الجواب على دعوى بَتْرِ النَّصِّ وبيانُ فسادها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 15 رجب 1444 هـ الموافق لـ 06 فبراير 2023 م

قال مُحرِّفُ عبارةِ الحاكميَّةِ ـ دفاعًا عن نفسه ومتهجِّمًا وطاعنًا على ردِّكم ـ ما يأتي: «أَشنَعُ أنواعِ التَّحريفِ المَذموم والذي يُعَدُّ مِنْ تحريف الكَلِمِ عن مواضعه الذي ذمَّ أصحابه في كتابه...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣٢٢

الصنف: فتاوى منهجية

الجواب على دعوى بَتْرِ النَّصِّ وبيانُ فسادها

السؤال:

قال مُحرِّفُ عبارةِ الحاكميَّةِ ـ دفاعًا عن نفسه ومتهجِّمًا وطاعنًا على ردِّكم ـ ما يأتي: «أَشنَعُ أنواعِ التَّحريفِ المَذموم والذي يُعَدُّ مِنْ تحريف الكَلِمِ عن مواضعه الذي ذمَّ أصحابه في كتابه: هو بَتْرُ كلامِ العلماءِ حتَّى يوافقَ ما يُقرِّرُه، وبترُ جزءٍ مِنَ الحديث لذلك، وهذا لا يفعله إلَّا المُعتدُّ بنفسه الذي يأبى الاعترافَ بخطئه، وليس العيبُ أَنْ يقع المرءُ في خطإٍ...»، ومقصودُه بالبتر المزعومِ هو ما وَرَدَ في الاعتراض رقم: (٦١) الموسوم ﺑ [تفنيد شُبُهاتِ المُعتَرِضين على فتوى «الإنكار العلني ـ بضوابطه ـ على وُلَاة الأمور»]، والعبارةُ المذكورة هي كالآتي: [ولهذا لمَّا قال سعيد بنُ جُبَيْرٍ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «آمُرُ السُّلْطَانَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ؟» فَقَالَ: «إِنْ خِفتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا»] حيث إنَّ لفظَ الحديثِ المَوقوفِ بتمامه هو: «إِنْ خِفْتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا(١)، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ..».

فيُرجى منكمُ الجوابُ عن هذه الجملةِ المحذوفة، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ هذا الطَّعنَ فِريةٌ مكذوبةٌ ليست لاصقةً ولا مُلازِمةً إلَّا لصاحِبِها المُحرِّف، وهو أَجدَرُ بها، فقَدْ حرَّفَ عبارةَ الحاكميَّةِ حتَّى يوافِقَ صحَّةَ طعنِه، كما لبَّس على النَّاسِ كلامَ العلماء في مواطنَ عديدةٍ، منها ما يظهر في صنيعه في دعوَى رجوع الشيخ العبَّاد عن فتواه، ودعوَى موافقة الشيخ الألبانيِّ له في حكم التَّباعد مع أنَّ له كلامًا صريحًا في الدلالة على بطلانها ما لم يكن صاحبُها مُضطَرًّا إلى ترك الاصطفاف، كما أنَّه حمَّل كلامَه في موضعَيْن آخَرَيْنِ ما لم يُرِدْهُ الألبانيُّ بكلامه ولا يحتمله حتَّى يتوصَّل بذلك إلى التَّشنيعِ بهما مع أنَّهما أَقرَبُ إلى الدَّلالة على موافقتي؛ مع أنِّي أكاد أَجزِمُ ـ مُتأسِّفًا ـ أنَّ المُحرِّفَ ـ أصلحَه الله ـ ما قرَأَ شيئًا بعينِ الإنصافِ والتَّجرُّد مِنَ الحَمْل ممَّا سطَّرتُهُ في مقالاتي ورُدُودي، ولكِنْ همُّه المفضَّلُ: الصُّراخ والتَّهويلُ والتَّلبيسُ باتِّهاماتٍ دنيئةٍ يأخذها بِعُجَرِها وبُجَرها مِنْ صانعها المَاكر، فيُشاركُ بها في هذه المَهمَّةِ التَّشنيعيَّةِ والتَّشويهيَّةِ القَذِرةِ مع مُعسكَرِ الغوغاءِ والطَّعن، وهي بعيدةٌ كُلَّ البُعدِ عمَّا هو حقيقيٌّ، بل تجدُه ـ لإقناعِ الآخَرِين ـ يُكثِرُ الصُّراخَ والصِّياحَ مُغالِطًا بها مِنْ غيرِ حُجَّةٍ على وجودِها ولا تثبُّتٍ مِنْ صِحَّتِها وحقيقةِ أمرِها ـ فاللهُ حسيبُهم ـ فهذه هي طريقَةُ المُفلِسين، فمَثَلُهم في ذلك كمَثَلِ الفَرُّوج؛ سَمِع الدِّيَكَةَ تصيحُ فصاح معها بصِياحِها(٢)، واللهُ المستعانُ على ما يَصِفون ويتَّهِمون.

