الجواب عن الاعتراض على عدم تكفير سابِّ الله المُغلَق عليه بالغضب ونحوِه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 4 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2022 م

قال المُعترضُ ما مضمونُه: جاء في الفتوى رقم: (٦٢٥) الموسومة ﺑ «في ناقض الإيمان القولي: سبُّ الله عزَّ وجلَّ» على الموقع ما نصُّه: «أمَّا إذا سبَّ اللهَ تعالى وهو مُغْلَقٌ على قلبه، كمَنْ تكلَّم بكلمة الكفر وهو على ...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣١٧

الصنف: فتاوى العقيدة ـ أركان الإيمان ـ مسائل الإيمان

الجواب عن الاعتراض على
عدم تكفير سابِّ الله المُغلَق عليه بالغضب ونحوِه

نصُّ الشبهة:

قال المُعترضُ ما مضمونُه: جاء في الفتوى رقم: (٦٢٥) الموسومة ﺑ «في ناقض الإيمان القولي: سبُّ الله عزَّ وجلَّ» على الموقع ما نصُّه: «أمَّا إذا سبَّ اللهَ تعالى وهو مُغْلَقٌ على قلبه، كمَنْ تكلَّم بكلمة الكفر وهو على غضبٍ شديدٍ لا يدري ما يقول ولا يَعِي، وإذا ذُكِّرَ لا يتذكَّر ولا يَسْتحضِرُه، أو صدرَتْ منه كلمةُ الكفر وهو في حالةِ جنونٍ أو إغماءٍ أو غيبوبةٍ، أو نَطَقَ بها خطأً مِنْ غيرِ انتباهٍ ولا قصدٍ؛ فإنَّ ذلك مانعٌ مِنْ تكفير المُعيَّن بسببها لفسادِ قلبِه؛ لأنَّ جميع الأقوال والتَّصرُّفات مشروطةٌ بوجود التَّمييز والعقل».

فهذا اشتراطُ وجودِ التمييز والعقل لتكفير سابِّ الله، وبذلك يفتح بابَ التَّلاعب بالألفاظ، فإذا وقع أحَدُهم في هذا الجُرمِ العظيمِ ذهَبَ يعتذر بكونها زَلَّةَ لسانٍ وغيرِها مِنَ الأعذار المذكورة في الكلام السَّابق، وقد رَدَّ الإمامُ ابنُ أبي زيدٍ القيروانيُّ هذه الدَّعوى حيث جاء عنه في رجلٍ لعَنَ رجلًا ولعَنَ اللهَ، وقال: إنَّما أردتُ أَنْ ألعن الشَّيطانَ فزلَّ لساني، فقال الإمام: «يُقتَل بظاهِرِ كُفره ولا يُقبَل عُذرُه، وهو معذورٌ فيما بينه وبين الله» [«تبصرة الحُكَّام» لابن فرحون (٢/ ٢٨٤)].

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقبل الجواب على الاعتراض المذكور أوَدُّ أَنْ أُبيِّن أنَّ كُلَّ انتقاداتِ هذا المُعترِضِ بذاته تتَّسِم بالفظاظة والغِلظة، فضلًا عن استعماله في تدخُّلاته ـ في الجملة ـ أسلوبَ المُراوغة والالتواء واللَّفِّ والدَّوران، لِيُلقِيَ الشُّبهةَ أو يوجِّه الطَّعنةَ كهذه التُّهمةِ الصَّلعاء المزعومةِ بأنِّي أفتح بابَ التَّلاعبِ بالألفاظ وتزيينِ الباطل والإفتاءِ بالهوى، وأتعمَّد تمويهَ الحقِّ وتلبيسَه على النَّاس وتضليلَهم عنه، إلقاءً منه للتُّهَمِ جُزافًا وهو يعلم أنه فيها مُفتَرٍ، وأنَّ في ما اعترض به أو في سياقه ما يقضي ببُطلانِ اعتراضه، وإذا بُيِّن للنَّاس خطؤُه فيه كابَرَ مع أنَّه أَعلَمُ مِنْ أكثرِهم بِتَهافُتِ حُجَّتِه ومِنْ قبلِ أَنْ يُجابَ عن اعتراضه، وليس حالُه في هذا كحالِ مَنْ قد يتوهَّم أمرًا فيعترض ـ لِقُصوره في العلم ـ على ما لم يُحِط بعلمه لِظنِّه مُعارَضتَه للحقِّ مع كونه مريدًا للحقِّ مُحتكِمًا إليه معترفًا بِنَقصِه، ثمَّ يتبيَّن له ـ بعد الجوابِ عن اعتراضِه ـ خطؤُه فيه، فيُقِرُّ بالحقِّ ويُذعِنُ له، وهذا يُنبِئُ ـ بلا شكٍّ ـ مِنْ هذا المعترضِ عن فساد النِّيَّة وسوءِ الطَّويَّةِ مع انحطاطٍ في الأدب والأخلاق.

هذا، وممَّا يُبَلوِرُ ذلك ـ بوضوحٍ ـ عُدُولُه عامدًا عن كُلِّ ما ذكرتُه في الفتوى وإخفاؤُه ما تَضَمَّنَتْه مِنْ بيانٍ وتأصيلٍ واستشهادٍ بأقوال الأئمَّة والعلماء في حُكمِ هذا النَّاقضِ الإيمانيِّ وهو سبُّ الله تعالى، تهوينًا لشأنِ الفتوى وإرادةً للتَّقليل مِنْ أهمِّيَّتِها وتأصيلِها، وقد رأيتُ مِنَ المفيد أَنْ أنقل ما ترَكَه المُعترِضُ مِنْ نصِّ الفتوى على النَّحو الآتي:

«فالسَّبُّ شتمٌ، وهو كُلُّ قبيحٍ يستلزم الإهانةَ والاستخفافَ ويقتضي النَّقص، وضابطُهُ العُرْفُ، فما عَدَّه أهلُ العُرف سَبًّا وانتقاصًا أو عَيبًا أو طَعْنًا ونحوَ ذلك فهو مِنَ السَّبِّ، وحُكْمُ سابِّ الله تعالى طوعًا مِنْ غيرِ كرهٍ أنَّه كافرٌ مُرْتَدٌّ قولًا واحدًا لأهل العلم لا اختلافَ فيه، سواءٌ كان جادًّا أو مازحًا، وهو مِنْ أَقْبَحِ المكفِّرات القوليَّة التي تُناقِضُ الإيمانَ، ويكفر ظاهرًا وباطنًا عند أهل السُّنَّة القائلين بأنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، وقد نَقَلَ ابنُ عبد البرِّ المالكيُّ ـ رحمه الله ـ في «التمهيد» عن إسحاق بنِ راهويه ـ رحمه الله ـ قولَه: «قد أجمعَ العلماءُ أنَّ مَنْ سَبَّ اللهَ عزَّ وجلَّ، أو سبَّ رسولَه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، أو دَفَعَ شيئًا أَنزلَه اللهُ، أو قَتَلَ نبيًّا مِنَ أنبياء الله ـ وهو مع ذلك مُقِرٌّ بما أَنزلَ اللهُ ـ: أنه كافرٌ»(١)، وقال القاضي عياضٌ المالكيُّ ـ رحمه الله ـ: «لا خلافَ أنَّ سابَّ اللهِ تعالى مِنَ المسلمين كافرٌ حلالُ الدَّمِ، واخْتُلِفَ في استتابتِه»(٢)، وقال الموفَّق ابنُ قدامة المقدسيُّ الحنبليُّ ـ رحمه الله ـ: «ومَنْ سبَّ اللهَ تعالى كَفَرَ سواءٌ كان مازحًا أو جادًّا»(٣)، ومثلُه عن ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ قال: «إنَّ سَبَّ اللهِ أو سَبَّ رسوله كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، وسواءٌ كان السابُّ يعتقد أنَّ ذلك محرَّمٌ أو كان مُسْتحِلًّا له أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهبُ الفقهاءِ وسائرِ أهلِ السُّنَّةِ القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ»(٤).

