولَ البيضاويِّ؛ حيث قال: «قال البيضاويُّ: لَمَّا كانَتِ اليهودُ يسجدون لقبورِ الأنبياءِ تعظيمًا لِشأنِهم، ويجعلونها قِبْلةً، ويتوجَّهون في الصلاة نحوَها فاتَّخذوها أوثانًا؛ لَعَنَهم اللهُ، ومَنَعَ المسلمين عن مِثْلِ ذلك ونَهَاهم عنه، أمَّا مَنِ اتَّخذ مسجدًا بجوارِ صالحٍ أو صلَّى في مقبرته وقَصَدَ به الاستظهارَ بروحه، ووصولَ أثرٍ مِنْ آثارِ عبادته إليه، لا التعظيمَ له والتوجُّهَ؛ فلا حَرَجَ عليه، ألا ترى أنَّ مدفن إسماعيلَ في المسجد الحرام عند الحطيم؟ ثمَّ إنَّ ذلك المسجدَ أَفْضَلُ مكانٍ يتحرَّى المصلِّي بصلاته، والنهيُ عن الصلاة في المَقابِرِ مختصٌّ بالمنبوشة لِما فيها مِنَ النجاسة، انتهى»، [«فتح الباري» (١/ ٥٢٤)، و«شرح الزرقاني» (٤/ ٢٩٠)، و«فيض القدير» (٤/ ٤٦٦)].

وقد نَقَلَ كذلك المباركفوريُّ في شرحِه لجامع الإمام الترمذيِّ قولَ التوربشتي فقال: «قال التوربشتيُّ: هو مخرَّجٌ على الوجهين: أحَدُهما: كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم وقَصْدَ العبادةِ في ذلك؛ وثانيهما: أنهم كانوا يتحرَّوْن الصلاةَ في مَدافِنِ الأنبياء، والتوجُّهَ إلى قبورهم في حالةِ الصلاة والعبادةِ لله؛ نظرًا منهم أنَّ ذلك الصنيعَ أَعْظَمُ موقعًا عند الله؛ لاشتماله على الأمرين»، [«تحفة الأحوذي» للمباركفوري (٢/ ٢٢٦)].

وممَّا سَبَقَ يَتبيَّنُ أنَّ حُكْمَ الصلاةِ بالمسجد الذي به ضريحٌ يكون إذا كان القبرُ في مكانٍ مُنْعَزِلٍ عن المسجد، أي: لا يُصلَّى فيه؛ فالصلاةُ في المسجد الذي يُجاوِرُه صحيحةٌ، ولا حُرْمةَ ولا كراهةَ فيها، أمَّا إذا كان القبرُ في داخِلِ المسجد فإنَّ الصلاة باطلةٌ ومحرَّمةٌ على مذهبِ أحمد بنِ حنبلٍ، جائزةٌ وصحيحةٌ عند الأئمَّةِ الثلاثة، غايةُ الأمرِ أنهم قالوا: يُكْرَهُ أَنْ يكون القبرُ أمامَ المصلِّي؛ لِما فيه مِنَ التشبُّه بالصلاة إليه، واللهُ تعالى أعلى وأَعْلَمُ].

الجواب على الشبهة:

فالجواب على دار الإفتاء ـ هداها الله ـ في حَصْرِها النهيَ عن اتِّخاذ القبر مسجدًا في الصلاة عليه وإليه فقط ما يلي:

١ ـ تفسيرُ ورودِ الصورة المنهيِّ عنها في حديثِ لَعْنِ اليهود والنصارى في اتِّخاذِ قبورِ أنبيائهم مَساجِدَ على مَنْ يجعل القبرَ نَفْسَه مكانًا للسجود ويسجد عليه الساجدُ لمَنْ في القبر عبادةً له، أو يجعلُ القبرَ قبلةً دون القبلةِ المشروعةِ تفسيرٌ لا شكَّ في صحَّته، وللمعنيَيْن شواهدُ لأحاديثَ عِدَّةٍ ثابتةٍ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم تُعرِّجْ عليها دارُ الإفتاء ـ هداها الله ـ وسأُورِدُ بعضًا منها على الوجه التالي:

ـ أمَّا المعنى الأوَّل مِنْ مَعاني اتِّخاذِ القبرِ مسجدًا والسجودِ له فإنه يشهد لهذا المعنى:

ـ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَلُّوا إِلَى قَبْرٍ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْرٍ»(١).

