في مقدار الرضاع المحرِّم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 23 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 24 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ١٣

الصنف: فتاوى الأسرة - عقد الزواج - موانع الزواج - الرضاع

في مقدار الرضاع المحرِّم

السؤال:

خَطَبنِي ابنُ خالتي، وتَبيَّن بأنَّ هذه الخالةَ (أي: أُمَّه) قد أرضَعَتْ أُمِّي، وعندما سأَلْناها (أي: المرضِعة) قالت: بأنَّها أرضعَتْها رضعةً، ثُمَّ رُبَّمَا زادتها رضعةً أخرى، أي: بمعنًى أصحَّ: رضعةً أو رضعتين، وتشهد أختُها (أي: خالةٌ أخرى) أنَّها شَهِدَتِ الرضعةَ الثانية، ولا تدري إن زادت على ذلك أم لا. والخلاصة: أنَّ الرضاع قد تَمَّ برضعتين على الأكثر.

وحين سأَلْنا في هذه المسألةِ قيل لنا: إنَّ الرضاع يُحرِّم بخمسٍ، وذلك موافِقٌ لحديث عائشة: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ: «عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ»، ثُمَّ نُسِخْنَ ﺑِ «خَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ»(١)، وحديثِ مسلمٍ: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ»(٢).

ولكنَّ المشكل الذي وقَعْنا فيه هو: ما هي الرضعةُ؟ أي: ما الذي نقول عنه: إنَّه رضعةٌ؟ فقَدْ جاء في جوابِ أحدِ الأئمَّة الذين سأَلْناهم: أنَّ التحريم يقع بخمس رضعاتٍ، إلاَّ أنَّه تابَعَ قولَه بأنَّ الرضعة في مذهب الشافعيِّ وأحمد ليست الشبعةَ، وهو أن يَلْتَقِمَ الطفلُ الثديَ، ثُمَّ يسيِّبَه، ثُمَّ يَلْتَقِمَهُ، ثُمَّ يسيِّبَه، حتَّى يشبع، بل إذا أخَذَ الثديَ ثُمَّ تَرَكَه باختياره فهي رضعةٌ، ثُمَّ أَخَذَه وتَرَكَه فرضعةٌ أخرى، وإن تَرَكَه بغيرِ اختياره ثُمَّ عاد إليه قريبًا ففيه نزاعٌ. إنَّ هذا القولَ قد حَيَّرَنِي كثيرًا، فهل هذا هو الصحيحُ في صفة الرضعة ومفهومها؟

كما أنَّنِي قرأتُ قولاً آخَرَ يخالف هذا القولَ يقول: بأنَّ الرَّضعة لا تُحْسَب إلاَّ إذا عُدَّتْ في العُرف رضعةً كاملةً.

ولهذا أتساءلُ: هل إذا رَضَعَ الطفلُ أو إذا تَناوَلَ الثديَ ثُمَّ انصرف عنه للتنفُّس أو لشيءٍ آخَرَ ثُمَّ عاد إليه: هل تُسمَّى رضعةً ثانيةً، أو أنَّ كلَّ ذلك يُسمَّى رضعةً واحدةً؟

ما هو الدليل الذي يُؤيِّد الرأي الأوَّل، وكذا الرأي الثاني؟ وشكرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمي أنَّ ما أُفْتِيتِ به مِن أنَّ التحريم لا يَثْبُت بأقلَّ مِن خمسِ رضعاتٍ مُتفَرِّقاتٍ هو المذهبُ الظاهر والأقوى، ويدلُّ عليه حديثُ عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلمٌ المذكورُ في مَحَلِّ السؤال، وهو تقييدٌ لإطلاق الكتاب والسنَّة، و«تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بَيَانٌ لَا نَسْخٌ وَلَا تَخْصِيصٌ».

وما اعتُرِض عليه مِن أنَّ الحديث تضمَّن الخَمْسَ رضعاتٍ قرآنًا، والقرآنُ شرطُه التواتر، ولم يتواتَرْ مَحَلُّ النِّزاع؛ فمردودٌ لأنَّ «التَّوَاتُرَ شَرْطٌ فِي التِّلَاوَةِ، لَا شَرْطٌ فِي الحُكْمِ»، وقصدُ المستدِلِّ بهذا إثباتُ الحكم لا إثباتُ التلاوة، والحُجَّةُ تَثْبُت بالظنِّ ويجب عنده العملُ، وقد عَمِل الأئمَّةُ بقراءةِ الآحاد في مسائلَ كثيرةٍ كقراءةِ ابنِ مسعودٍ وأُبَيٍّ رضي الله عنهما، ووَقَعَ الإجماعُ على ذلك، ولا مستَنَدَ له غيرُهما.

