في توضيحِ إشكالٍ على قاعدةِ: «كُلُّ شرطِ وجوبٍ هو شرطٌ للصحَّة» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 17 سبتمبر 2019 م

شيخَنا الحبيب، ذكرتم في كتابكم: «الفتح المأمول» (٢٦١) قاعدةً، وهي أنَّ كُلَّ شرطِ وجوبٍ فهو شرطٌ للصحَّة، أشكل علينا تطبيقُ هذه القاعدةِ على بعض الأمثلة مثل: البلوغ شرطٌ لوجوب الحجِّ، وليس شرطًا لصحَّته، ... للمزيد

الفتوى رقم: ١٢١٦

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد الفقهية ـ أصول الفقه

في توضيحِ إشكالٍ على قاعدةِ: «كُلُّ شرطِ وجوبٍ هو شرطٌ للصحَّة»

السؤال:

شيخَنا الحبيب، ذكرتم في كتابكم: «الفتح المأمول» (٢٦١) قاعدةً، وهي أنَّ كُلَّ شرطِ وجوبٍ فهو شرطٌ للصحَّة، أشكل علينا تطبيقُ هذه القاعدةِ على بعض الأمثلة مثل: البلوغ شرطٌ لوجوب الحجِّ، وليس شرطًا لصحَّته، إذ قد يحجُّ الصغيرُ وتُقبَل منه، نرجو التوضيحَ، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا إشكالَ في القاعدةِ المذكورة؛ لأنَّ شرط الوجوب ـ كالزوال لصلاة الظهر ـ هو مِنْ خطاب الوضع الذي هو إخبارٌ وإعلامٌ جَعَله الشارعُ علامةً على حُكمه، وشرطُ الصحَّة ـ كالوضوء للصلاة ـ فهو مِنْ خطاب التكليف الذي هو أمر وطلب أداءِ ما تقرَّر بالأسباب والشروط؛ ولا يخفى أنَّ خطاب الوضع أعمُّ مِنْ خطاب التكليف، فكُلُّ تكليفٍ معه خطابُ الوضع ولا عكسَ؛ إذ قد يَرِدُ خطابُ الوضع مِنْ غير تكليفٍ لتعلُّقِ الحكم الوضعيِّ بالمكلَّف وغيرِ المكلَّف، مثل وجوب الزكاة في أموال الصبيِّ والمجنون ـ على الصحيح ـ وإِنْ كانا غيرَ مكلَّفين، ووجوبِ الضمان على النائم والناسي والغافل والسكران ونحوِهم فيما يُتلِفون، مع أنَّ التكليف مُنتَفٍ عنهم لغياب الفهم وفقدانِ الإدراك، فلم يكن تضمينُهم مِنْ جهة التكليف، وإنما مِنْ بابِ ربط الأسباب بمُسبَّباتها وهو خطابُ الوضع.

والمعلوم ـ أيضًا ـ أنَّ مِنْ شرط الحكم التكليفيِّ أَنْ يكون معلومًا حكمُه للمكلَّف، ولا يُشترَط ذلك في خطاب الوضع، مثل استحقاقِ إرث الوارث بدون عِلمه، وتحريمِ المرأة بطلاق زوجها لها وإِنْ كانت لا تعلم، وضمانِ أهل الأعذار ما أتلفوه وإِنْ كانوا لا يعلمون.

أمَّا المثال التطبيقيُّ الذي ساقه المُعترِضُ فجوابُه أنَّ البلوغ ـ الذي هو شرطُ وجوبِ الحجِّ ـ متعلِّقٌ بخطاب الوضع؛ لأنَّ الشارع جَعَله علامةً على الوجوب، وأداء الحجِّ مِنَ البالغ متعلِّقٌ بخطاب التكليف؛ لذلك تَبرَأُ ذِمَّةُ المكلَّف مِنَ المطالبة بحجَّة الإسلام؛ غير أنَّ الأحكام التكليفيَّة المتعلِّقة بالبالغين لا تنطبق على الصبيان والصغار؛ وإنما شُرِعَتْ لهم أحكامُ الوضوء والصلاةِ والحجِّ والاستئذانِ للدخول وغيرها مِنْ باب التعويد والتربية؛ والمخاطبُ بالحكم ـ في ذلك ـ إنَّما هو الوليُّ؛ لذلك فثبوتُ الثواب للصبيِّ على حجِّه ليس مِنْ باب خطاب التكليف لتخلُّفِه عنه؛ إذ مِنْ شرط التكليف: البلوغُ والعقل والفهم والإدراك؛ وإنما ثوابُه فضلٌ مِنَ الله ومِنَّةٌ وكرمٌ منه سبحانه؛ لذلك لا تَبرَأُ ذِمَّتُه مِنَ المطالبة بحجَّة الإسلام؛ ويكون ذلك بعد تحقُّقِ شرط التكليف.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ صفر ١٤٤٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ أكتوبر ٢٠١٨م