ـ نَهْيُهُ صلَّى الله عليه وسلَّم «أَنْ يُبْنَى عَلَى القُبُورِ، أَوْ يُقْعَدَ عَلَيْهَا، أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهَا»(٢).

ـ نَهْيُهُ صلَّى الله عليه وسلَّم «عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى القُبُورِ»(٣).

ـ أمَّا المعنى الثاني مِنْ مَعاني الاتِّخاذ: وهو السجودُ إليها واستقبالُها بالصلاة والدعاءِ فيَشْهَدُ له النهيُ الصريحُ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا»(٤)، ويُؤيِّدُه فَهْمُ الصحابة رضي الله عنهم؛ فقَدْ ثَبَتَ عن أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «كُنْتُ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْ قَبْرٍ فَرَآنِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه؛ فَقَالَ: «القَبْرَ، القَبْرَ»؛ فَرَفَعْتُ بَصَرِي إِلَى السَّمَاءِ وَأَنَا أَحْسَبُهُ يَقُولُ: القَمَرَ»(٥)، وعند عبد الرزَّاق بزيادةِ: «إِنَّمَا أَقُولُ القَبْرَ: لَا تُصَلِّ إِلَيْهِ»(٦).

فهذا المعنى والذي قَبْلَه استدلَّتْ لهما دارُ الإفتاء ـ هداها الله ـ بكلام السِّنديِّ والبيضاويِّ وما نَقَلَهُ المُباركفوريُّ مِنْ قول التوربشتيِّ، وهُمَا صحيحان بلا شكٍّ لِدلالةِ النصوص الحديثية والآثارِ عليهما، لكنَّهما لا يُمثِّلان ـ في حقيقة الأمر ـ سوى مفهومين لمعنى اتِّخاذ القبورِ مَساجِدَ، ومفهومُه أَوْسَعُ مِنْ ذلك، قال الصنعانيُّ ـ رحمه الله ـ: «واتِّخاذُ القبورِ مَساجِدَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يكون بمعنى الصلاةِ إليها أو بمعنى الصلاةِ عليها»(٧)، وقال ـ أيضًا ـ: «والمرادُ مِنَ الاتِّخاذِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يكون ابتداعًا أو اتِّباعًا؛ فاليهودُ ابْتَدَعَتْ والنصارى اتَّبَعَتْ»(٨).

قلت: بل إنَّ الأحاديث الصحيحة المتقدِّمة المتضمِّنة للوعيد الشديد تَشْمَلُ ـ باللزوم ـ معنًى ثالثًا في النهي عن اتِّخاذ القبورِ مَساجِدَ وهو البناءُ عليها، ووجهُ لزومِ بناءِ المَساجِدِ عليها مِنَ السجود إليها على غِرارِ ما يَلْزَمُ مِنْ بناءِ المَساجِدِ عليها السجودُ إليها: أنَّ الشارع «إذا أَمَرَ ببناء المَساجِدِ فهو يأمر ـ ضِمْنًا ـ بالصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودةُ بالبناء، وكذلك إذا نَهَى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ـ ضِمْنًا ـ عن الصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودةُ بالبناء أيضًا، وهذا بيِّنٌ لا يخفى على العاقل»(٩)، وقد بيَّنَهُ المُناويُّ ـ رحمه الله ـ في مَعْرِضِ شَرْحِه للحديث حيث قال: «أي: اتَّخَذُوها جِهةَ قبلتِهم مع اعتقادهم الباطل، وأنَّ اتِّخاذَها مَساجِدَ لازمٌ لاتِّخاذِ المساجد عليها كعكسه، وهذا بَيَّنَ به سببَ لَعْنِهم لِما فيه مِنَ المُغالاة في التعظيم»(١٠)؛ هذا، وقد تَرْجَمَ الإمامُ البخاريُّ ـ رحمه الله ـ لمَعْنَى هذا الحديثِ بقوله: «بابُ ما يُكْرَهُ مِنِ اتِّخاذ المساجد على القبور»(١١)، قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «قال الكِرمانيُّ: مَفادُ الحديثِ مَنْعُ اتِّخاذِ القبرِ مسجدًا، ومدلولُ الترجمةِ اتِّخاذُ المسجدِ على القبر، ومفهومُهما مُتغايِرٌ، ويُجابُ بأنهما مُتلازِمان وإِنْ تَغايَرَ المفهومُ»(١٢).

