في الاعتراض على حكم اسْتِلحاقِ ولَدِ الزنا بأبيه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 18 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 23 مايو 2019 م

رجَّحتم ـ شيخي الفاضلَ ـ في الفتوى رقم: (٤٦٤) الموسومة ﺑ: «في حكمِ نكاح الزانية واسْتِلحاقِ ولَدِه منها» قولَ ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ في إلحاقِ ولد الزِّنا بأبيه الزاني، ألَا ترَوْن ـ شيخي الفاضلَ ـ أنَّ قولَ الإمامين ... للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٢١

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في الاعتراض على حكم اسْتِلحاقِ ولَدِ الزنا بأبيه

السؤال:

رجَّحتم ـ شيخي الفاضلَ ـ في الفتوى رقم: (٤٦٤) الموسومة ﺑ: «في حكمِ نكاح الزانية واسْتِلحاقِ ولَدِه منها» قولَ ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ في إلحاقِ ولد الزِّنا بأبيه الزاني، ألَا ترَوْن ـ شيخي الفاضلَ ـ أنَّ قولَ الإمامين أبي حنيفة وابنِ تيمية ـ رحمهما الله ـ بإلحاقِ ولد الزِّنا بأبيه الزاني ـ وإِنْ تأيَّد بما رواهُ مالكٌ ـ رحمه الله ـ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الإِسْلَامِ» ـ فهو مُعارِضٌ للأحاديث التالية:

ـ حديثِ عائشة رضي الله عنها: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ».

ـ حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا مُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ، مَنْ سَاعَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَ بِعَصَبَتِهِ، وَمَنِ ادَّعَى وَلَدًا مِنْ غَيْرِ رِشْدَةٍ فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ».

ـ حديثِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهَ عَلَيْهِ وَسَلَمَ قَضَى أَنَّه «إِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَا يَرِثُ، وَإِنْ كَانَ [أَبُوهُ] الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ»، زاد أبو داود: «وَهُوَ وَلَدُ زِنًا لِأَهْلِ أُمِّهِ مَنْ كَانُوا حُرَّةً أَوْ أَمَةً، وَذَلِكَ فِيمَا اسْتُلْحِقَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، فَمَا اقْتُسِمَ مِنْ مَالٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ مَضَى».

ـ ثمَّ أليس قضاءُ عُمَرَ رضي الله عنه في الاستلحاقِ قولَ صحابيٍّ باجتهاده في مُعارَضةِ عمومِ قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم في مرفوعِ حديثِ عائشة رضي الله عنها: «.. وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» الحديث، فلا يصلح لتخصيصه على اعتبارِ عمومه لكُلِّ عاهرٍ، بغضِّ النظر عن كون المرأة فراشًا أو عدمِ كونها كذلك؟

ـ وعلى فرضِ اعتضادِ قضاءِ عمر رضي الله عنه بالمفهوم مِنْ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث السابق: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ..» فهو مُعارَضٌ ـ أيضًا ـ بحديثِ عمرو بنِ شعيبٍ في قوله: «وَإِنْ كَانَ [أَبُوهُ] الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ»، وهو نصٌّ في محلِّ الخلاف، حيث إنَّ حديثَ عمرِو بنِ شعيبٍ جَعَل الولدَ لأهلِ أمِّ ولد الزنا دون الزاني، ولم يجعله ـ أيضًا ـ لصاحب الفراش، وهذا إنما يكون في حالةِ عدم الفراش، لأنه في حالة الفراش يكون لصاحبه كما هو مقتضى حديثِ عائشة رضي الله عنها. ولا يخفى عليكم أنَّ مرفوعَ حديثِ عائشة رضي الله عنها مقدَّمٌ على موقوفِ قضاءِ عمر رضي الله عنه.

علمًا أنَّ في القول بإثبات النسب بالزِّنا: مفسدةَ تسهيلِ أمرِ الزِّنا وتيسيرِ ارتكابِ جريمته وإشاعةِ الفاحشة بين المؤمنين.