ذلك، لأنَّ في سبِّ الله تنقُّصًا لله تعالى، واستخفافًا واستهانةً به سبحانه، وانتهاكًا وتمرُّدًا على ربِّ العالمين، ينبعث مِنْ نفسٍ شيطانيةٍ ممتلئةٍ مِنَ الغضب، أو مِنْ سفيهٍ لا وَقارَ لله عنده؛ فحالُه أَسْوأُ مِنْ حالِ الكافر؛ إذ السابُّ مُظْهِرٌ للتنقُّص ومُفْرِطٌ في العداوة ومُبالِغٌ في المحادَّة، بينما الكافر قد يُعظِّمُ الربَّ، ويعتقد أنَّ ما هو عليه مِنَ الدِّين الباطلِ ليس استهزاءً بالله ولا مَسَبَّةً له(٥)، وفي الجملة فإنَّ السابَّ ـ أيضًا ـ مِنْ جهةٍ أخرى أسوأُ حالًا مِنَ المستهزئ، وإذا كان الاستهزاءُ بالله وآياتِه ورسولِه كفرًا بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦[التوبة]، فالسَّبُّ المقصودُ مِنْ بابٍ أَوْلى، والآيةُ دَلَّتْ على استواءِ الجِدِّ واللَّعب في الاستهزاءِ بالله أو برسوله أو بآياتِه في كونِ كِلَيْهِما كفرًا، وضِمْنَ هذا المعنى يقول ابنُ العربيِّ المالكيُّ ـ رحمه الله ـ: «لا يخلو أَنْ يكون ما قالوه ـ أي: المنافقون ـ مِنْ ذلك جِدًّا أو هَزْلًا، وهو ـ كيفما كان ـ كُفرٌ؛ فإنَّ الهزل بالكفر كُفرٌ، لا خُلْفَ فيه بين الأمَّة؛ فإنَّ التَّحقيقَ أخو الحقِّ والعلم، والهَزْلَ أخو الباطل والجهل»(٦).

فالحاصل، أنَّ أصل الدِّين مبنيٌّ على تعظيم الله تعالى وإجلالِه، وتعظيمِ دِينِه ورُسُلِه، فإذا كان الاستهزاءُ بشيءٍ مِنْ ذلك يُناقِضُ هذا الأصلَ ويُنافيهِ فإنَّ السبَّ يُناقِضُه أَشَدَّ المناقَضة، بل يتضمَّن قَدْرًا زائدًا على الكفر؛ لأنَّ الله تعالى نهى المسلمين أَنْ يسبُّوا الأوثانَ لئلَّا يَسُبَّ المشركون اللهَ تعالى ـ وهُمْ على شِركِهم وتكذيبهم وعداوتِهم لرسوله ـ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ[الأنعام: ١٠٨]؛ فتَبيَّنَ أنَّ سَبَّ اللهِ تعالى أَعْظَمُ مِنَ الشرك به وتكذيبِ رسوله ومعاداته؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ألَا ترى أنَّ قريشًا كانَتْ تُقارُّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم على ما كان يقوله مِنَ التوحيد وعبادةِ اللهِ وَحْدَه، ولا يُقارُّونه على عيبِ آلهتِهم والطعنِ في دِينِهم وذمِّ آبائهم؟ وقد نهى اللهُ المسلمين أَنْ يسبُّوا الأوثانَ لئلَّا يسبَّ المشركون اللهَ، مع كونهم لم يزالوا على الشِّرك؛ فعُلِم أنَّ محذورَ سبِّ اللهِ أَغْلَظُ مِنْ محذورِ الكفرِ به»(٧).

هذا، والمُخلِّصُ الوحيد الذي يمحو اللهُ تعالى به الكفرَ بعد ثُبوته هو توبةُ المذنِب؛ وذلك برجوع العبد إلى الله تعالى، ومفارَقتِه لسبيلِ المغضوب عليهم والضالِّين، واللهُ تعالى يقبل توبةَ العبدِ مِنْ جميع الذنوب: الشركِ فما دونه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣[الزُّمَر]، وقولِه تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤[المائدة]، وقولِه تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ[الأنفال: ٣٨]، ومِنْ شَرْطِ التوبة: أَنْ يُخْلِصَها لله تعالى، ويتحسَّرَ على فعله، ويندمَ على ما اقترفه، وأَنْ يُقْلِعَ عنه ولا يُصِرَّ عليه، ويعزمَ أَنْ لا يعودَ إليه في المستقبل، وأَنْ تكونَ توبتُه في زمنٍ تنفع فيه التوبةُ(٨)».

ويجدر التنبيهُ إلى أنَّه قد يسبُّ بعضُ بني آدَمَ الدَّهرَ أو يتسخَّط ويشتكي، وفي هذا أذًى لله، لأنه تسخُّطٌ على قضاء الله وقدرِه وعدمُ رضًى به؛ وحقيقتُه سبٌّ لله لكنَّ صاحِبَه ذاهلٌ عنه في الغالب كما ثبَتَ في الحديث ومع ذلك لا يكفر صاحبُه بمجرَّده؛ فقَدْ جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ: يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ: بِيَدِي الأَمْرُ: أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» وفي روايةٍ مرفوعًا إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ! فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»(٩)؛ ومع أنَّ مَنْ سبَّ الدَّهرَ فهو قد سبَّ اللهَ في الحقيقة وارتكب إثما عظيمًا فإنه لا يُكفَّرُ ولا يُقتَل بمجرَّدِ ذلك لأنه لم يقصد سبَّ اللهِ تعالى؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «فإنَّ مَنْ سبَّ الدَّهر مِنَ الخَلْق لم يقصد سبَّ اللهِ سبحانه، وإنَّما يقصد أَنْ يسبَّ مَنْ فعَلَ به ذلك الفعلَ مُضيفًا له إلى الدَّهر، فيقع السبُّ على الله لأنه هو الفاعلُ في الحقيقة؛ وسواءٌ قلنا: إنَّ الدَّهرَ اسْمٌ مِنْ أسماء الله تعالى كما قال نُعَيْمُ بنُ حمَّادٍ أو قلنا: إنه ليس باسْمٍ وإنما قوله: «أنا الدَّهرُ» أي: أنا الذي أَفعلُ ما ينسبونه إلى الدَّهر ويُوقِعون السبَّ عليه كما قالَهُ أبو عُبيدة والأكثرون؛ ولهذا لا يكفر مَنْ سبَّ الدَّهرَ ولا يُقتَلُ، لكِنْ يُؤدَّبُ ويُعزَّرُ لِسُوءِ مَنطِقه»(١٠)؛ وقال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ»(١١)؛ وتكذيبُ الله وشتمُه المذكوران في الحديث كلاهما مُندرِجٌ في سبِّ الله؛ والصورتان المذكورتان مِنْ كُلٍّ منهما وإِنْ كانت كفرًا إلَّا أنه قد يقع المسلمُ في شيءٍ مِنَ التكذيب أو الشتم مِنْ حيث لا يشعر في غير الصورتين المذكورتين في الحديث خاصَّةً التكذيب، مع أنه لا يُكفَّر بكثيرٍ مِنْ ذلك، وإِنْ كان قد يُؤدَّب في بعضِه وهو ما يظهر فسادُه أو فيه سُوءُ أدبٍ ظاهرٌ، ويُنبَّه في بعضه الآخَرِ ويُصوَّبُ وهو ما مِنْ شأنِه أَنْ يخفى ما فيه مِنَ الانتقاص؛ وممَّا يُستدلُّ به في هذا المَقامِ ـ أيضًا ـ: حديثُ عَقرِ حمزةَ لِشارفَيْ عليٍّ رضي الله عنهما اللَّذَيْن كان أعدَّهما لوليمة فاطمة رضي الله عنها وذلك قبل تحريم الخمر وكان حمزةُ نشوانَ، وفيه أنه قال للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي؟» فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ(١٢)؛ ومع ذلك فالنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لم يكفِّره ولم يُؤاخِذْه بما قال، وبه احتجَّ البخاريُّ وابنُ تيميَّة وابنُ القيِّم(١٣).