وبناءً على تفسيره لمعنى اتِّخاذِ القبر مسجدًا بأَنْ يُجْعَلَ القبرُ مكانًا للسجود فإنه ـ فضلًا عن شموله لبناءِ المسجدِ عليه بطريقِ اللزومِ كما تَقدَّمَ مِنْ أقوال أهل العلم ـ فقَدْ صحَّ ـ عن طريقِ النقل ـ ما يُثْبِتُ النهيَ الصريح لبناءِ المساجد على القبور بالنصوص الحديثية التالية:

أوَّلًا: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ»(١٣)، والحديثُ صريحٌ في أنَّ مِنْ أسبابِ كونهم شِرارَ الخَلْقِ بناءَ المساجد على قبور الصالحين، قال ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ: «هذا الحديث يدلُّ على تحريمِ بناءِ المساجد على قبورِ الصالحين»(١٤)، وهذا المعنى الذي أشارَتْ إليه عائشةُ رضي الله عنها بقولها: «فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»(١٥)، أي: لولا مخافةُ الوقوع في اللعن الذي استحقَّه اليهودُ والنصارى بسببِ اتِّخاذِهم القبورَ مَساجدَ لَجُعِلَ قبرُه صلَّى الله عليه وسلَّم في أرضٍ بارزةٍ ظاهرةٍ مكشوفةٍ؛ فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا لِيَبْنُوا حولَ قبره مسجدًا، وكُلُّ موضعٍ يُصلَّى فيه يُسمَّى مسجدًا كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»(١٦).

ثانيًا: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ»(١٧)، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ويَحْرُمُ الإسراجُ على القبورِ واتِّخاذُ المساجد عليها وبَنْيُها، ويَتعيَّنُ إزالتُها، ولا أَعْلَمُ فيه خلافًا بين العُلَماء المعروفين»(١٨).

ثالثًا: نَهْيُهُ صلَّى الله عليه وسلَّم «أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ»(١٩)، والحديثُ دلَّ على أنَّ البناء على القبر مَنْهِيٌّ عنه مطلقًا، يسيرًا كان أو كثيرًا، بل الكثير والكبير أَحْرَى بالنهي مِنْ طريقِ فحوى الخطاب؛ لأنَّ البناء اليسير على القبر مَنْهِيٌّ عنه كالقُبَّة مثلًا؛ فيَدْخُلُ في النهي تحريمُ بناءِ الكبير كالمسجد دخولًا أولويًّا.

ولهذا لا يجتمعُ في دينِ الإسلام قبرٌ ومسجدٌ مُطلقًا، ولا فَرْقَ ـ في المحذور ـ بين بناءِ المسجد على القبر أو إدخالِ القبر في المسجد، وضِمْنَ هذا المنظورِ السُّنِّيِّ يقول ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فلا يجتمعُ في دينِ الإسلام مسجدٌ وقبرٌ، بل أيُّهما طَرَأَ على الآخَرِ مُنِعَ منه وكان الحكمُ للسابق؛ فلو وُضِعَا معًا لم يَجُزْ، ولا يصحُّ هذا الوقفُ ولا يجوز، ولا تصحُّ الصلاةُ في هذا المسجدِ لنَهْيِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك ولَعْنِه مَنِ اتَّخَذَ القبرَ مسجدًا أو أَوْقَدَ عليه سراجًا؛ فهذا دينُ الإسلامِ الذي بَعَثَ اللهُ به رسولَه ونبيَّه، وغُرْبَتُه بين الناس كما ترى»(٢٠)، ونَقَلَ المُناويُّ عن الحافظ العراقيِّ في هذا المعنى قولَه: «قال الزينُ العراقيُّ: والظاهرُ أنه لا فَرْقَ؛ فلو بَنَى مسجدًا بقَصْدِ أَنْ يُدْفَنَ في بعضِه دَخَلَ في اللعنة، بل يَحْرُمُ الدفنُ في المسجد، وإِنْ شَرَطَ أَنْ يُدْفَنَ فيه لم يَصِحَّ الشرطُ لمُخالَفتِه لمقتضى وَقْفِه مسجدًا»(٢١).