فما توجيهُكم لهذه الأحاديث؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ القولَ باستلحاقِ الرَّجلِ ولَدَه مِنَ الزِّنا ليس قاصرًا على الإمامين أبي حنيفة وابنِ تيميَّة رحمهما الله، بل قال به ـ أيضًا ـ إسحاقُ بنُ راهويه وسليمانُ بنُ يسارٍ وابنُ سيرين والحسنُ البصريُّ وإبراهيمُ النَّخَعيُّ وغيرُهم؛ وقد عارضَ هذا القولَ عامَّةُ أهلِ العلم ومنهم الأئمَّةُ الثلاثة وغيرُهم، الذين يقرِّرون عدَمَ استلحاقِ الزاني ولَدَه مِنَ الزنا إِنْ أراد استلحاقَه، سواءٌ وُلِد على فراشٍ ـ وهو محلُّ اتِّفاقٍ ـ أو وُلِد على غيرِ فراشٍ ـ وهو موضعُ خلافٍ ـ(١).

وقد بيَّنْتُ في الفتوى المذكورة أنَّ سببَ الخلافِ ـ في هذه المسألةِ ـ يرجع إلى تأويلِ حديثِ: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»(٢)، فإنَّ ابنَ تيمية ـ رحمه الله ـ يرى أنَّ حُكمَ الحديثِ قاصرٌ على المرأة إذا كانت فراشًا لرَجُلٍ آخَرَ، فيبقى الولدُ مُلتحِقًا بصاحب الفراش إلَّا أَنْ يَنفِيَه باللِّعان فيُنسَب إلى أمِّه، ويكون للعاهر الحَجَرُ، أي: أنَّ الزانيَ ليس له إلَّا الخيبةُ(٣)؛ أمَّا المرأةُ إذا لم تكن فراشًا فلا يتناولها الحديثُ؛ ويتعيَّن تسميةُ المرأةِ فراشًا ـ عند أهل اللغة والعُرف ـ بعد البناء بها؛ ولهذا ذَهَب ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ إلى أنَّ المرأة تُعَدُّ فراشًا بعد معرفة الدخول المحقَّق لا بمُجرَّد العقد عليها، خلافًا لأبي حنيفة ـ رحمه الله ـ.

وعليه، فالعاهرُ لا يلحقه الولدُ إذا كان للمرأة زوجٌ دَخَل بها، فإِنْ لم يكن لها زوجٌ فليست فراشًا ولا يتناولها حكمُ الحديث، فإذا وُلِد لها ولدُ زنْيَةٍ واستلحقه أبوه لَحِقه.

وقد تقدَّم أنَّ مذهبَ الجمهورِ أنهم لا يستلحقونه، سواءٌ وُلِد على فراشٍ أو على غيرِ فراشٍ، بناءً على تأويلهم للحديث؛ كما أيَّدوا الحُكمَ بما ذَكَرْتَه في اعتراضِك، المتمثِّلِ فيما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا مُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ، مَنْ سَاعَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَ بِعَصَبَتِهِ، وَمَنِ ادَّعَى وَلَدًا مِنْ غَيْرِ رِشْدَةٍ فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ»(٤)، وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الشارع أَبطلَ المساعاةَ ـ وهي الزِّنا ـ في الإسلام ولم يُلحِقْ بها النَّسَبَ، لأنَّ النَّسَب كرامةٌ، والكراماتِ لا تُنالُ بالمَعاصي(٥)، وعَفَا عمَّا كان منها في الجاهليَّة وأَلحقَ النَّسَبَ به؛ كما استدلُّوا بما ذَكَرْتَ ـ أيضًا ـ مِنْ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ قَضَى أَنَّه «إِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَا يَرِثُ، وَإِنْ كَانَ [أَبُوهُ] الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ»، زاد أبو داود: «وَهُوَ وَلَدُ زِنًا لِأَهْلِ أُمِّهِ مَنْ كَانُوا حُرَّةً أَوْ أَمَةً، وَذَلِكَ فِيمَا اسْتُلْحِقَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، فَمَا اقْتُسِمَ مِنْ مَالٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ مَضَى»(٦)؛ والحديثُ حجَّةٌ صريحةٌ للجمهور، حيث يُفيدُ أنَّ ولدَ الزِّنا لا يلحق بالزاني إذا ادَّعاه ولا يَرِثه، وأنه ولدُ زِنًا لأهلِ أُمِّه مَنْ كانوا، حُرَّةً كانت أو أَمَةً؛ فضلًا عن أنَّ في إثبات النَّسَب بالزِّنا تسهيلًا لأمر الزِّنا وإشاعةً للفاحشة بين المؤمنين، وهو مُحرَّمٌ بنصِّ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩[النور].