وفي المسألةِ تحقيقٌ طويلٌ فيمكن الرجوعُ فيه إلى «زاد المَعاد» لابن القيِّم(٣)، و«المحلَّى» لابن حزم(٤)، و«بداية المجتهد» لابن رشد(٥)، و«المغني» لابن قدامة(٦)، و«شرح مسلم» للنووي(٧)، و«زاد المَسير» لابن الجوزي(٨)، و«نيل الأوطار» للشوكاني(٩)؛ وهذا القول هو مذهبُ ابن مسعودٍ، وإحدى الروايات عن عائشةَ وعبدِ الله بنِ الزبير رضي الله عنهم، وعطاءٍ وطاووسٍ، والشافعيِّ وأحمد في ظاهِرِ مذهبه، وابن حزمٍ وابن القيِّم وأكثرِ أهل الحديث.

أمَّا الإرضاعُ فلا يتحقَّق إلَّا برضعةٍ كاملةٍ، وهي أن يَمْتَصَّ الصبِيُّ اللبنَ مِن الثدي ولا يَدَعَهُ إلَّا طائعًا باختياره مِن غيرِ عارضٍ، والمَصَّةُ والمَصَّتان دون الرضعة لا تؤثِّر في الغذاء لا إنباتًا للَّحم ولا إنشازًا للعظم فلا تُحرِّم؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ»(١٠)، وفي حديثٍ آخَرَ: «لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ وَلَا الإِمْلَاجَتَانِ»(١١)، والمرادُ ﺑ «الإملاجة» مثل «المصَّة»: هي الإرضاعة الواحدة، وهو أَخْذُ اليسير مِن الشيء؛ فإذا قَطَعَ الصبيُّ رَضْعتَه لعارضٍ كتنفُّسٍ أو استراحةٍ يسيرةٍ أو لشيءٍ يُلْهيه ثمَّ عاد مِن قريبٍ فذلك لا يُخْرِجها عن كونها رضعةً واحدةً، وهذا هو مذهبُ الشافعيِّ في تحقيق الرضعة الواحدة، وهو موافِقٌ للُّغة على ما ذَكَرَه الصنعانيُّ في «سُبُل السلام»(١٢)، فإذا حَصَلَتْ خمسُ رضعاتٍ على هذه الصفة حَرَّمَتْ وإلَّا فلا.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.


(١) أخرجه مسلمٌ في «الرضاع» (١/ ٦٦٣) رقم: (١٤٥٢)، وأبو داود في «النكاح» باب: هل يحرِّم ما دون خمس رضعاتٍ (٢٠٦٢)، والنسائيُّ في «النكاح» بابُ القَدْر الذي يحرِّم مِن الرضاعة (٣٣٠٧)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الرضاع» (١/ ٦٦٣) رقم: (١٤٥١)، وابن ماجه في «النكاح» باب: لا تحرِّم المصَّةُ ولا المصَّتان (١٩٤٠)، مِن حديث أمِّ الفضل رضي الله عنهما.

(٣) «زاد المعاد» (٥/ ٥٨١).

(٤) «المحلَّى» (١٠/ ٩).

(٥) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٥ ـ ٣٦).

(٦) «المغني» (٧/ ٥٣٦).

(٧) «شرح النووي على مسلم» (١٠/ ٢٩).

(٨) «زاد المسير» (٢/ ٤٢).

(٩) «نيل الأوطار» (٨/ ١٧٠).

(١٠) أخرجه مسلمٌ في «الرضاع» (١/ ٦٦٢) رقم: (١٤٥٠)، وأبو داود في «النكاح» باب: هل يحرِّم ما دون خمس رضعاتٍ (٢٠٦٣)، والترمذيُّ في «الرضاع» بابُ ما جاء لا تحرِّم المصَّةُ ولا المصَّتان (١١٥٠)، والنسائيُّ في «النكاح» باب القَدْر الذي يحرِّم مِن الرضاعة (٣٣١٠)، وابن ماجه في «النكاح» باب: لا تحرِّم المصَّةُ ولا المصَّتان (١٩٤١)، وأحمد (٢٤٠٢٦)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها.

(١١) أخرجه مسلمٌ في «الرضاع» (١/ ٦٦٢) رقم: (١٤٥١)، والنسائيُّ في «النكاح» باب القَدْر الذي يحرِّم مِن الرضاعة (٣٣٠٨)، وأحمد (٢٦٨٧٣)، مِن حديث أمِّ الفضل رضي الله عنهما.

(١٢) «سُبُل السلام» (٣/ ٤٣٨).