هذا، وأمَّا ما اسْتَظْهَرَتْ به دارُ الإفتاء ـ هداها الله ـ مِنْ كلام البيضاويِّ بقوله: «أمَّا مَنِ اتَّخذ مسجدًا بجوارِ صالحٍ أو صَلَّى في مقبرته وقَصَدَ به الاستظهارَ بروحه، ووصولَ أثرٍ مِنْ آثار عبادته إليه، لا التعظيمَ له والتوجُّهَ؛ فلا حَرَجَ عليه، ألا ترى أنَّ مدفن إسماعيل في المسجد الحرام عند الحطيم؟ ثمَّ إنَّ ذلك المسجد أَفْضَلُ مكانٍ يتحرَّى المصلِّي بصلاته، والنهيُ عن الصلاة في المَقابِرِ مُخْتَصٌّ بالمنبوشة لِما فيها مِنَ النجاسة».

فجوابُه مِنْ ثلاث جهاتٍ:

الأولى: أنَّ تقرير الجوازِ مُخالِفٌ لعموم الأدلَّة الناهية عن الصلاة في المقبرة وما يُلْحَقُ بها مِنَ المساجد المبنيَّة على القبور، قال الألوسيُّ: «هذا، واسْتُدِلَّ بالآية على جوازِ البناء على قبورِ الصُّلَحاء واتِّخاذِ مسجدٍ عليها وجوازِ الصلاة فيها، وممَّنْ ذَكَرَ ذلك الشهابُ الخَفاجيُّ في حواشيه على البيضاويِّ، وهو قولٌ باطلٌ عاطلٌ فاسدٌ كاسدٌ»(٢٢)، ثمَّ استدلَّ بالأخبار الصحيحة والآثار الصريحة على فسادِ هذا المُعْتقَدِ.

الثانية: أنَّ تعليل النهيِ عن الصلاة في المَقابِرِ بالنجاسة الحِسِّيَّةِ غيرُ ظاهرٍ مع أنَّ المؤمن لا ينجس حيًّا أو ميِّتًا كما ثَبَتَ في الحديث(٢٣)، وإنما وَرَدَ النهيُ سدًّا للذريعة خشيةَ أَنْ يُعْبَدَ فيها المقبورُ لقرينةِ خبرِ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»(٢٤)؛ فكان النهيُ لأَجْلِ نجاسةِ الشِّرك اللاحقة بمَنْ عَصَاهُ، وهي نجاسةٌ معنويةٌ، قال الصنعانيُّ ـ رحمه الله ـ متعقِّبًا على البيضاويِّ: «قولُه: «لا لتعظيمٍ له»، يقال: اتِّخاذُ المساجد بقُرْبِه وقَصْدُ التبرُّكِ به تعظيمٌ له، ثمَّ أحاديثُ النهي مطلقةٌ ولا دليلَ على التعليل بما ذَكَرَ، والظاهرُ أنَّ العلَّة سَدُّ الذريعةِ والبعدُ عن التشبُّه بعَبَدةِ الأوثان الذين يعظِّمون الجماداتِ التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضرُّ، ولِما في إنفاقِ المال في ذلك مِنَ العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلِّيَّة؛ ولأنه سببٌ لإيقادِ السُّرُج عليها الملعونِ فاعِلُه، ومَفاسِدُ ما يُبْنى على القبور مِنَ المَشاهِدِ والقِبَاب لا تُحْصَرُ»(٢٥).

وقال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وبالجملة: فمَنْ له معرفةٌ بالشرك وأسبابِه وذرائعِه، وفَهِمَ عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم مَقاصِدَه؛ جَزَمَ جزمًا لا يَحْتَمِل النقيضَ أنَّ هذه المُبالَغةَ منه باللعن والنهي بصيغتَيْه: صيغةِ: «لا تفعلوا»، وصيغةِ: «إنِّي أنهاكم»، ليس لأجلِ النجاسة، بل هو لأجلِ نجاسةِ الشركِ اللاحقة بمَنْ عَصَاهُ، وارتكب ما عنه نَهَاهُ، واتَّبع هواهُ، ولم يَخْشَ ربَّه ومولاهُ، وقلَّ نصيبُه أو عُدِمَ عن تحقيقِ شهادةِ أَنْ لا إله إلَّا الله؛ فإنَّ هذا وأمثالَه مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم صيانةٌ لحِمَى التوحيد أَنْ يلحقه شركٌ ويَغْشاهُ، وتجريدٌ له وغضبٌ لربِّه أَنْ يُعْدَل به سِواهُ»(٢٦).