وفي الحقيقة كنتُ عازمًا ـ ابتداءً ـ على ردِّ هذه الفِريةِ المكذوبةِ والشُّبهةِ المُصطنَعةِ التي انطلى كيدُها على كثيرٍ مِنْ ضِعاف الطَّلبة وعوامِّ السَّلفيِّين، غير أنَّه ـ والحمدُ لله ـ قد سبَقَتْني في الجواب عنها ردودُ أقلامٍ خَيِّرةٍ سيَّالةٍ بالعلمِ ومعرفةِ الحقائق، ترفعُ لواءَ الحقِّ، وهي على درايةٍ بمؤامرة المُدبِّرين وخِطَطهم؛ وعلى اطِّلاعٍ بمكرِ المُناوِئين منهم والمُلبِّسين، وتُدافِعُ عن الحقِّ بالبيِّنةِ الصَّادقةِ، فتَولَّتْ بنفسها ردَّ هذه الشُّبهةِ الواهية ردًّا مُفحِمًا، وإبطالَ زيفِ دعوى البَتْرِ وبيانَ الفرقِ بين البَترِ والحَذفِ بيانًا شافيًا، وقد أجادوا وأفادوا بما لا يَدَعُ مجالًا للشَّكِّ فيما انتهَوْا إليه مِنْ إحقاق الحقِّ فيها وإبطالِ كَذِبِهم ودعواهم، ومع ذلك لا يَزالُ القومُ لا يتجرَّدون عن الهَوى والغواية اللَّذَيْن هما شريكَا العَمَى والضَّلال؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ[فُصِّلَتْ: ١٧]، وقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢[النجم]، فتراهم ـ مع الأسف الشَّديد ـ بمَواقفِهم الشَّنيعة يَستمسِكون، وبشُبَهِهم المُتهافِتةِ يتردَّدُون، فهؤلاء ـ مع ما فاتَهم مِنْ فهمِ الدَّليلِ والحُجَّةِ وإدراكِهما ـ فقد فاتهم شيءٌ أعظمُ مِنْ ذلك وهو قلبٌ مليءٌ بالإيمان والتَّقوى ينصاع للصَّواب ويُذعِنُ للحقِّ؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١[الأنعام]، وقال الشاعر:

إنَّ الهوى غيرُ مدفوعٍ ولو جُمِعَتْ *** له القُوى أو عليه شنُّ غاراتِ

هذا، وفضلًا عمَّا جادت به أقلامُ الحقِّ في الرَّدِّ على المُفتَرين المُقلِّدين ـ قبَّح اللهُ قولَهم ـ بزعم البَتْرِ، حيث جاء في «تفنيد شُبُهاتِ المُعتَرِضين على فتوى: «الإنكار العلني ـ بضوابطه ـ على وُلَاة الأمور»» أثرُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ قال لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَمِيرِي آمُرُهُ(٣) بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ؟» فَقَالَ: «إِنْ خَشِيتَ(٤) أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا»(٥)، وفي روايةٍ أنَّه قال رجلٌ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «آمُرُ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ؟»، قَالَ: «إِنْ خِفْتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا تُؤَنِّبِ الإِمَامَ..»(٦)؛ ومع ذلك لا يزالُ أهلُ النَّكَدِ والتَّشويشِ ـ حطَّ الله كعبَهم، وكفانا شرَّهم، وأَبطلَ شِنْشِنَتَهم، وقبَّح صَعْفَقتَهم ـ يتعلَّقون بشُبهةِ البترِ ويُثيرون حولَها الشَّغَبَ، بقصدِ الصَّدِّ والتَّنفيرِ، لذلك رأيتُني مُضطَرًّا أَنْ أحملَ قلمي لأُضيفَ أمورًا أخرى ـ إزالةً للشُّبهةِ وطرحًا للشَّك ـ منها ما يأتي:

