الجواب عن الاعتراض على لُبس الحلي في يد المرأة دون سترها بالقفاز | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 4 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2022 م

في الفتوى رقم: (٧٩٣) تحت عنوانِ: «في عدمِ اشتراطِ لُبْس القفَّازين لسَتْرِ حُلِيِّ المرأة» استدلالٌ بأثرِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا[النور: ٣١]...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣١٦

الصنف: فتاوى الأسرة ـ المرأة

الجواب عن الاعتراض على
لُبس الحُلِيِّ في يد المرأة دون سَترِها بالقُفَّاز

نصُّ الشبهة:

في الفتوى رقم: (٧٩٣) تحت عنوانِ: «في عدمِ اشتراطِ لُبْس القُفَّازين لسَتْرِ حُلِيِّ المرأة» استدلالٌ بأثرِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا[النور: ٣١] بالكُحْل والخاتم مِنْ عموم الوجه والكفَّيْن، وأنهما مُستثنَيَان مِنْ عمومِ وجوبِ السَّتر.

وهذا الاستدلالُ غيرُ ناهضٍ؛ لأنَّ أثرَ ابنِ عبَّاسٍ ضعيفٌ، والصوابُ: أنَّ ما جاز لها إظهارُه المقصودُ به: الثيابُ والرِّداء ونحوُه، وهو الذي رجَّحه الشنقيطيُّ في «أضواء البيان» (٥/ ٥١٥) حيث قال: «وهذا القول هو أَظهَرُ الأقوال عندنا وأَحوَطُها، وأبعدُها مِنَ الرِّيبة وأسبابِ الفتنة».

وابنُ كثيرٍ الذي تمَّ الإحالةُ إليه في الفتوى ضعَّف هذا التفسيرَ وحمَلَه على الزِّينة التي لا يجوز إبداؤها.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا سُلِّم أنَّ أثرَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا﴾ [النور: ٣١] بالكُحْل والخاتم مِنْ عموم الوجه والكفَّين ضعيفٌ، فقَدْ جاء ـ في الفتوى نفسها ـ ما يُقوِّي هذا المعنى وهو ما ثَبَتَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في شرحه للآية بقوله: «وَجْهُهَا وَكَفُّهَا»(١)، وهما مُستثنَيَان مِنْ عمومِ وجوب السَّتر، ولا منافاةَ بين تفسير الآية بالتختُّم والكُحْلِ وبين تفسيرها بالوجه والكفَّيْن؛ لأنَّ المراد بالخاتم والكُحْلِ هو ما إذا كانا في مواضعهما مِنَ العين والإصبع، قال الطبريُّ ـ رحمه الله ـ في تفسيره للآية السابقة مرجِّحًا لقولِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ومَنْ وافَقَهُ على قولِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه ومَنْ وافَقَهُ: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصَّواب: قولُ مَنْ قال: عُنِيَ بذلك: الوجهُ والكفَّان، يدخل في ذلك ـ إذا كان كذلك ـ: الكُحْلُ والخاتمُ والسِّوارُ والخِضابُ؛ وإنَّما قُلنا: ذلك أَوْلى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإجماعِ الجميع على أنَّ على كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يستر عورتَه في صلاته، وأنَّ للمرأة أَنْ تكشف وجهَها وكفَّيْها في صلاتها، وأنَّ عليها أَنْ تستر ما عَدَا ذلك مِنْ بدنها، إلَّا ما رُوِي عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنه أباح لها أَنْ تُبدِيَه مِنْ ذراعها إلى قَدْرِ النصف؛ فإذا كان ذلك مِنْ جميعهم إجماعًا كان معلومًا بذلك أنَّ لها أَنْ تُبدِيَ مِنْ بدنها ما لم يكن عورةً كما ذلك للرجال؛ لأنَّ ما لم يكن عورةً فغيرُ حرامٍ إظهارُه؛ وإذا كان لها إظهارُ ذلك كان معلومًا أنه ممَّا استثناه اللهُ تعالى ذِكرُه بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا﴾ لأنَّ كُلَّ ذلك ظاهرٌ منها»(٢)، ويستوي حكمُ ما قد سَبَقَ مع ما يشهد له مِنْ كَشْفِ الخضابِ الثَّابتِ مِنْ حديثِ عائشةَ رضي الله عنها في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم للمرأة التي مَدَّتْ إليه كتابًا مِنْ وراء السِّتر: «لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً غَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ بِالحِنَّاءِ»(٣)، وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ كفَّ المرأةِ ليس بعورةٍ، لأنَّه لو كان عورةً لَمَا نظَرَ إليه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وأمَرَ بخضبِه، فكان ـ في ذلك ـ إقرارٌ منه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لكشفِه مِنَ المرأة وإظهاره.