وأمَّا قول المعترض: «فقَدْ جعل تكفيرَ سابِّ الله مشروطًا بوجود التَّمييز والعقل، وفتَحَ ـ بذلك ـ بابَ التَّلاعبِ بالألفاظِ».

فقبل الجوابِ عن هذا الاعتراضِ فإنَّ المقامَ يستدعي استفسارًا عن إشكالٍ فَرضَ نفسَه ضِمن شُبهةِ المعترضِ يُمكنُ طرحُه على الوجهِ الآتي:

ما مقصود المعترضِ في مسألةِ المجنون والمُغمى عليه والَّذي في غيبوبةٍ والَّذي سبَقَ لسانُه بكلمةٍ أَخطأَ فيها لِشدَّةِ ذُهوله: هل يُنازِعُ في أنَّهم لا يُؤاخَذون بأقوالهم وأفعالهم إذا كانوا حقًّا كذلك، إمَّا لم يَقصِدوا ما قالوا ولا قصَدوا أَنْ يقولوه، ولم يَشعروا بأنفُسِهم حين صدَرَ منهم ولا وعَوْا معناه حين تلفَّظوا به؟ أم يوافقُ المعترضُ فيما ليس في الأحوال العاديَّة كفرًا؟ أم أنَّه يوافقُ في ما ليس سبًّا ويخالفُ في السَّبِّ خاصَّةً؟

فجوابه: أنَّ مِنْ أهمِّ شروط التَّكليف التي يجب توفُّرُها في المكلَّف حتَّى تكون مسؤوليَّتُه تامَّةً عن أفعاله والتي غَفَلَ عنها المُعترِضُ بل تغافلَ: البلوغَ والعقلَ والإرادةَ والاختيارَ، وقد ثبَتَ في السُّنَّةِ عدمُ مُؤاخَذةِ الصَّغير حتَّى يبلغ، فجعَلَ الشَّارعُ البلوغَ علامةً لظهور العقل؛ لأنَّ غيرَ البالغِ ضعيفُ العقلِ والبُنيةِ، والمجنونَ حتَّى يُفيق مِنْ بابٍ أَوْلى؛ لأنَّه فاقدٌ لعقلِه تمامًا، قال الشنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ: «أمَّا اشتراطُ العقلِ في التَّكليف فلا خلافَ فيه بين العلماء، إذ لا معنَى لتكليفِ مَنْ لا يفهم الخطابَ»(١٤)، ومَنْ لا يفهم الخطابَ لا يُتصوَّر منه قصدُ مُقتضاه(١٥)، وقد جاء مِنْ حديثِ عائشةَ وعليٍّ وغيرِهما رضي الله عنهم قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبَرَ(١٦) ـ وفي روايةٍ ـ: يَحْتَلِمَ(١٧) ـ وفي رواية ـ: يَبْلُغَ(١٨)، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ»(١٩)؛ لذلك كانت جميعُ الأقوالِ والتَّصرُّفاتِ مشروطةً بوجود التَّمييز والعقل؛ فمَنْ لا تمييزَ له ولا عَقْلَ ليس لكلامه في الشَّرع اعتبارٌ، ولا يُؤاخَذُ بما يصدر عنه، وهذا الذي أَنكرَه المُعترضُ وعدَّه تلاعبًا بالألفاظ يصحِّحه نصُّ حديثِ عائشة وعليٍّ وغيرهما رضي الله عنهم المُتقدِّم، والإجماعُ على أنَّ الرِّدَّةَ لا تصحُّ إلَّا مِنْ عاقلٍ؛ لأنَّها تَفتقِرُ إلى اعتقادٍ أو نِيَّةٍ، والمجنونُ لا يَعتقد ما يقوله، بل لا يَعقِل ما يقولُه فضلًا عن أَنْ يَعتقده، وكذلك الصَّبيُّ ومَنْ كان في حُكمهما.

وممَّنْ نقَلَ الإجماعَ:

ـ ابنُ المنذر ـ رحمه الله ـ حيث قال: «أجمعوا أنَّ المجنونَ ـ إذا ارتدَّ في حالِ جُنونه ـ: أنَّه مسلمٌ على ما كان قبل ذلك، ولو قتَلَه عمدًا كان عليه القَوَدُ(٢٠) إذا طلَبَ أولادُه ذلك»(٢١).

ـ الموفَّقُ بنُ قدامة ـ رحمه الله ـ الذي قال: «إنَّ الرِّدةَ لا تصحُّ إلَّا مِنْ عاقلٍ، فأمَّا مَنْ لا عَقْلَ له ـ كالطِّفل الذي لا عَقْلَ له، والمجنونِ، ومَنْ زال عقلُه بإغماءٍ أو نومٍ أو مرضٍ أو شُربِ دواءٍ يُباحُ شُربُه ـ فلا تصحُّ رِدَّتُهُ، ولا حُكْمَ لكلامه بغيرِ خلافٍ»(٢٢).

ـ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ حيث جاء أنَّه قال: «فأمَّا المجنون والطِّفل الذي لا يُميِّز فأقوالُه كُلُّها لغوٌ في الشَّرع، لا يصحُّ منه إيمانٌ ولا كفرٌ، ولا عقدٌ مِنَ العقود، ولا شيءٌ مِنَ الأقوالِ باتِّفاق المُسلمين»(٢٣).

ـ ابنُ الهُمام ـ رحمه الله ـ الذي قال: «المجنونُ لا يصحُّ ارتدادُه بالإجماع»(٢٤).

هذا، ويدخل في شروط التَّكليف ـ أيضًا ـ الإرادةُ والاختيار، فلا يُؤاخَذ مَنْ صدَرَ منه قولٌ أو فِعلٌ مِنْ غيرِ إرادةٍ منه كالمُكرَه، مِثلَما أجاز الشَّارعُ الإقدامَ على التَّلفُّظ بكلمةِ الكفرِ مع طُمأنينةِ القلب لدفعِ الضَّرر والمَفسدةِ عن النَّفس، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦[النحل]، وقد نزلت ـ كما هو مشهورٌ ـ في شأنِ عمَّار بنِ ياسرٍ رضي الله عنهما الذي شَهِد له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فقال: «مُلِئَ عَمَّارٌ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ»(٢٥)، فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: «شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ» قَالَ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ: «مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ» قَالَ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ»»(٢٦)؛ لذلك قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «فإنَّا نَعلَمُ أنَّ مَنْ سبَّ اللهَ ورسولَه طوعًا بغيرِ كرهٍ، بل مَنْ تَكلَّم بكلمات الكفر طائعًا غيرَ مُكرَهٍ ومَنِ استهزأ بالله وآياتِه ورسولِه فهو كافرٌ باطنًا وظاهرًا»(٢٧).