أوَّلًا: قوله: «وهذا لا يفعله إلَّا المُعتدُّ بنفسه الذي يأبى الاعترافَ بخطئه» فجوابي: أنَّ الأصل على مُدَّعِي الخطإ أَنْ يُثبِتَه بالدَّليل لا بمُجرَّد الخَرْصِ والاحتمالِ والتَّباكي استعطافًا لأتباعه؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ[البقرة: ١١١؛ وغيرها]، ووفاقًا لقولهم: «أَثبِتِ العرشَ ثمَّ انقُشْ»؛ فإذا كان العرشُ معدومًا أو مفقودًا فلا معنَى للنَّقش في الهواء أو السَّرابِ؛ أمَّا التَّخطئةُ بالاحتمالِ والتَّغليطُ بالظَّنِّ الباطلِ والرَّأيِ العاطل فإنَّما هي أوهامٌ لا قيمةَ علميَّة لها؛ ودعاوَى لا حقيقةَ لها؛ بل هي حُجَّةُ المُفلِسين؛ فلا يُلتفَتُ إليها، وكما قِيلَ:

«والدعاوى إِنْ لم يُقِيموا عليها *** بيِّناتٍ أصحابُها أَدعياءُ»

علمًا أنِّي لا أَنشرُ الفتاوى والمَقالاتِ والرُّدودَ والتَّوجيهاتِ إلَّا بعدَ التَّحقُّقِ مِنْ صِحَّةِ الدَّليلِ فيها، وصِحَّةِ دلالتِهِ على المَطلوبِ، والترجيحِ بين أدلَّةِ أقوالِ الأئمَّة التي ظاهرُها التَّعارُضُ بطُرُقِها المَعلومةِ؛ مع بذلِ كُلِّ ما في وُسعي مِنْ بحثٍ ووقتٍ وَجُهدٍ، دون الجزم بإصابةِ حُكمِ اللهِ تعالى، ولا أبتغي بها الخَلْقَ ولا تعظيمَهم لي ولا لها، إذ قد أُصيبُ وقد أُخطِئُ، فلا عصمةَ لآحادِ النَّاسِ بعد الأنبياءِ والرُّسُل، وصدري مفتوحٌ يتَّسعُ لأيِّ اقتراحٍ جادٍّ وهادفٍ، أو لأيِّ نقدٍ بنَّاءٍ يستند إلى الدَّليل الصَّحيح المُقنِعِ، وأُصحِّحُ ما ينبغي تصويبُهُ مِنَ الأخطاءِ إذا ثَبتَتْ مهما كانت في الشَّكل أو في المَوضوعِ، وأَشكرُ ـ دائمًا ـ النَّاقدَ مع اعترافي بالتَّقصير، ويشهد اللهُ أنَّني أسعى جاهدًا لِتصحيحِ كُلِّ خطإٍ خطَّته يميني في كُلِّ كتاباتي قبلَ أَنْ يُغمِضَ اللهُ عيني، فإذا وقع الحقُّ فأسأل اللهَ أَنْ يُسخِّرَ لمؤلَّفاتي مَنْ يُميطُ عنها سقيمَ الأقوال ـ إِنْ وُجِدَتْ ـ، غيرَ أنِّي ـ في كُلِّ ذلك ـ لا أتَّخذ العِلمَ فيها مَغنَمًا ولا مَكسَبًا دُنيويًّا، ولا مركزًا دِينيَّا، ولا مَنصِبًا أدبيًّا، ولا مَقصِدًا سياسيًّا، كما لا أَتَّخِذُها ذريعةً للطَّعن في أحَدٍ كائنًا مَنْ كان أو التَّشنيعِ عليه إلَّا مَنْ تَعدَّى وظَلَمَ، ولا أَسلُكُها تزلُّفًا لأحَدٍ حاكمًا كان أو مَحكومًا، إذ المَعلومُ أنَّه لا تُقبَلُ الأعمالُ إلَّا ما كان خالصًا لله وابتُغِيَ به وجهُهُ؛ لذلك فإنَّ دِيني واستشعارَ مراقبَةِ الله لِي تمنعني أَنْ أَغُشَّ النَّاسَ أو أُزوِّرَ عليهم الحقائقَ أو أَخُونَهم فيها أو أَتحايَلَ عليهم بكُلِّ ما كان سبيلُه القصدَ السَّيِّئَ مِنَ: التَّضليلِ، أو الكذبِ، أو البُهتان، أو المُغالطة، أو البترِ، أو التَّورية، أو غيرِ ذلك مِنَ الآفات القبيحةِ، خاصَّةً إذا كان الأمرُ يتعلَّق بإيرادِ أحكامٍ شرعيَّةٍ مِنْ فتاوَى باطلةٍ ومِنْ حُجَجٍ عاطلةٍ، أو توجيهاتٍ مُنحرِفةٍ فاسدةٍ، انتصارًا للنَّفس أو قصدًا لسُمعةٍ وشُهرةٍ، أو إرضاءً للخَلْق، فأعوذُ بالله مِنْ هذه المَقاصدِ الدَّنيئةِ ومِنْ آثارها السَّيِّئةِ التي لا تَليقُ بالمُسلمِ بَلْهَ الدَّاعية إلى الله تعالى.