ـ والظاهرُ أنَّ سببَ ورودِ حديثِ: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» يُسايِرُ ـ في سِياقه ومضمونِه ـ التفريقَ الذي ذَهَب إليه شيخُ الإسلام، حيث إنَّ قضاء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قصَّةِ ابنِ وليدةِ زَمعة بنِ قيسٍ كان عند تنازُعِ الزاني وصاحبِ الفراش، وكان قد أَحْبَلها عُتبةُ بنُ أبي الوقَّاص، فاختصم فيه سعدٌ وعَبدُ بنُ زَمعةَ رضي الله عنهما؛ فَقَالَ سَعْدٌ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا ابْنُ أَخِي؛ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ»، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَخِي، ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ؛ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ»، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ [أي: بعُتبة]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ»، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ»، مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ(٧)؛ فكان قضاؤه صلَّى الله عليه وسلَّم لمَنْ كانَتِ الأَمَةُ فراشًا له دون غيرِه، مع شَبَهِه البيِّنِ بعُتبةَ، فدلَّ ذلك على خصوص الحديث بما إذا كانَتِ المرأةُ فراشًا، وانتفى الحكمُ عمَّنْ لم تكن فراشًا.

ـ وأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «لَا مُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ، مَنْ سَاعَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَ بِعَصَبَتِهِ، وَمَنِ ادَّعَى وَلَدًا مِنْ غَيْرِ رِشْدَةٍ فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ» فإنَّ سنده ضعيفٌ لا يقوى على الاحتجاج؛ وعلى فرضِ صِحَّته فيُحمَل على ولدٍ في فراشِ زوجٍ أو سيِّدٍ، فيُعَدُّ الاحتجاجُ به ـ على هذه الحال ـ خارجًا عن محلِّ النزاع؛ علمًا أنَّ العلماء ذكروا تعلُّقَ الحديثِ بالإماء ـ على وجه الخصوص ـ دون الحرائر، لأنَّ المساعاة كانت معروفةً فيهنَّ دون الحرائر، «لأنهن يَسعَيْن لمَواليهنَّ فيكتسبن لهم، وكان عليهنَّ ضرائبُ مُقرَّرةٌ، فأَبطلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المساعاةَ في الإسلام، ولم يُلحِق النَّسَبَ بها، وعَفَا عمَّا كان في الجاهليَّة منها، وأَلحقَ النَّسَبَ به»(٨).

ـ وأمَّا حديثُ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه فهو وإِنْ كان صريحًا في أنَّ الزانيَ إذا استلحق ولدَ الزِّنا مِنْ حرَّةٍ أو أَمَةٍ فإنه لا يلحق به ولا يَرِثه وإنما يُنسَبُ إلى أمِّه، إلَّا أنه يحتمل أَنْ يكون في صورةِ ما إذا كانَتِ المرأةُ المَزْنيُّ بها فراشًا لزوجٍ أو سيِّدٍ فنَفَاهُ صاحبُ الفراش، فإنه يُنسَب إلى أمِّه، وهذه الصورةُ مَحَلُّ إجماعٍ؛ فيكون الاستدلالُ بالحديثِ خارجًا عن محلِّ النزاع؛ إذ صورةُ انعدامِ الفراش تدعمها أدلَّةٌ أخرى؛ والعملُ بجميع الأدلَّة أَوْلى مِنْ إعمالِ بعضها وإهمالِ بعضها الآخَر.