ومِنْ ذلك ـ أيضًا ـ الإغلاقُ الَّذي لا يدري المُكلَّف معه ما يقول مِنْ شِدَّة الخوفِ أو الفرَحِ أو الحزنِ أو الغضبِ أو الذهولِ أو الفَنَاء، إذ لا إرادةَ له ـ وقتَئذٍ ـ ولا اختيارَ، على نحوِ ما نبَّه عليه قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»(٢٨)، وقد فُسِّر الإغلاقُ بالإِكْراه، وهو مذهب جمهور الصَّحابة والتَّابعين، وإلَيْهِ ذهَبَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ والشَّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاق، وفُسِّر كذلك بالقتلِ أو الضَّرْبِ الشَّديد، والتَّخويفُ بقتلِ الأب أو الابنِ أو الأخِ لَيْسَ بإكراهٍ(٢٩)؛ قال ابنُ عبد الهادي ـ رحمه الله ـ: «وفُسِّر ـ أيضًا ـ بالغَضَبِ، قال أبو داود: أظنُّه الغضبَ(٣٠)؛ وقد نصَّ الإمام أحمد على هذا التَّفسيرِ في روايةِ حنبلٍ(٣١)؛ قال شيخُنا [أي: الحافظ المِزِّيُّ]: والصَّوابُ أنَّه يعمُّ الإكراهَ والغضبَ والجنونَ، وكُلَّ أمرٍ انغَلقَ على صاحبِه علمُه وقصدُه، مأخوذٌ مِنْ: غلق الباب؛ بخلافِ مَنْ عَلِم ما يتكلَّم به وقصَدَه وأرادَه، فإنَّه انفتح له بابُه ولم يُغلَق عليه»(٣٢)؛ وهذا الحُكمُ مِنْ سقوط التكليف والمؤاخذة حالَ إغلاقِ الشعورِ والإرادةِ لا يختصُّ بالطلاق والعَتاق؛ قال ابنُ تيميَّة رحمه الله ـ في مَعرِضِ حديثِه عمَّا يعرض لبعضِ أهل الفَناء مِنَ الأحوال التي يَغيبون فيها دون اختيارٍ منهم ولا شعورٍ ـ ما نصُّه: «وقد يقع لبعضِ المُصطلَمِين مِنْ أهل الفَناء في المحبَّة أَنْ يغيب بمحبوبه عن نفسِه وحبِّه؛ ويغيب بمذكوره عن ذِكره؛ وبمعروفه عن معرفتِه، وبموجوده عن وجوده، حتَّى لا يشهد إلَّا محبوبَه فيظنَّ ـ في زوال تمييزه ونقصِ عقله وسُكره ـ أنه هو محبوبُه، كما قِيلَ: إنَّ محبوبًا وقَعَ في اليمِّ فألقى المُحِبُّ نَفْسَه خلفه فقال: «أنا وقعتُ؛ فأنت ما الَّذي أَوقعَك؟» فقال: «غِبتُ بك عنِّي، فظننتُ أنَّك أنِّي»؛ فلا ريبَ أنَّ هذا خطأٌ وضلالٌ، لكِنْ إِنْ كان هذا لقوَّةِ المحبَّة والذِّكر مِنْ غيرِ أَنْ يحصلَ عن سببٍ محظورٍ زال به عقلُه كان معذورًا في زوالِ عقلِه؛ فلا يكون مُؤاخَذًا بما يَصدرُ منه مِنَ الكلام في هذه الحالِ التي زال فيها عقلُه بغيرِ سببٍ محظورٍ، كما قِيلَ في عُقَلاء المَجانين: إنهم قومٌ آتاهم اللهُ عقولًا وأحوالًا فسلَبَ عقولَهُم وأبقى أحوالَهم، وأَسقطَ ما فرَضَ بما سلَبَ؛ وأمَّا إذا كان السببُ الذي به زوالُ العقلِ محظورًا لم يكن السكرانُ معذورًا، وإِنْ كان لا يُحكَمُ بكفره في أصحِّ القولين، كما لا يقع طلاقُه في أصحِّ القولين، وإِنْ كان النزاعُ في الحكم مشهورًا؛ وقد بسَطْنا الكلامَ في هذا وفيمَنْ يُسَلَّمُ له حالُه ومَنْ لا يُسلَّمُ في قاعدةِ ذلك؛ وبكُلِّ حالٍ فالفَناءُ الذي يُفضي بصاحبِه إلى مِثلِ هذا حالٌ ناقصٌ وإِنْ كان صاحبُه غيرَ مكلَّفٍ؛ ولهذا لم يَرِدْ مِثلُ هذا عن الصَّحابةِ الَّذين هم أفضلُ هذه الأُمَّةِ ولا عن نبيِّنا محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وهو أفضلُ الرُّسُلِ، وإِنْ كان لهؤلاء في صعقِ موسى نوعُ تعلُّقٍ، وإنَّما حدَثَ زوالُ العقلِ عند الوارداتِ الإلهيَّة على بعضِ التَّابعين ومَنْ بعدهم»(٣٣)؛ ولهذا ذكرتُ في الفتوى أنَّ مَنْ «سبَّ اللهَ تعالى وهو مُغْلَقٌ على قلبه، كمَنْ تكلَّم بكلمة الكفر وهو على غضبٍ شديدٍ لا يدري [معه] ما قال ولا يَعِي ولا يشعرُ، وإذا ذُكِّرَ لا يتذكَّر ولا يَسْتحضِرُه، أو صدرَتْ منه كلمةُ الكفر وهو في حالةِ جنونٍ أو إغماءٍ أو غيبوبةٍ، أو نَطَقَ بها خطأً مِنْ غيرِ انتباهٍ ولا قصدٍ؛ فإنَّ ذلك مانعٌ مِنْ تكفير المُعيَّن بسببها لِتغيُّرِ قلبِه وزوالِ القصد والشعور؛ لأنَّ جميعَ الأقوالِ والتصرُّفات مشروطةٌ بوجود التَّمييز والعقل؛ فمَنْ لا تمييزَ له ولا عَقْلَ ليس لكلامه في الشرع اعتبارٌ، كما قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ»(٣٤)، ولقَوْلِ الرَّجل مِنْ شدَّة الفرح: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وأَنَا رَبُّكَ»، فقال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ»(٣٥)؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وفي الحديثِ مِنْ قواعدِ العلمِ: أنَّ اللَّفظَ الذي يجري على لسانِ العبدِ خطأً مِنْ فرحٍ شديدٍ، أو غَيظٍ شديدٍ، ونحوِه، لا يُؤاخَذُ به، ولهذا لم يَكنْ هذا كافرًا بقوله: أنتَ عبدي وأنا ربُّك؛ ومعلومٌ أنَّ تأثيرَ الغضبِ في عدمِ القَصدِ يَصِلُ إلى هذه الحالِ أو أعظمَ منها، فلا ينبغي مؤاخذةُ الغضبانِ بما صدَرَ منه في حالِ شدَّةِ غضبِه مِنْ نحوِ هذا الكلامِ، ولا يَقع طلاقُه بذلك، ولا رِدَّتُهُ»(٣٦)، فإنَّ هذا حَصَلَ له هذا الكلامُ مِنْ غير قصدٍ منه ولا إرادةٍ؛ فهو غيرُ مُؤاخَذٍ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥﴾ [الأحزاب].

ففي هذه الأحوالِ الاستثنائية يتقرَّر أنَّ مَنْ وَقَعَ في الكفر فلا يَلْزَمُ وقوعُ الكُفْرِ عليه لوجودِ مانعٍ مِنْ لحوقِ الكفرِ به ابتداءً، بخلافِ مَنْ وَقَعَ الكفرُ عليه لانتفاءِ المانع؛ فإنَّ التَّوبةَ ترفع عنه إطلاقَ الكفرِ عليه بعد رجوعه عنه».

هذا، وأريد ـ في الأخير ـ أَنْ أُضمِّنَ جوابي فتوى الشَّيخ عبدِ العزيز بنِ بازٍ ـ رحمه الله ـ في حكم مسألة سبِّ الدِّين حالَ الغضب(٣٧) أنقلها للقارئ برُمَّتها نظرًا لِمَا تميَّزَتْ به مِنْ تفصيلٍ ماتعٍ، ومِنْ خلالِ فتواه أعرِّج على الجواب على الشُّبهة الأخيرة التي ذكَرَ فيها المُعترضُ كلامَ ابنِ أبي زيدٍ القيروانيِّ ـ رحمه الله ـ.