ـ أمَّا قول البيضاويِّ: «ألا ترى أنَّ مدفن إسماعيل في المسجد الحرام عند الحطيم؟».

ـ فجوابُه مِنْ جهةِ عدَمِ التسليم بصحَّةِ الدعوى أوَّلًا، ثمَّ مِنْ جهةِ التسليم ـ جدلًا ـ بصحَّتها ثانيًا على ما يأتي:

الجهة الأولى: أنَّ دعوى وجودِ قبرِ إسماعيل عليه السلام أو غيرِه مِنَ الأنبياء الكِرامِ مدفونِينَ في المسجد الحرام تحتاج إلى نقلٍ صحيحٍ مُؤيَّدٍ يصحُّ الاستدلالُ به، وهو مُفْتَقَرٌ إليه لعدَمِ ثبوت أيِّ خبرٍ مرفوعٍ في الدواوين المعروفة، قال الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ: «وذلك مِنْ أَعْظَمِ علاماتِ كونِ الحديثِ ضعيفًا بل موضوعًا عند بعضِ المحقِّقين، وغايةُ ما رُوِي في ذلك آثارٌ مُعْضَلاتٌ بأسانيدَ واهياتٍ موقوفاتٍ، أخرجها الأزرقيُّ في «أخبار مكَّة»؛ فلا يُلْتَفَتُ إليها وإِنْ ساقَهَا بعضُ المُبْتَدِعة مَساقَ المسلَّمات»(٢٧).

الجهة الثانية: وعلى فَرْضِ صحَّةِ الآثار ووجودِ قبورِ الأنبياء الكِرامِ فإنَّ العبرة في هذه المسألة بالقبور المُشْرِفة والمُرْتفِعة بأَنْ يُبنى عليها أو تُشْرِف بكِبَرِ الأعلام التي تُوضَعُ عليها وهي «النُّصُبُ» أو «النصائب» أو تُشْرِفَ بالتلوين أو برَفْعِ ترابِ القبر عمَّا حوله؛ فيكون بيِّنًا ظاهرًا كما هو حالُ الأضرحة والقِباب؛ لأنَّ القبور المُشْرِفة يزداد الغُلُوُّ فيها وتَقَعُ مَفاسِدُ الشركيات والوثنيات عندها، وقد جاء في «صحيح مسلم» عن أبي الهيَّاج الأسديِّ قال: قال لي عليٌّ: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَنْ لَا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ»(٢٨).

وعليه، فلا يصحُّ الاستدلالُ بهذه الآثارِ على جوازِ اتِّخاذِ المساجد على القبور ـ ولو كانَتْ حقيقيةً ـ لاندراسِها وخفائِها وعدَمِ ظهورها؛ إذ المعلومُ ضرورةً أنَّ الأرض كُلَّها مقبرةُ الأحياء كما قال تعالى: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا ٢٥ أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا ٢٦[المُرْسَلات]، وإذا افترقَتِ الصورتان في معنى الظهور والبروز والإشراف فلا مَجالَ للتسوية بينهما أو نفيِ الفارق عنهما.

وقد وَرَدَ هذا المعنى في جوابِ علي القاري ـ رحمه الله ـ على مَنْ ذَكَرَ أنَّ صورةَ قبرِ إسماعيل عليه السلام في الحِجْر تحت الميزاب، وأنَّ في الحطيم بين الحَجَر الأسود وزمزم قبرَ سبعين نبيًّا حيث قال: «وفيه أنَّ صورة قبرِ إسماعيل عليه السلام وغيرِه مُنْدَرِسةٌ فلا يَصْلُحُ الاستدلالُ به»(٢٩).

ـ وأمَّا قولُه: «ثمَّ إنَّ ذلك المسجد أَفْضَلُ مكانٍ يتحرَّى المصلِّي بصلاته».