وقد أيَّد ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ لحوقَ ولَدِ الرَّجل مِنَ الزِّنا إذا استلحقه ـ ولا فِراشَ ـ:

ـ بما رواه مالكٌ ـ رحمه الله ـ في «الموطَّإ»: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الإِسْلَامِ»(٩) أي: كان يُلحِقُهم بهم وينسبهم إليهم وإِنْ كانوا لِزنيةٍ، وقد روى عيسى عن ابنِ القاسم في جماعةٍ يُسلِمون فيستلحقون أولادًا مِنْ زِنًا، فإِنْ كانوا أحرارًا ولم يدَّعِهم أحَدٌ لفراشٍ فهُم أولادُهم، وقد أَلاطَ عمرُ رضي الله عنه مَنْ وُلِد في الجاهليَّة بمَنِ ادَّعاهم في الإسلام، إلَّا أَنْ يدَّعِيَه معهم مَنْ أمَّهاتُهم فراشٌ له وهو سيِّدُ الأَمَةِ أو زوجُ الحرَّة؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»؛ ففراشُ الزوج والسيِّدِ أحقُّ(١٠).

ـ ويعزِّز هذا الحُكمَ ويقوِّيه قصَّةُ جُرَيْجٍ الراهبِ الذي قال للغلام الذي زَنَتْ أمُّه ـ وهو في المهد ـ: «مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟» قَالَ: «الرَّاعِي»(١١)، فقَدِ استدلَّ العلماءُ بهذه القصَّةِ على أنَّ ولد الزِّنا يلحق بالزاني إذا لم يُنازَعِ الزاني فيه؛ لأنَّ هذا إنطاقٌ مِنَ الله تعالى لا يمكن فيه الكذبُ ـ أوَّلًا ـ(١٢)، وقد قصَّها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم علينا للاعتبار والاتِّعاظ ـ ثانيًا ـ ولأنَّ أمَّ الغلام لم تكن فراشًا ـ ثالثًا ـ ولم يَرِدْ في شرعنا ما ينسخ هذا الحكمَ مِنْ شرعِ مَنْ قبلنا أو يُبطِلُه، بل وَرَد في شرعنا ما يؤيِّده، وهو ما تقدَّم مِنْ عمل الخليفة المهديِّ الراشدِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه، حيث كان يُليط أولادَ الجاهليَّة بمَنِ ادَّعاهم في الإسلام إلَّا أَنْ يدَّعِيَهم أحَدٌ لفراشٍ، ونَفَذ عملُه واشتهر وانتشر.

علمًا أنه إذا تَعارَض حكمان: أحَدُهما كونيٌّ قدريٌّ، والآخَرُ شرعيٌّ دِينيٌّ، فإنه يُقدَّم الحكمُ الشرعيُّ الدِّينيُّ على الكونيِّ القَدَريِّ في حالة الاختلاف والتعارض، لأنَّ الحكم الشرعيَّ مُتضمِّنٌ لمحبَّةِ الله ورِضاه، والحكمةُ منه ابتلاءُ الخَلْق وتمييزُ المُطيع مِنْ غير المطيع؛ ولذلك حَكَم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الولد المُتنازَع فيه ـ والذي كانت أمُّه فراشًا ـ أنه لصاحب الفراش وليس للزاني ولو مع كونه مُشابِهًا له، وذلك في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»، فيُقدَّم هذا الحكمُ الشرعيُّ، ويُلغى الحكمُ الكونيُّ الذي يدلُّ على أنَّ الله تعالى خَلَق الولدَ بماء الزاني لوجود المُعارِض.

أمَّا مع عدم التنازع وانتفاءِ المُعارِض فإِنِ ادَّعى الزاني ولَدَه مِنَ الزِّنا واستلحقه فإنه يُلحَقُ به تقريرًا للحكم الكونيِّ، وهو أَوْلى مِنْ إضاعةِ نسبِ هذا الولد؛ إذ هذا المعنى يقتضيه القياسُ المحضُ كما أَفصحَ عنه ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ بقوله: «والقياس الصحيح يقتضيه، فإنَّ الأب أحَدُ الزانيَيْن، وهو إذا كان يلحق بأمِّه، ويُنسَبُ إليها، وتَرِثُه ويَرِثها، ويَثْبُتُ النَّسَبُ بينه وبين أقاربِ أمِّه مع كونها زنَتْ به، وقد وُجِد الولدُ مِنْ ماء الزانيَيْن، وقد اشتركا فيه، واتَّفَقا على أنه ابنُهما، فما المانعُ مِنْ لحوقه بالأب إذا لم يدَّعِه غيرُه؟ فهذا محضُ القياس»(١٣).