قال الشيخ ابنُ بازٍ ـ رحمه الله ـ: «هذه المسألةُ عظيمةٌ، ولها شأنٌ خطيرٌ، سبُّ الدِّين مِنْ أعظمِ الكبائر والنَّواقضِ للإسلام، فإنَّ سبَّ الدِّين رِدَّةٌ عند جميعِ أهل العلم، وهو شرٌّ مِنَ الاستهزاء؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ[التوبة: ٦٥ ـ ٦٦]، وكانت جاريةٌ في عهد النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم تسبُّ الدِّينَ، فقتَلَها سيِّدُها لَمَّا لم تَتُبْ، فقال: «أَلَا اشْهَدُوا أنَّ دَمَها هَدَرٌ»(٣٨).

فسَبُّ الدِّين يُوجِبُ الرِّدَّةَ عن الإسلام، وسَبُّ الرَّسولِ كذلك يُوجِبُ الرِّدَّةَ عن الإسلام، ويكون صاحبُه مُهدَرَ الدَّمِ ومالُه لِبيتِ المال، لكونه مُرتدًّا أتى بِناقضٍ مِنْ نواقض الإسلام، لكِنْ إذا كان عن شِدَّة غضبٍ واختلالِ عقلٍ فلها حُكمٌ آخَرُ، فالغضبُ ـ عند أهل العلم ـ له ثلاثُ مراتبَ:

ـ المرتبة الأولى: أَنْ يشتدَّ غضبُهُ حتَّى يَفقد عقلَه، وحتَّى لا يبقى معه تمييزٌ مِنْ شدَّة الغضب، فهذا حُكمُه حكمُ المجانين والمعاتيه، لا يترتَّب على كلامه حكمٌ: لا طلاقُه ولا سبُّه ولا غيرُ ذلك، يكون كالمجنون لا يترتَّب عليه حكمٌ.

ـ المرتبة الثانية: دون ذلك، اشتدَّ معه الغضبُ، وغلَبَ عليه الغضبُ جِدًّا حتَّى غيَّرَ فِكرَه وحتَّى لم يضبط نَفْسَه، واستولى عليه استيلاءً كاملًا حتَّى صار كالمُكرَه والمَدفوع الذي لا يستطيع التَّخلُّص ممَّا في نفسه، لكنَّه دون الأوَّل لم يفقد شعورهَ بالكُلِّيَّة، ولم يفقد عقلَه بالكُلِّيَّة، لكِنْ مع شِدَّةِ غضبٍ بأسباب المُسابَّة والمُخاصمة والنِّزاع الذي بينه وبين بعض النَّاس، أو بينه وبين أهلِه، أو زوجتِه أو أبيه أو أميرِه أو غيرِ ذلك، فهذا اختلف فيه العلماءُ: فمنهم مَنْ قال: حُكمه حكمُ الصَّاحي العاقل: تُنفَّذ فيه الأحكام، ويقع طلاقُه ويرتدُّ بسبِّه الدِّينَ، ويُحكَمُ بقتله ورِدَّته، ويُفرَّق بينه وبين زوجته، ومنهم مَنْ قال: يُلحَق بالأوَّل الذي فقَدَ عقلَه؛ لأنَّه أقربُ إليه؛ ولأنَّ مِثلَه مدفوعٌ مُكرَهٌ إلى النُّطق، لا يستطيع التَّخلُّص مِنْ ذلك لِشدَّة الغضب، وهذا القول أَظهَرُ وأَقرَبُ، وأنَّ حُكمَه حكمُ مَنْ فقَدَ عقله في هذا المعنى: في عدمِ وقوع طلاقه وفي عدمِ رِدَّته؛ لأنَّه يُشبَّهُ بفاقد الشُّعور، بسبب شِدَّة غضبه، واستيلاءِ سلطان الغضب عليه، حتَّى لم يتمكَّن مِنَ التَّخلُّص مِنْ ذلك، واحتجُّوا على هذا بقصَّةِ موسى عليه السلام، فإنَّه لَمَّا وجَدَ قومَه على عبادة العِجل اشتدَّ غضبُه عليهم، وجاء وألقى الألواحَ، وأخَذَ برأسِ أخيه يجرُّه إليه، مِنْ شِدَّة الغضب، فلم يُؤاخِذْه اللهُ لا بإلقاء الألواح، ولا بجرِّ أخيه وهو نبيٌّ مِثلُه، مِنْ أجل شِدَّة الغضب، ولو ألقاها تهاونًا بها وهو يعقل لكان هذا عظيمًا، ولو جرَّ النَّبيَّ بلِحيَتِه أو برأسه فآذاه صار كُفرًا، هذا إذا جرَّه إنسانٌ، لكِنْ لَمَّا كان موسى في شِدَّة الغضب العظيمِ، غضبًا لله عزَّ وجلَّ ممَّا جرى مِنْ قومه سامحه اللهُ، ولم يُؤاخذه بإلقائه الألواح ولا بجرِّ أخيه، هذه الحُجَّة للذين قالوا: إنَّ طلاق الذي اشتدَّ به الغضبُ لا يقع، وهكذا سبُّه لا تقع به رِدَّةٌ، وهو قولٌ قويٌّ ظاهرٌ، وله حُججٌ أخرى كثيرةٌ، بسَطَها شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ والعلَّامة ابنُ القيِّم، واختارَا هذا القولَ، وهذا القول أرجحُ عندي وهو الذي أُفتي به؛ لأنَّ مَنِ اشتدَّ غضبُه ينغلق عليه قصدُه، ويُشبِه المجنونَ في تصرُّفاته وكلامِه القبيح، فهو أَقرَبُ إلى المجنونِ والمعتوهِ منه إلى العاقلِ السَّليم، هذا القول أظهرُ وأقوى، لكِنْ لا مانِعَ مِنْ كونه يُؤدَّبُ إذا فعَلَ شيئًا مِنْ وجوه الرِّدَّة مِنْ باب الحيطة، ومِنْ باب الحذر مِنَ التَّساهل بهذا الأمر، ووقوعه مرَّةً أخرى، إذا أُدِّب مِنْ باب الضَّرب أو السَّجن أو نحوِ ذلك، هذا قد يكون فيه مصلحةٌ كبيرةٌ، لكِنْ لا يُحكَم عليه بحكمِ المُرتدِّين، مِنْ أجلِ ما أصابه مِنْ شِدَّة الغضبِ الَّتي تُشبِه حالَ الجُنونِ، واللهُ المستعان.

ـ أمَّا المرتبة الثالثة: فهو الغضبُ العاديُّ الذي لا يزول معه العقلُ، ولا يكون معه شِدَّةٌ تُضيِّق عليه الخناقَ، وتُفقِده ضَبْطَ نفسِه، بل هو دون ذلك غضبٌ عاديٌّ يتكدَّر ويغضب، لكنَّه سليمُ العقلِ سليمُ التَّصرف، فهذا عند جميعِ أهل العلم تقع تصرُّفاتُه: بيعُه وشراؤه وطلاقُه وغيرُ ذلك؛ لأنَّ غضبه لا يغيِّر عليه قَصْدَه ولا قلبه، واللهُ أَعلَمُ» اﻫ.

فهل يصحُّ ـ بعد كُلِّ هذا ـ أَنْ يقال عن ابنِ تيميَّة وابنِ القيِّم وابنِ بازٍ ومَنْ قال بقولهم: إنه «قد جعَلَ تكفيرَ سابِّ الله مشروطًا بوجود التَّمييز والعقل، وفتَحَ ـ بذلك ـ بابَ التلاعب بالألفاظ»، فهل يجرؤ المعترضُ أَنْ يُطلِقَ حُكْمَه الذي أَطلقَه عليَّ، أَنْ يطلقَه ـ أيضًا ـ على هؤلاء الأعلامِ الذين أفتَوْا بخلافِ ما يراه هو في كلا الحالتين: سواءٌ كان فيها إغلاقٌ للقصدِ دون الشُّعور، أو كان فيها إغلاقٌ للشعور والقصدِ معًا؟!