ـ فجوابُه: أنَّ مِنَ الخطإ البيِّنِ اعتقادَ أنَّ فضيلةَ المسجد الحرامِ على سائِرِ المساجد إنما طَرَأَتْ بدفن إسماعيل عليه السلام، ولو مع فَرْضِ التسليم بصحَّةِ الآثار الواردة بدفنه فيه؛ فلم يَثْبُتْ أيُّ دليلٍ يُفْصِحُ عن حدوثِ فضيلته بالطروء، ولم ينقل ذلك أحَدٌ مِنَ السلف، بل فضيلةُ المسجد الحرامِ مُرْتَبِطةٌ به وأصيلةٌ فيه، ومُؤكَّدةٌ منذ أَنْ رَفَعَ إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام القواعدَ مِنَ البيت كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِ‍ۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧[البقرة]، وقولِه تعالى: ﴿وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥[البقرة]؛ فشأنُ المسجدِ الحرام في الْتصاقِ الفضيلة به كشأنِ فضيلةِ المسجد النبويِّ؛ فإنَّ أَجْرَ الصلاةِ فيه بألفِ صلاةٍ بإخبارِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يُدْفَنْ فيه أحَدٌ.

هذا، وقد ساقَتْ دارُ الإفتاءِ ـ هداها الله ـ فَهْمَ العلماءِ لمعنى اتِّخاذ القبر مسجدًا بالصلاة عليه أو إليه أي: مِنْ غيرِ أَنْ يفهموا ـ في زَعْمِها ـ مِنْ نصِّ الحديث: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(٣٠) النهيَ عن بناء المساجد وقصدِ الصلاة فيها، ثمَّ تَناقَضَتْ في آخِرِ ردِّها عند نَقْلِها عن أئمَّة المَذاهِبِ تحريمَ الصلاةِ في المسجد الذي به قبرٌ أو ضريحٌ، وبطلانَها على مذهب أحمد بنِ حنبلٍ، وكراهتَها عند الأئمَّة الثلاثة؛ فمِنْ أين يأتي التحريمُ والكراهةُ إذا لم يفهموا مِنَ الحديثِ النهيَ عن بناءِ المساجد على القبور يا تُرى؟!!

وقد نَقَلْتُ ـ فيما سَبَقَ ـ تصريحَ عامَّةِ الطوائف والمَذاهِبِ بالنهي عن بناء المساجد عليها مُتابَعةً منهم للسُّنَّة الصحيحة الصريحة مِنْ غيرِ اختلافٍ بين الأئمَّة المعروفين(٣١)، وإِنْ أطلقَتْ طائفةٌ منهم لَفْظَ «الكراهة» فإنه ينبغي حَمْلُه على الكراهة التحريمية إحسانًا للظنِّ بالعلماء، ولأنه هو المعنى الشرعيُّ في الاستعمال القرآنيِّ؛ فيُحْمَلُ عليه لا على المعنى الاصطلاحيِّ في الأصول عند المتأخِّرين، ومِنَ الاستعمال القرآنيِّ لِلَفْظِ «الكراهة» بمعنى «التحريم» قولُه تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَ[الحُجُرات: ٧]، كما ذَكَرَ اللهُ تعالى ـ أيضًا ـ بعد النهي عن قَتْلِ الأولاد، وقُرْبانِ الزنا، وقتلِ النفس، وغيرِ ذلك، هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨[الإسراء]، أي: محرَّمًا؛ لأنَّ هذه المذكوراتِ والتي قبلها كُلَّها محرَّماتٌ، ويُؤيِّدُ ذلك أنَّ الأصل في النهي عند مالكٍ والشافعيِّ وأحمد وغيرِهم أَنْ يُحْمَل على التحريم إلَّا إذا دلَّ دليلٌ يصرف النهيَ إلى التنزيه، ولا صارِفَ استظهروه في الأحاديثِ الناهية عن بناء المساجد على القبور.