هذا، وينبني على هذه المسألةِ: ما لو زَنَى رجلٌ بامرأةٍ ليست ذاتَ فراشٍ وحملَتْ منه، فهل له أَنْ يتزوَّجها ويستلحق ولدَه مِنَ الزِّنا به؟

ـ فعلى مذهب الجمهور أنه لا يجوز للزاني أَنْ ينسب إليه الولدَ مُطلَقًا، ولو استلحقه لم يلحق به، سواءٌ كانت المرأةُ ذاتَ فراشٍ ـ وهو مُجمَعٌ عليه كما تقدَّم ـ أو لم تكن كذلك، فليس للزاني إلَّا الخيبةُ، ولا يجوز له أَنْ يعقد عليها بعقدِ زواجٍ وهي على هذه الحال، لحرمةِ الزواج مع الحمل بولدٍ ليس منه ولا يُنسَب إليه.

ـ بخلافِ مَنْ يرى جوازَ استلحاقِ الزاني ولدَه مِنَ الزِّنا إذا لم تكن المرأةُ ذاتَ فراشٍ، فإنَّ لازِمَ قولِه جوازُ نكاحِ الزاني المرأةَ التي زَنَى بها وهي حاملٌ منه، مِنْ غيرِ اشتراطِ وضع الحمل، لأنه ولدُه مِنَ الزِّنا ويُلحَقُ به إذا استلحقه.

والظاهر ـ وإِنْ كان مذهبُ الجمهور وجيهًا مبنيًّا على الاحتياط ـ إلَّا أنَّ مذهب القائلين باستلحاق الرَّجل ولدَه مِنَ الزِّنا إذا لم تكن المرأةُ فراشًا يلحق به هو الأرجحُ ـ عندي ـ لكونه أقوى توفيقًا بين الأدلَّة المُتعارِضة وأصحَّ قياسًا وأوضحَ نظرًا، ولأنَّ أدلَّةَ الجمهور إمَّا ضعيفةٌ أو يدخلها الاحتمالُ كما تقدَّم؛ لذلك كان الجمعُ بين الدليلين أَوْلى مِنْ إهمال أدلَّةِ المُخالِفين لهم، فالإعمالُ أَوْلى مِنَ الإهمال والإهدار، بناءً على ما تجري عليه القواعدُ.

وأمَّا القول بأنَّ في إثبات النَّسَبِ بالزِّنا مفسدةَ تسهيلِ أمرِه وتيسيرِ ارتكابِ جريمته وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين، فيُعارِضُه ـ بالمُقابِل ـ أنَّ في عدمِ إثبات النَّسَب بالزِّنا في حالِ انتفاء الفراش إضرارًا حِسِّيًّا ومعنويًّا ظاهرًا بولد الزِّنا، حيث يبقى عديمَ الأب ليس له نَسَبٌ، ولا قيامَ عليه ولا عنايةَ به، كشجرةٍ اجتُثَّتْ مِنْ فوق الأرض ما لها مِنْ قرارٍ، مع أنه لا ذَنْبَ ارتكبه، فلا يُعاقَبُ بجريرةِ غيرِه؛ لذلك كان في إثبات النَّسَب مصلحةٌ أعظمُ تنغمر فيها المفسدةُ السابقةُ، حفظًا لِنَسَبِ الولد مِنَ الضياع، وحمايةً له مِنْ سُبُل التشرُّد وطُرُق الانحراف؛ ولا يخفى أنَّ حِفظَ النسل مطلوبٌ شرعًا، وهو أحَدُ مقاصد الشريعة الغرَّاء، كما أنَّ في إثبات النَّسَب ـ مِنْ زاويةٍ أخرى ـ دعوةَ الزانيَيْن إلى التوبة والاستقامة، وتشجيعًا لهما على سَتْرِ أنفسهما ـ بعد التوبة ـ بزواجٍ حلالٍ يُعِفُّ فيه الزوجُ أهلَه ويعول ولدَه ويقوم عليه، فلا يشعر بالحرمان والقهر والتهميش والتمييز.