علمًا أنَّ كلامَ العلماءِ الذين ذكَرُوا هذه العلَّةَ الَّتي ذكَرَها المعترضُ مِنَ التَّلاعبِ بالألفاظِ أو بالتَّوبة، إنَّما ذكَرُوها في السابِّ في الأحوال العاديَّة الأصليَّةِ لا في الأحوالِ الاستثنائيَّةِ الَّتي فيها الإغلاقُ على ما تقدَّم، وذلك في مسألةِ استتابة سابِّ الله فقالوا: لا يستتاب سدًّا للذريعة حتَّى لا يجعلَ إظهارَه للتَّوبة جُنَّةً مِنَ القتل.

وأمَّا قول المعترض: «وقد ردَّ الإمام ابنُ أبي زيدٍ القيروانيُّ هذه الدَّعوى حيث جاء عنه في رجلٍ لَعن رجلًا ولَعَنَ اللهَ وقال: «إنَّما أردتُ أَنْ ألعنَ الشَّيطانَ فزلَّ لساني»، فقال الإمام: «يُقتَل بظاهرِ كُفره؛ ولا يُقبل عُذرُه، وهو معذورٌ فيما بينه وبين الله»».

فقبل ردِّي على هذا الاعتراض فيَحسُنُ أن يَعْلَمَ المعترضُ أنَّ فتوَى ابنِ أبي زيدٍ ـ رحمه الله ـ قَدْ ورَدَتْ في أربعةِ كُتُبٍ على الأقلِّ، تتعلَّق بمسألةِ استتابةِ السابِّ المُختلَف فيها عند المالكيَّة وغيرِهم، ومقصودُهم منها: هل يُقتَل دون استتابةٍ، أم يُستتابُ فإِنْ تاب وإلَّا قُتِل؟ وهل نقبل منه توبتَه إذا تابَ وندرأ عنه القتلَ؟ وأوردوا معها وقائعَ كان فيها خلافٌ بناءً على الاختلاف في أصل المسألة المذكور، كما أنَّ مِنَ العلماء مَن فرَّقوا فيما غاب فيه عقلُه بين ما كان غيابُه فيه بسببٍ جائزٍ وما كان بسببٍ محرَّمٍ، وفرَّقوا ـ أيضًا ـ بين اللعن وغيرِه مِنْ جنس السبِّ، ولعلَّ ذلك بناءً على فتوَى ابنِ أبي زيدٍ القيروانيِّ، كما أنَّ هناك فرقًا في العمد بين صريحِ السَّبِّ الذي يستحقُّ صاحبُه القتلَ وبين محتمله الذي يستحقُّ صاحبُه الأدبَ ومنه مُتجاذَبٌ بين الأمرين، فوقع فيه الخلافُ؛ فقد ورَدَت الواقعةُ في «الشفا» لعياضٍ في «الفصل الأوَّل: حكمُ سابِّ الله تعالى وحكمُ استتابتِه»، وأوردها ابنُ فرحون تحت عنوان: «فصلٌ فيمَنْ سبَّ الله تعالى أو الملائكة أو الأنبياء أو سبَّ أصحابَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم»، والونشريسيُّ في «مَنْ سبَّ الله تعالى واعتذر بسبقِ لسانه قُتِل بظاهرِ كُفره»، وشفَعوها باختلاف الفقهاء في واقعةِ هارونَ بنِ حبيب أخي عبد الملك على ما صدَرَ منه مِنْ سوءِ أدبٍ مع الله: هل يُقتَل أم لا وهل يُؤدَّب؟ وأوردها ـ أيضًا ـ المجلسيُّ الشنقيطيُّ في سياقِ حديثه عن مسألةِ سبِّ الله: ما يُستتابُ منه وما لا يستتاب(٣٩).

ويظهر الجواب عن الاعتراض السابق في النقاط الآتية:

ـ أنَّ المجلسيَّ الشنقيطيَّ قد ذكَرَ الحكمَ فيمَنْ سبَّ البارئَ تعالى على ما تقدَّم، إلَّا أنه يستتاب المسلمُ هنا على المشهور، وقِيلَ: الأكثرُ على عدمها، ثمَّ قال: «أمَّا لو لعَنَه قُتِل وإِنْ قال: زلَّ لسانُه على المنصوص»، ففرَّق بين عموم السبِّ وخصوصِ اللَّعن في الاستتابة، وهذا عند المالكيَّة على ما يظهر.

ـ أنَّ دعوى زلَّةِ اللسان إنما تُقبَل إذا كانت واردةً، فإذا قام شاهدٌ على كذِبِ صاحبها وإجرامِه، فلا تُسلَّم له دعواه كما أنَّ مَنِ ادَّعى التَّوبةَ مِنْ شيءٍ وقام دليلٌ على عدمِ توبتِه وكذِبِها لم نقبلها منه؛ قال تعالى: ﴿إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦[التوبة]، فعفا عن بعض المستهزئين دون بعضٍ، وجعَلَ مَناطَ تخلُّفِ العفو وتحقُّقِ العذاب أنهم كانوا مجرمين.

ـ ومَنْ غلَبَ على الظنِّ أنه إنَّما زعَمَ التَّوبةَ أو الزلَّةَ تعوُّذًا كالزنديق فقَدْ قِيلَ بعدمِ قبولِ توبَتِه وأمرُه إلى الله؛ لأنَّ الزِّنديقَ في الأصل مُظهِرٌ للإيمان وباطنُه كافرٌ، فإذا انكشفتْ زندقتُه وادَّعى التوبةَ أو زلَّةَ اللسان لم نأمن أَنْ يكون كاذبًا في ذلك.

ـ أنَّه ليس في القصَّة أنَّ الرَّجل كان في حالةِ إكراهٍ وإغلاقٍ بحيث زالَ عقلُه ولم يَبْقَ معه تمييزٌ فلا يشعر بما قال، غايةُ ما في الأمر أنَّ الرَّجلَ ادَّعى زلَّةَ لسانِه فأخطأ، والشواهد على كذبِه في دعواه قائمةٌ، هذا مِنْ جهةٍ.

ـ وأنَّ ابنَ أبي زيدٍ القيروانيَّ ـ رحمه الله ـ رأى ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ قَتْلَه بظاهرِ كُفره ولم يقبل عُذرَه ولا استتابتَه مع استصحابِ إيمانِه وجزمِه به حيث قال: «وهو معذورٌ فيما بينه وبين الله»؛ علمًا أنَّ المالكيَّةَ اختلفوا في استتابته، بل في استتابةِ مَنْ أتى بالسبِّ الصريح كما تقدَّم، ولم يتَّفقوا على ما حَكَمَ به بَلهَ غيرهم مِنَ المذاهب(٤٠).