وفي هذا المعنى مِنْ حَمْلِ لفظِ «الكراهة» عند الأئمَّةِ المتقدِّمين على «التحريم» عند الإطلاقِ ما ذَكَرَه ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ عن الإمام الشافعيِّ ـ رحمه الله ـ فيمَنْ أراد نسبةَ القولِ إليه بإباحةِ تزوُّجِ الرجلِ مِنْ بنته مِنَ الزِّنا بدعوى تصريحِه بكراهةِ ذلك، وأنَّ الكراهةَ لا تُنافي الجوازَ إذا ما حُمِلَتْ على التنزيه فيقول ـ رحمه الله ـ: «ومِنْ هذا ـ أيضًا ـ أنه نصَّ على كراهةِ تزوُّجِ الرجلِ بنتَه مِنْ ماءِ الزنا، ولم يقل قطُّ إنه مُباحٌ ولا جائزٌ، والذي يَليقُ بجلالَتِه وإمامتِه ومَنْصِبِه الذي أَحَلَّه اللهُ به مِنَ الدِّين أنَّ هذه الكراهةَ منه على وجهِ التحريم، وأَطْلَقَ لَفْظَ «الكراهة» لأنَّ الحرام يَكْرَهُه اللهُ ورسولُه، وقد قال تعالى عَقِبَ ذِكْرِ ما حرَّمه مِنَ المحرَّمات مِنْ عندِ قوله: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ[الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا[الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖ[الإسراء: ٣١] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓ[الإسراء: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ[الإسراء: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ[الإسراء: ٣٤] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌ[الإسراء: ٣٦] إلى آخِرِ الآيات، ثمَّ قال: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨[الإسراء: ٣٨]، وفي الصحيح: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ»(٣٢).

فالسلفُ كانوا يَسْتَعْمِلون «الكراهةَ» في مَعْناها الذي اسْتُعْمِلَتْ فيه في كلام الله ورسوله، أمَّا المتأخِّرون فقَدِ اصطلحوا على تخصيصِ «الكراهة» بما ليس بمُحَرَّمٍ وتَرْكُه أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِه، ثمَّ حَمَلَ مَنْ حَمَلَ منهم كلامَ الأئمَّةِ على الاصطلاح الحادث»(٣٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٩ رجب ١٤٣٠ﻫالموافق ﻟ: ٢١ يوليو ٢٠٠٩م

 



(١) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١١/ ٣٧٦)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ١٣).

(٢) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٢/ ٢٩٧)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه. قال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٣/ ١٩١): «رجالُه ثِقَاتٌ»، وصحَّحه الألبانيُّ في «تحذير الساجد» (٢٩).

(٣) أخرجه ابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٦/ ٩٣) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩٣).

(٤) أخرجه مسلمٌ (١/ ٤٣٠) كتاب «الجنائز»، والنسائيُّ (٧٦٠) كتاب «القِبْلة»، وأحمد (٤/ ١٣٥)، مِنْ حديثِ أبي مَرْثَدٍ الغَنَويِّ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه البخاريُّ تعليقًا (١/ ١١١) كتاب «الصلاة» باب: هل تُنْبَشُ قبورُ مُشْرِكي الجاهليةِ ويُتَّخَذُ مكانُها مَساجِدَ، قال ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (١/ ٦٥٩): «رويناهُ موصولًا في كتاب «الصلاة» لأبي نُعَيْمٍ شيخِ البخاريِّوله طُرُقٌ أخرى بيَّنْتُها في «تغليق التعليق»».

(٦) «المصنَّف» لعبد الرزَّاق الصنعانيِّ (١/ ٤٠٤). والأثرُ صحَّحه الألبانيُّ في «تحذير الساجد» (٣٥).

(٧) «سُبُل السلام» للصنعاني (١/ ٣١٧ ـ ٣١٨).

(٨) المصدر السابق نَفْسُه.

(٩) «تحذير الساجد» للألباني (٤٣).

(١٠) «فيض القدير» للمُناوي (٤/ ٤٦٦).

(١١) «صحيح البخاري» بشرح «فتح الباري» (٣/ ٢٠٠).

(١٢) «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٢٠١).

(١٣) أخرجه البخاريُّ (١/ ١١٢) كتاب «المساجد» باب الصلاة في البِيعة، ومسلمٌ (١/ ٢٣٩) كتاب «المساجد ومَواضِع الصلاة»، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٤) «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ١٩٧).