هذا ما بان لي مِنْ خلال الجزئيَّات المُعترَض بها، وقد رأيتُ مِنَ المُفيد أَنْ أنقل جزئيَّاتِها إلى الفتوى الأصليَّة(١٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٤ رمضان ١٤٤٠ﻫ
المـوافـق ﻟ: ٠٩ مـــاي ٢٠١٩م



(١) انظر: «المغني» لابن قدامة (٦/ ٢٦٦).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ تفسير المشبَّهات (٢٠٥٣)، ومسلمٌ في «الرضاع» (١٤٥٧)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٣) ومعنَى: «له الحَجَرُ»: الخيبةُ أي: لا شيءَ له في الولد، والعربُ تقول: «له الحجرُ» و«بفيه التراب»: يريدون ليس له إلَّا الخيبة، وقِيلَ: المراد بالحجر: أنه يُرجَم بالحجارة إذا زَنَى، ولكنَّه لا يُرجَم بالحجارة إلَّا المُحصَن فقط؛ [انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (٨/ ٨٨)].

(٤) أخرجه أبو داود في «الطلاق» بابٌ في ادِّعاءِ ولد الزِّنا (٢٢٦٤)، وأحمد في «مسنده» (٣٤١٦). وضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الجامع» (٦٣١٠) لجهالةِ أحَدِ رُوَاتِه، وحسَّنه الأرناؤوطُ في «تحقيقه للمسند» (٥/ ٣٩١) لأجلِ شاهِدِه، وهو حديثُ عمرو بنِ شعيب.

(٥) انظر: «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني ـ بتحقيقي ـ (١٦٨ ـ ١٦٩).

(٦) أخرجه أبو داود في «الطلاق» بابٌ في ادِّعاءِ ولد الزِّنا (٢٢٦٥، ٢٢٦٦)، والترمذي مُختصَرًا بنحوه في «الفرائض» بابُ ما جاء في إبطالِ ميراثِ ولد الزِّنا (٢١١٣)، وابنُ ماجه في «الفرائض» بابٌ في ادِّعاء الولد (٢٧٤٦)، وأحمد (٦٦٩٩، ٧٠٤٢). وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٦٥) و«صحيح الجامع» (٤٥٤٩)، والأرناؤوط في «تحقيقه للمسند» (١١/ ٣٠١، ٦٢٠).

(٧) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العتق» باب أمِّ الولد (٢٥٣٣)، ومسلمٌ في «الرضاع» (١٤٥٧)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

وتجدر الإشارةُ إلى أنَّ النَّسَب تتبعَّض أحكامُه، [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٢/ ١٣٦، ١٣٩)].

(٨) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٤٢٦ ـ ٤٢٧).

(٩) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» ـ تحقيق الأعظمي ـ (٢٧٣٨)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٢١٢٦٣)، مِنْ رواية سليمان بنِ يسارٍ. قال الألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٢٥): «ورجالُه ثِقاتٌ رجالُ الشيخين، ولكنَّه مُنقطِعٌ، لأنَّ سليمان بنَ يسارٍ لم يُدرِك عمر، لكِنْ جاء موصولًا مِنْ طريقٍ أخرى عنه...».

(١٠) انظر: «المنتقى» للباجي (٦/ ١١).

(١١) أَخرجَ القصَّةَ البخاريُّ في «المظالم والغصب» باب: إذا هَدَم حائطًا فلْيَبْنِ مِثلَه (٢٤٨٢) وفي «أحاديث الأنبياء» باب قول الله: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا[مريم: ١٦] (٣٤٣٦) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٢) انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٤٢٦).

(١٣) المصدر السابق الجزء والصفحة نفسهما، وانظر: «فتح ذي الجلال والإكرام» لابن عثيمين (٥/ ١٣٩).

(١٤) انظر الفتوى رقم: (٤٦٤) الموسومة ﺑ: «في حكمِ نكاح الزانية واسْتِلحاقِ ولَدِه منها» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.