كما أنَّ معرفةَ رجالِ الصَّحابةِ لأعيانِ النِّساء اللَّاتي يعرفونهنَّ وأشخاصِهنَّ دون أَنْ يعرِّفْنه بأنفُسِهنَّ، وتمييزَهم لِصِفةِ وجهِ المرأةِ مِنْ: سوداءَ أو سفعاءِ الخدَّيْن أو جميلةٍ ونحوِه يقتضي كَشْفَه أو إظهارَ شيءٍ مِنْه.

هذا، وقد ذكَرَ ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ أنَّ تفسيرَ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا﴾ [النور: ٣١] بالوجه والكفَّيْن، إنَّما هو المشهورُ مِنْ مذهبِ الجمهور، وقال: يُستأنَسُ له بالحديث الذي رواه أبو داود في «سُنَنه» بإسناده عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عائِشَةَ رضي الله عنها: «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا» وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ»(٤).

وأمَّا إيرادُ ذِكرِ تفسيرِ ابنِ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ فليس للترجيح، وإنَّما هو إحالةُ النِّزاعِ الواردِ إلى تفسيرِه؛ وتأكيدُ وجودِ المسألةِ مِنْ مصدرِها.

وأمَّا اختيارُ الشَّيخِ الشنقيطيِّ ـ رحمه الله ـ فهو مبنيٌّ على الحيطةِ، والخروجِ مِنَ الخلافِ، والبُعدِ مِنَ الرِّيبةِ وأسبابِ الفتنةِ، ولا يخفى أنَّ العملَ بالأحوط والخروجِ مِنَ الخلاف لا يمكن إلزامُ النَّاسِ بالأخذِ به دون مُقتضٍ للإلزام، وهو ـ في هذا المَقام ـ متعذِّرٌ لوجود النصِّ على خلافِه؛ إذِ المعلومُ أنَّ مِنْ ضوابطِ الأخذِ بالحيطةِ والعملِ بمبدإ الخروجِ مِنَ الخلافِ التي ينبغي مراعاتُها فيه: أَنْ لا يكون في المسألةِ المُحتاطِ فيها نصٌّ، وأَنْ لا يُفضِيَ العملُ بالاحتياط إلى مخالفةِ النَّصِّ الصَّحيحِ الصَّريحِ، فلذلك كانت الأحاديثُ الصحيحةُ المعيِّنةُ لمرادِ آيةِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا﴾ [النور: ٣١] كافيةً في العملِ بمُقتضاها؛ لدلالتها على الحكم المستثنى مِنْ عمومِ وجوبِ السَّتر.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٩ صفر ١٤٤٤ﻫ
المُوافق ﻟ: ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٢م

 



(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٣/ ٥٤٧) رقم: (١٧٠١٨). وانظر: «الرَّد المُفْحِم» (٥٠ ـ ٥١، ١٠٢ ـ ١٠٤).

وانظر ـ أيضًا ـ (ص ٤١ ـ ٤٧): الأحاديثَ الصحيحة في كشف النساء لوجوههنَّ وأيديهنَّ التي عطَّلها المخالفون التي يبلغ مجموعُها التواتُرَ: حديث الخثعميَّة، وحديث الواهبةِ نفسَها للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ـ وكان بمَحضَرِ أصحابه ـ، وحديث فاطمةَ بنتِ قيسٍ في أمرِه لها بالانتقال إلى بيتِ ابنِ أمِّ مكتومٍ لمَّا طلَّقها زوجُها، وفيه: إذا وضعتِ خمارَك لم يَرَكِ، وقد تَقرَّر ـ لغةً ـ أنَّ الخمارَ غطاءُ الرَّأسِ.

(٢) «تفسير الطبري» (١٩/ ١٥٨).

(٣) أخرجه أحمد في «مُسنَده» (٢٦٢٥٨)، وبمعناه أبو داود في «الترجُّل» بابٌ في الخضاب للنساء (٤١٦٦)، والنسائيُّ في «الزِّينة» باب الخِضاب للنساء (٥٠٨٩)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح النسائي» (٥٠٨٩) وفي «حجاب المرأة المسلمة» (٣٢).

(٤) أخرجه أبو داود في «اللباس» بابٌ فيما تُبدي المرأةُ مِنْ زينتها (٤١٠٤). والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٥٢٠) وفي «جلباب المرأة المسلمة» (٤٧).