في كيفيةِ أداءِ عباداتِ مَنْ حوَّل جِنسَه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م

طفلٌ وُلِد وهو ذَكرُ الجنس، وكان مِنْ أبوين كافرَيْن، ولمَّا كَبِر غيَّر جِنسَه إلى أُنثى بعمليَّةٍ جراحيَّةٍ، وعُمرُه ـ الآنَ ـ يُناهِزُ الثلاثين، مَظهَرُه مظهرُ امرأةٍ وكذا تصرُّفاتُه، بل وحتَّى كيفيَّةُ كلامِه، وبعد إسلامه أراد أَنْ يردَّ جِنسَه إلى ما كان عليه ... للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٢٠

الصنف: فتاوى متنوِّعة

في كيفيةِ أداءِ عباداتِ مَنْ حوَّل جِنسَه

السؤال:

طفلٌ وُلِد وهو ذَكرُ الجنس، وكان مِنْ أبوين كافرَيْن، ولمَّا كَبِر غيَّر جِنسَه إلى أُنثى بعمليَّةٍ جراحيَّةٍ، وعُمرُه ـ الآنَ ـ يُناهِزُ الثلاثين، مَظهَرُه مظهرُ امرأةٍ وكذا تصرُّفاتُه، بل وحتَّى كيفيَّةُ كلامِه، وبعد إسلامه أراد أَنْ يردَّ جِنسَه إلى ما كان عليه في الأصالة أي: ذَكر، ولكنَّ ذلك سيكلِّفه أموالًا طائلةً ليست في مقدوره لحدِّ الساعة، والآنَ يريد أَنْ يذهب إلى المسجد للصلاة، فتَحرَّج: هل يذهب إلى جهة الرِّجال أم جهةِ النساء؟ أفيدونا وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا  بعد:

فيَحْرُم ـ شرعًا ـ إجراءُ التحويل الجنسيِّ مِنْ ذَكَرٍ لأنثى أو العكس، والذي لا يدخل ـ بلا شكٍّ ـ في العلاج الطبِّيِّ، وإنما هو تغييرٌ لخَلْق اللهِ واردٌ مِنْ تسويل الشيطانِ للعُصاة مِنَ الآدَميِّين وإملائِه عليهم واستجابَتِهم لأهوائهم ورَغَباتهم في تغيير الخِلْقة وطلبِ الحُسن والجمال دون مُسوِّغٍ مِنْ ضرورةٍ أو حاجةٍ؛ قال تعالى ـ حكايةً عن إبليسَ لَعَنه اللهُ ـ: ﴿وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]؛ فالآيةُ سِيقَتْ في مَعْرِضِ الذمِّ وبيانِ المُحرَّماتِ، ومنها تغييرُ خَلْقِ الله، وفاعلُه ملعونٌ بنصِّ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ»(١).

هذا؛ فإذا صَدَر هذا التحويلُ المشين مِنْ هذا الرَّجلِ قبل إسلامه، ثمَّ مَنَّ اللهُ عليه بنعمة الإسلام والاستقامة على الدِّين، فإنَّ «الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ»(٢)، أي: يقطع ما كان قبله مِنَ الكفر والمَعاصي والذنوبِ ويَمْحُوها(٣)؛ فإِنِ استطاع أَنْ يعود إلى أصلِ خِلْقته مِنْ غيرِ أَنْ يترتَّب على فِعله ضررٌ أو مفسدةٌ بالجراحة ـ مساويةً لها كانت أو أعظمَ منها ـ فذلك هو المطلوبُ منه؛ إذ رجوعُ الخَلْق إلى أصله غيرُ مشمولٍ بالنهي السابق في الحديث، ولا هو تغييرٌ لخَلْق الله، لكِنْ يُشترَطُ ـ في ذلك ـ إعادةُ عضوه الذَّكَريِّ وخِصْيَتَيْه، ولا يجوز له زرعُ عضوِ غيره الذكريِّ ولا خصيتَيْ غيرِه قولًا واحدًا لأهل العلم؛ لِمَكانِ تعلُّقِه بحفظ النَّسْلِ وحرمةِ اختلاط الأنساب، فإِنْ لم يقدر على الرجوع إلى أصله فإنَّ الأحكامَ الشرعيَّةَ منوطةٌ بالاستطاعة والقدرة؛ إذ «لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِمَقْدُورٍ»، ولا تخييرَ إلَّا بين مقدورٍ ومقدورٍ؛ لقوله سبحانه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقولِه: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: ١٦]، وقولِه ـ أيضًا ـ: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ [الطلاق: ٧]، ، وقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(٤)؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «واتَّفَقوا على أنَّ العباداتِ لا تجب إلَّا على مُستطيعٍ، وأنَّ المستطيع يكون مستطيعًا مع معصِيَتِه وعدَمِ فعلِه، كمَنِ استطاع ما أُمِر به مِنَ الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ ولم يفعله، فإنه مُستطيعٌ باتِّفاقِ سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها، وهو مُستحِقٌّ للعقاب على ترك المأمور الذي استطاعه ولم يفعله، لا على تركِ ما لم يستطعه»(٥).

أمَّا مِنْ حيث عبادتُه وعمومُ معاملاته؛ فإنَّ الظاهر أنه في حكم المرأة، ويقع خطابُ الشرع على جنسه الحاليِّ دون الأصليِّ؛ عملًا بما تجري عليه القواعدُ العامَّةُ في مِثلِ هذه المسألةِ: أنَّ «العِبْرَةَ بِالحَالِ لَا بِالمَآلِ»(٦)، ويُعبَّرُ عن هذه القاعدةِ ـ أيضًا ـ ﺑ «مَا قَارَبَ الشَّيْءَ أَوْ أَشْرَفَ عَلَيْهِ يُعْطَى حُكْمَهُ»(٧)؛ إذ لا يخفى أنه قد اقترنَتْ به صفاتُ المرأةِ وعلاماتُها الأنثويَّةُ مِنْ وجودِ الفَرْجِ، وخروجِ البول منه، وخروجِ الحيض مِنْ مَحَلِّه، وبروزِ الثديَيْن وما إلى ذلك؛ فالعبرةُ ـ إذن ـ بظاهرِ جِنسه الحاليِّ لا بأصلِ خِلْقته، لخفاءِ علامات الذكورة فيه؛ ما لم يَعُدْ إلى أصله الأوَّلِ وشكلِه الخِلْقيِّ السابق.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ مِنَ المحرَّم ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠١ أكتـــوبـر ٢٠١٧م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «اللباس» باب المتفلِّجات للحُسْن (٥٩٣١)، ومسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١٢٥)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٧٧٧٧) مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ١٢١) رقم: (١٢٨٠).

(٣) انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ٢٣٤).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» باب الاقتداء بسننِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٧٢٨٨)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٣٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٤٧٩).

(٦) قد تَرِدُ مسائلُ العبرةُ فيها باعتبار الحال جزمًا، ومسائلُ أخرى باعتبار المآل جزمًا، وقد يدور بعضُها بين اعتبار الحالِ فيها أو المآل.

وإذا كانَتِ الأحكامُ الشرعيَّةُ تُبنى على النظرة المآليَّة ـ في الغالب ـ كمبدإ سدِّ الذرائع، وتحريمِ الحِيَل، والمنعِ مِنَ الغُلُوِّ في العبادات، إلَّا أنه قد تُراعى النظرةُ الحاليَّةُ في العديد مِنَ الأحكام الشرعيَّة ـ أيضًا ـ وخاصَّةً في اعتبار المقاربة والتوقُّع والتحوُّل وغيرِها.

(٧) انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (١٧٨).