في الجواب عن إشكالٍ في حكم حلق القَفَا والمال المُكتسَب منه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 14 ربيع الأول 1442 هـ الموافق لـ 31 أكتوبر 2020 م

جاء في فتواكم رقم: (٤٢٥) الموسومة ﺑ «في حكمِ حلقِ شعر القَفَا وحكمِ المال المُكتسَبِ منه» قولُكم: «هذا، وقد ذَكَر النوويُّ الإجماعَ على أنَّ النهي محمولٌ على الكراهة التنزيهيَّة، وإذا تَقَرَّرَ ذلك فإنَّ المال المُكتسَبَ منه...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٣٢

الصنف: فتاوى المعاملات المالية ـ الإجارة

في الجواب عن إشكالٍ في حكم حلق القَفَا والمال المُكتسَب منه

السؤال:

جاء في فتواكم رقم: (٤٢٥) الموسومةِ ﺑ: «في حكمِ حلقِ شعر القَفَا وحكمِ المال المُكتسَبِ منه» قولُكم: «هذا، وقد ذَكَر النوويُّ الإجماعَ على أنَّ النهي محمولٌ على الكراهة التنزيهيَّة(١)، وإذا تَقَرَّرَ ذلك فإنَّ المال المُكتسَبَ منه يُلْحَقُ بهذا الحكم».

وحاولتُ فهمَه على ضوءِ النتيجة التي صدَّرْتم بها فتواكم رقم: (٤٣٤) الموسومة ﺑ: «في حكم أخذ الأجرة على الحجامة»، وهي قولُكم: «فكسبُ الحجَّامِ حلالٌ، وهو محمولٌ على الكراهة التنزيهيَّة»؛ وذلك بناءً مِنَ الجمهور على الأدلَّة التي تدلُّ على مشروعيَّتِها، وعلى جواز إعطاء الحجَّام أُجرَتَه فيها.

فالذي فهمتُه مِنَ الفتوى الأولى: أنَّ كسب الحلَّاق الذي يقوم بحلقِ شعر القَفَا حلالٌ، وكراهته الواردةَ في الأحاديث كراهةٌ تنزيهيَّةٌ؛ فهل فهمي هذا صحيحٌ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلَمْ ـ وفَّقك الله ـ أنَّ القزع منهيٌّ عنه، والأصلُ في المناهي التحريمُ على مذهب الجمهور(٢)، وما كان محرَّمًا فأصلُ الكسب فيه حرامٌ إذا كان هذا التحريمُ لذاتِه، عملًا بقاعدةِ: «مَا حُرِّمَ لِذَاتِهِ حُرِّمَ ثَمَنُهُ» المأخوذةِ مِنْ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ»(٣).

غير أنه لمَّا ذَكَر النوويُّ ـ رحمه الله ـ الإجماعَ على كراهِيَتِه فوَفْقًا لهذه الكراهةِ التنزيهيَّة يكون المالُ مكروهًا لِذاتِه؛ فما سطَّرْتَه مِنْ فهمٍ مذكورٍ أعلاه فصحيحٌ بهذا الاعتبار.

غير أنَّ سؤالًا يفرض نَفْسَه يتمثَّل في: إثباتِ الإجماع الذي ذَكَره النوويُّ ـ في هذه المسألةِ ـ أوَّلًا، وهل المقصودُ به الإجماعُ الأصوليُّ ـ وهو المعوَّلُ عليه ـ أم المقصودُ به الإجماعُ الفقهيُّ(٤) ثانيًا؟

علمًا بأنَّ عَمَلَ الحلَّاقِ لا يقتصر ـ أساسًا ـ على حلقِ القفا، وإنَّما هو في حلق الرأس مع القَفَا، وحلقِ اللحية ـ وهو الغالبُ ـ والأخذِ ممَّا تحت العنفقة، وقصِّ الزائد مِنَ الحواجب وحلقِ المُنتشِرِ منها وغيرِها، وهذه كُلُّها مِنْ عمل الحلَّاق؛ لذلك كان كسبُه غيرَ جائزٍ؛ لأنَّ توفير اللحية واجبٌ ـ شرعا ـ ويَحْرُمُ حلقُها بالإجماع، وكذلك نتفُ الحواجبِ أو حلقُ بعضِها أو إزالةُ الشَّعرِ الموجود على الرَّقبة ونحوُ ذلك.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٧ رمضان ١٤٤١ﻫ
المـوافـق ﻟ: ٣٠ أبـريـل ٢٠٢٠م



(١) «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ١٩٠).

(٢) انظر: «الإشارة» (٢٠٥)، «مفتاح الوصول» (٤٥٦) والمصادر المُثبَتة على هامش (ص ٤٥٤).

(٣) أخرجه ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٤٩٣٨)، والدارقطنيُّ في «سُنَنِه» (٢٨١٥)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «التعليقات الحسان» (٤٩١٧).

(٤) والمراد به: الإجماعُ المذهبيُّ، وهو: نقلُ ما اتَّفقَ عليه مذهبٌ مِنَ مذاهب الفقه كالشافعيَّة أو المالكيَّة مَثَلًا.