والصَّوابُ مِنَ المذاهب: أنَّه إِنِ استغفَرَ اللهَ وتابَ مِنْ خطئه يُقبَل عذرُه ولا يُقتَل، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥[الأحزاب]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»(٤١)، ولقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا[البقرة: ٢٨٦]، قال تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ»(٤٢)، فنفى المؤاخذةَ، والتَّبعةُ ـ أيضًا ـ منفيَّةٌ لِتعلُّقِها بحقِّ الله تعالى دون حقوق العباد؛ لذلك كان رأيُ ابنِ أبي زيدٍ في هذه المسألة ـ عند التَّحقيق ـ مرجوحًا لمصادمته للنُّصوص الشَّرعية السَّالفة البيان، ولكِنْ ـ بالرَّغم مِنْ ذلك ـ فلا مانِعَ مِنْ أَنْ يقوم الحاكمُ أو القاضي بتأديبه وتعزيره بما يُناسِبُ فِعلَه الشَّنيعَ على وجه الاحتياط والتحذير، لِسَدِّ الذَّريعةِ أمامَ كُلِّ مَنْ يتساهلُ في هذا الأمرِ ويتوسَّل بالأعذارِ الكاذبةِ اتِّقاءً للعقوبة الرَّادعةِ؛ وهذا ـ كما قدَّمْتُ ـ إنَّما هو فيما هو مِنْ حقوق الله سبحانه؛ وأمَّا سبُّ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فله حكمٌ آخَرُ لِتعلُّقِه بحقِّ العبد وهو النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الَّذي يملك حقَّ الاقتصاص والعفو؛ فيُقتَل دون استتابةٍ عند تحقُّقِ السبِّ وتوفُّرِ شروط المُؤاخَذة.

هذا، وتكميلًا للفائدة العلميةِ، فقد ذكَرَ ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ فرقًا بين سبِّ الله وسبِّ رسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم موجِّهًا ترجيحَ قبولِ توبةِ سابِّ الله دون توبة سابِّ الرسول عند مَنْ قال به، وفيه جوابٌ عن الإيرادات التي أوردها المعترضُ، ولولا خشية التَّطويل لسُقتُها بتفاصيلها، لكن يُمكن الاطلاعُ عليها والاستفادةُ منها في: «الصَّارم المسلول» لابن تيمية (٥٤٨، ٥٥١، ٥٥٠).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٤ﻫ
المُوافق ﻟ: ٠٣ نـــوفــمبر ٢٠٢٢م



(١) «التمهيد» لابن عبد البرِّ (٤/ ٢٢٦).

(٢) «الشِّفا» للقاضي عياض (٢/ ٢٢٩).

(٣) «المغني» لابن قدامة (١٠/ ١٠٣).

(٤) «الصَّارم المسلول» لابن تيمية (٥١٢).

(٥) انظر: «الصَّارم المسلول» لابن تيمية (٥٤٦).

(٦) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٩٧٦).

(٧) «الصارم المسلول» لابن تيمية (٥٥٧).

(٨) يَفوتُ وقتُ قَبولِ التَّوبة فلا تنفع التَّوبةُ في ثلاثِ حالاتٍ:

الأولى: إذا بلغَتِ الرُّوحُ الحلقومَ وحَضَرَ الأجلُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌ[النساء: ١٨]، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» [أخرجه الترمذيُّ ـ واللفظ له ـ في «الدَّعَوات» (٣٥٣٧)، وابنُ ماجه في «الزهد» بابُ ذِكْرِ التوبة (٤٢٥٣)، وابنُ حِبَّان (٦٢٨)، والحاكم (٧٦٥٩)، وأحمد (٦١٦٠)، مِنْ حديثِ ابن عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٩/ ١٨)، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١٩٠٣)].

الثانية: إذا نَزَلَ العذابُ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ وَكَفَرۡنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشۡرِكِينَ٨٤ فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦ[غافر: ٨٤ ـ ٨٥].

الثالثة: إذا طلَعَتِ الشمسُ مِنْ مغربها فلا تُقْبَلُ فيها التوبةُ؛ لقوله تعالى: ﴿يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗا[الأنعام: ١٥٨]، وفي الحديث: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا»، ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ ـ واللَّفظ له ـ في «التفسير» باب: ﴿لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا[الأنعام: ١٥٨] (٤٦٣٥، ٤٦٣٦)، ومسلمٌ في «الإيمان» (١٥٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

(٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «تفسير القرآن» باب: ﴿وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُ[الجاثية: ٢٤] الآية (٤٨٢٦) وفي «الأدب» باب: لا تَسُبُّوا الدَّهرَ (٦١٨١، ٦١٨٢) وفي «التوحيد» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِ[الفتح: ١٥]، ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ ١٣[الطارق]: حقٌّ، ﴿وَمَا هُوَ بِٱلۡهَزۡلِ ١٤[الطارق]: باللَّعِب (٧٤٩١)، ومسلمٌ في «الألفاظ مِنَ الأدب وغيرِها» (٢٢٤٦، ٢٢٤٧)، مِنْ حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «وأنا الدهر: قال الخطَّابيُّ: معناه: أنا صاحبُ الدَّهرِ ومدبِّرُ الأمورِ التي ينسبونها إلى الدَّهر؛ فمَنْ سبَّ الدَّهرَ مِنْ أجلِ أنه فاعلُ هذه الأمورِ عاد سَبُّه إلى ربِّه الذي هو فاعِلُها، وإنما الدَّهرُ زمانٌ جُعِل ظرفًا لمواقعِ الأمور، وكانت عادتُهم إذا أصابهم مكروهٌ أضافوه إلى الدَّهر فقالوا: بُؤسًا للدهر وتبًّا للدهر؛ وقال النوويُّ: قولُه: أنا الدَّهرُ بالرفع في ضبط الأكثرين والمحقِّقين، ويقال بالنصب على الظرف أي: أنا باقٍ أبدًا؛ والموافق لقوله: إنَّ اللهَ هو الدَّهرُ الرفعُ، وهو مجازٌ، وذلك أنَّ العرب كانوا يسبُّون الدَّهرَ عند الحوادث، فقال لا تَسبُّوه، فإنَّ فاعِلَها هو اللهُ، فكأنَّه قال: لا تسبُّوا الفاعلَ، فإنكم إذا سببتموه سببتموني، أو الدَّهر هنا بمعنى الدَّاهر، فقَدْ حكى الراغبُ أنَّ الدَّهر في قوله: «إنَّ الله هو الدَّهرُ» غيرُ الدَّهر في قوله: «يسبُّ الدَّهر»؛ قال: والدَّهر الأوَّل: الزمان، والثاني: المدبِّر المصرِّف لِمَا يحدث؛ ثمَّ استضعف هذا القولَ لعدمِ الدليل عليه؛ ثمَّ قال: لو كان كذلك لعُدَّ الدَّهرُ مِنْ أسماء الله تعالى، انتهى؛ وكذا قال محمَّد بنُ داود محتجًّا لِمَا ذهَبَ إليه مِنْ أنه بفتح الراء، فكان يقول: لو كان بضمِّها لكان الدَّهرُ مِنْ أسماء الله تعالى؛ وتُعُقِّب بأنَّ ذلك ليس بلازمٍ، ولا سيَّما مع روايته: «فإنَّ اللهَ هو الدَّهرُ»؛ قال ابنُ الجوزيِّ: يصوَّب ضمُّ الراء مِنْ أوجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المضبوط عند المحدِّثين بالضم؛ ثانيها: لو كان بالنصب يصير التقديرُ: فأنا الدَّهرَ أقلِّبُه؛ فلا تكون علَّةُ النهي عن سبِّه مذكورةً لأنه تعالى يقلِّب الخيرَ والشرَّ؛ فلا يستلزم ذلك مَنْعَ الذمِّ؛ ثالثُها: الرواية التي فيها: «فإنَّ اللهَ هو الدَّهرُ» انتهى؛ وهذه الأخيرةُ لا تعيِّن الرفعَ؛ لأنَّ للمخالف أَنْ يقول: التقدير فإنَّ الله هو الدَّهرَ يقلِّب فترجع للرواية الأخرى؛ وكذا تركُ ذِكرِ عِلَّةِ النهي لا يعيِّن الرفعَ لأنها تُعرَف مِنَ السياق أي: لا ذنبَ له فلا تسبُّوه»، [«فتح الباري» (٨/ ٥٧٥)، وانظر: «شرح مسلم» للنووي (١٥/ ٢)].