(١٥) أخرجه البخاريُّ (١/ ٣٣٣) كتاب «الجنائز» بابُ ما جاء في قبر النبيِّ وأبي بكرٍ وعمر، ومسلمٌ (١/ ٢٣٩) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٦) أخرجه البخاريُّ (١/ ٨٧) كتاب «التيمُّم» باب التيمُّم، ومسلمٌ (١/ ٢٣٦) كتاب «المساجد ومَواضِعِ الصلاة»، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(١٧) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٦٢) كتاب «الجنائز» بابٌ في زيارة النساء القبورَ، والترمذيُّ (٣٢٠) كتاب «الصلاة» بابُ ما جاء في كراهيةِ أَنْ يَتَّخِذَ على القبر مسجدًا، والنسائيُّ (٢٠٤٣)، وأحمد (١/ ٢٢٩)، مِنْ حديثِ أبي صالحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث بهذا السياقِ ضعيفٌ، قال ابنُ رجبٍ الحنبليُّ في «فتح الباري» (٣/ ٢٠١): «وقال مسلمٌ في كتاب «التفصيل»: هذا الحديث ليس بثابتٍ، وأبو صالحٍ باذامُ قد اتَّقى الناسُ حديثَه، ولا يَثْبُتُ له سماعٌ مِنِ ابنِ عبَّاسٍ». لكِنْ وَرَدَ له شواهدُ تُقَوِّيه في «لعنِ زائرات القبور»، مِثْلَ الحديث الذي أخرجه الترمذيُّ (١٠٥٦) وغيرُه: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم زَوَّارَاتِ القُبُورِ»، وأخرى في «اتِّخاذ المساجد على القبور»، وقد تَوَاتَرَ ذلك عنه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ انظر: «الإرواء» (٣/ ٢١٢) و«السلسلة الضعيفة» (١/ ٣٩٣) كلاهما للألباني.

(١٨) «اختيارات ابنِ تيمية» للبعلي (٨١).

(١٩) أخرجه مسلمٌ (١/ ٤٣٠) كتاب «الجنائز»، وأبو داود كتاب «الجنائز» بابٌ في البناء على القبر (٣/ ٣٥٨)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٢٠) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٣/ ٥٧٢).

(٢١) «فيض القدير» للمُناوي (٥/ ٢٧٤).

(٢٢) «تفسير الألوسي» (١١/ ١٩٦).

(٢٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ؛ فَانْخَنَسَ مِنْهُ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: «كُنْتُ جُنُبًا؛ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ»، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» [أخرجه البخاريُّ (١/ ٧٥)، ومسلمٌ (١/ ١٧٥)]، وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «المُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» [أخرجه البخاريُّ معلَّقًا (١/ ٣٠٠)، ووَصَله ابنُ أبي شيبة (٢/ ٤٦٩). قال الألبانيُّ في «الضعيفة» (١٣/ ٦٦٧)]: «وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين»، وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٣٣)].

(٢٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ٣١٢)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (١٣/ ٨٨)، والألبانيُّ في «تحذير الساجد» (٢٢).

(٢٥) «سُبُل السلام» للصنعاني (١/ ٣١٨).

(٢٦) «إغاثة اللهفان» لابن القيِّم (١/ ١٨٩).

(٢٧) «تحذير الساجد» للألباني (١٠٩ ـ ١١٠).

(٢٨) أخرجه مسلمٌ (١/ ٤٢٩) كتاب «الجنائز»، وأحمد (١/ ٩٦)، مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه.

(٢٩) «مرقاة المفاتيح» للقاري (٢/ ٤١٦).

(٣٠) أخرجه البخاريُّ (١/ ٣٣٣) كتاب «الجنائز» بابُ ما جاء في قبر النبيِّ وأبي بكرٍ وعمر، ومسلمٌ (١/ ٢٣٩) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٣١) انظر: تصريحَ عامَّةِ الطوائف والمَذاهِبِ بالنهي عن بناء المساجد عليها، في المقال الموسوم بـ: «في رد شبهة دار الإفتاء المصرية في الاستدلال بآية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١[الكهف]».

(٣٢) أخرجه البخاريُّ (١/ ٣٥٧) كتاب «الزكاة» بابُ قول الله تعالى: ﴿لَا يَسۡــــ‍َٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗا[البقرة: ٢٧٣]، ومسلمٌ (٢/ ٨٢٠) كتاب «الأقضية»، مِنْ حديثِ المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه.

(٣٣) «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (١/ ٤٢ ـ ٤٣).