(١٠) «الصارم المسلول» لابن تيمية (٤٩٥).

(١١) أخرجه البخاريُّ في «تفسير القرآن» باب: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥ[البقرة: ١١٦] (٤٤٨٢) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ وبابُ سورةِ: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١[الإخلاص] (٤٩٧٤)، وبابُ قولِه: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢[الإخلاص] (٤٩٧٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «فرض الخُمُس» (٣٠٩١) و«المغازي» (٤٠٠٣)، ومسلمٌ في «الأشربة» (١٩٧٩) مِنْ حديثِ حسين بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عن أبيه رضي الله عنهما؛ وبوَّب له البخاريُّ في «الطلاق» باب الطلاق في الإغلاق والكره، والسكران والمجنون وأمرِهما، والغلطِ والنسيان في الطلاق والشِّرك وغيرِه.

(١٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٣/ ١٠٨)، «إعلام المُوقِّعين» لابن القيِّم (٣/ ٥٣).

(١٤) «المذكِّرة» للشنقيطي (٣٠).

(١٥) انظر: «شرح مختصر الروضة» للطوفي (١/ ١٨٠).

(١٦) أخرجه أبو داود في «الحدود» بابٌ في المجنون يسرق أو يُصيب حدًّا (٤٣٩٨)، والنسائيُّ في «الطلاق» بابُ مَنْ لا يقع طلاقُه مِنَ الأزواج (٣٤٣٢)، وابنُ ماجه في «الطلاق» بابُ طلاق المعتوه والصغير والنائم (٢٠٤١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

وأخرجه أحمد في «مسنده» (١٣٢٨، ١٣٦٢)، مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه.

(١٧) أخرجه أبو داود في «الحدود» بابٌ في المجنون يسرق أو يُصيب حدًّا (٤٤٠١، ٤٤٠٣)، وأحمد في «مسنده» (١١٨٣)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٥٠٨٩)، مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه.

وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢٣٥٠)، وأحمد في «مسنده» (٢٤٦٩٤، ٢٤٧٠٣)، والدارمي في «سننه» (٢٣٤٢)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١١٤٥٣)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٨) أخرجه أبو داود في «الحدود» بابٌ في المجنون يسرق أو يُصيب حدًّا (٤٤٠٢)، وأبو يعلى في «مسنده» (٥٨٧)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

وأخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٢١٦٠٠)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٩) صحَّحه النَّوويُّ في «الخلاصة» (١/ ٢٥٠)، وأحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٢/ ١٨٨)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٢٩٧).

(٢٠) القَوَدُ: القِصاصُ؛ [انظر: «الصِّحاح» للجوهري (٢/ ٥٢٨)].

(٢١) «الإجماع» لابن المنذر (١٤٤).

(٢٢) «المغني» لابن قدامة (٨/ ١٢٤).

(٢٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٤/ ١١٥).

(٢٤) «فتح القدير» لابن الهُمام (٦/ ٩٨).

(٢٥) أخرجه النسائيُّ في «الإيمان وشرائعه» بابُ تَفاضُلِ أهل الإيمان (٥٠٠٧) مِنْ حديث عمرو بنِ شُرَحْبِيلَ عن رَجلٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ فضلِ عمَّار بنِ ياسرٍ رضي الله عنهما (١٤٧) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٨٠٧).

(٢٦) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٦٨٩٦)، والحاكم في «مُستدرَكه» (٣٣٦٢) وقال: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يُخرِجاه»، ووافقه الذهبيُّ «تلخيص المُستدرَك»، وقال ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (١٢/ ٣١٢): «وهو مُرسَلٌ ورجالُه ثِقَاتٌ».

(٢٧) «الإيمان الأوسط» (١٠٢) و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٧) كلاهما لابن تيمية.

(٢٨) أخرجه أبو داود في «الطلاق» بابٌ في الطلاق على غلطٍ (٢١٩٣)، وابنُ ماجه في «الطلاق» باب طلاق المُكرَه والناسي (٢٠٤٦)، والحاكم في «مُستدرَكه» (٢٨٠٢، ٢٨٠٣)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الحاكم وردَّه الذَّهبيُّ وحسَّنه الألبانيُّ، [انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٢١٠)، «إرواء الغليل» (٢٠٤٧) و«صحيح الجامع الصغير» (٧٥٢٥) و«تخريج المشكاة» (٢/ ٩٧٩) كُلُّها للألباني].

(٢٩) انظر: «شرح السُّنَّة» للبغوي (٩/ ٢٢٢).

(٣٠) انظر: «سنن أبي داود» (٢/ ٦٤٣) عند الحديث رقم: (٢١٩٣).

(٣١) انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٣/ ٥٦٦، ٥/ ٢١٤)، و«الفروع» لابن مُفلِح (٥/ ٣٦٥).

(٣٢) «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٤٠٩)، وانظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٢١٥).

(٣٣) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٥٩) و«التحفة العراقيَّة: أمراض القلوب وشفاؤها» (٦٤) كلاهما لابن تيمية.

(٣٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ فضلِ مَنِ استبرأ لدِينِه (٥٢)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٩)، مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.

(٣٥) أخرجه مسلمٌ في «التوبة» (٢٧٤٧) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(٣٦) «مدارج السالكين» لابن القيم (١/ ٢٢٦).

(٣٧) «فتاوى نور على الدرب» لابن باز (٤/ ١٤٦) بعناية الشويعر.

(٣٨) رواه أبو داود في «الحدود» باب الحكم فيمَنْ سبَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم (٤٣٦١)، والنسائيُّ في «تحريم الدم» باب الحكم فيمَنْ سبَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم (٤٠٧٠)، والبيهقيُّ (١٣٣٧٥، ٢٠٤٣٤)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٦٥) وفي «صحيح سنن النسائي» (٣٧٩٤).

(٣٩) انظر: «الشِّفا» للقاضي عياض (٢/ ٢٣٠)، «تبصرة الحُكَّام» لابن فرحون (٢/ ٢٨٠)، «المعيار المعرب» للونشريسي (٢/ ٣٦١)، «لوامع الدُّرَر» للمجلسي الشنقيطي (١٣/ ٤٠٨).

(٤٠) انظر: «شرح الشِّفا» للملا علي القاري (٢/ ٤٨٩).

(٤١) أخرجه الطحاويُّ في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٩٥)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٩٨)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٧/ ٣٥٦)، مِنْ طريقِ الأوزاعيِّ عن عطاءٍ عن عُبَيد بنِ عُمَيرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا؛ وفي لفظ ابنِ ماجه في «الطلاق» (١/ ٦٥٩) بابُ طلاق المُكرَه والناسي: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي...»؛ وللحديث طُرُقٌ أخرى منها حديثُ أبي ذرٍّ وأبي هريرة وأبي الدرداء وابنِ عمر رضي الله عنهم؛ قال السخاويُّ في «المقاصد الحسنة» (٣٧١): «ومجموعُ هذه الطُّرُقِ يُظْهِرُ أنَّ للحديث أصلًا»، وقد صحَّحه ابنُ حزمٍ في «الإحكام» (٥/ ١٤٩)، وقال النوويُّ في «الأربعين»: «حديثٌ حسنٌ».

انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٢/ ٦٤)، «الدراية» (١/ ١٧٥) و«التلخيص الحبير» (١/ ٢٨١) كلاهما لابن حجر، «كشف الخفاء» للعجلوني (١/ ٥٢٢)، «جامع العلوم والحِكَم» لابن رجب (٣٥٠)، «المقاصد الحسنة» للسخاوي (٣٦٩)، «إرواء الغليل» للألباني (١/ ١٢٣).

(٤٢) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١٢٦)، والترمذيُّ في «تفسير القرآن» باب: ومِنْ سورة البقرة (٢٩٩٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.