ثانيًا: المعلومُ في القواعد العامَّة في الإملاء والتَّرقيم للمُبتدِئين: أنَّ للتَّرقيم علاماتٍ تُستخدَم وسيلةً مساعِدةً في البحث العِلميِّ لإنتاجِ مادَّةٍ عِلميَّةٍ وضبطِ نصِّها، لِتَيسيرِ فهمِها واستيعابِها للقارئ على نحوٍ مُستقيمٍ يَصونُهُ مِنَ الغُموضِ والإبهام وسوءِ الفهم فيما كُتِب مِنْ نصٍّ، لِتَظهرَ فيه قيمتُهُ العِلميَّةُ على وجهٍ سليمٍ دون الْتِباسٍ، مِثل علامة الاستفهام (؟) والنقطة (.) والفاصلة (،) والفاصلة المنقوطة (؛) والنُّقطتَيْن الفوقيَّتَيْن (:) وعلامة التَّعجُّب (!) والقوسين () والقوسين المعقوفين [] والشَّرطة (ـ) والشَّرطتين (ـ ..... ـ) وغيرها مِنْ علاماتِ التَّرقيم، وكُلٌّ منها يُستخدَمُ في حالاتٍ مُساعِدةٍ للباحثِ بغَرَضِ التَّدقيقِ اللُّغويِّ والإملائيِّ؛ ومِنْ بين علامات التَّرقيمِ: النُّقطُ الأُفُقيَّة (...) التي تُستعمَلُ بدلًا مِنْ عبارةِ: إلى آخِرِه ... أو اختصارًا: الخ، أو تُستعمَل للدِّلالة على مادَّةٍ محذوفةٍ في الاقتباس ـ وهو المطلوب ـ فالنُّقَطُ الأُفُقيَّة (...) دالَّةٌ دلالةً واضحةً على وجودِ محذوفٍ مِنَ النَّصِّ المُستغنى عنه للاختصار اكتفاءً بمحلِّ الشَّاهد، وهذا هو معنى الحذف الذي يُغايِرُ البَتْرَ الذي معناه القطعُ، وكلامٌ مبتورٌ: مُقتطَعٌ مِنَ السِّياق، وبَتْر الجملة: فقدان التَّتابع في الكلام، وهذا المعنى لم يحدث في سياق الحديث.

ثالثًا: أنَّ الأثرَ ـ في حدِّ ذاته ـ قد ورَدَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما خاليًا مِنَ الطَّرَف الذي اتُّهِمْتُ ـ ظُلمًا ـ ببتره، إذ ليس في الرواية التي أَتَيْتُ بها ما يتعلَّق بالسِّرِّ أصلًا، وقد جاء بيانُه مِنْ أصحاب الرُّدود على دعوى البَتر، وبيانُهم كافٍ لِمَنْ كان له قلبٌ أو ألقى السَّمعَ وهو شهيدٌ، لأنَّ الأثرَ ورَدَ بثلاثِ رواياتٍ مُختلِفةٍ مضمونًا يزيد بعضُها على بعضٍ، وإِنْ كانت بعضُ الرِّوايات بألفاظٍ متنوِّعةٍ، فمنها:

الرِّواية الأولى:

لفظ البيهقيِّ في «شُعَب الإيمان» (١٠/ ٧٣) رقم: (٧١٨٥): أَخبرَنا عليُّ بنُ محمَّدٍ المقرئ: أنا الحسن بنُ محمَّد بنِ إسحاق: نا يوسف بنُ يعقوب: نا عمرو بنُ مرزوقٍ: نا شُعبة، عن معاويةَ بنِ إسحاق قال: سمعتُ سعيد بنَ جبير قال: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ قلتُ: «أميري آمُرُه بالمعروف وأنهاه عن المُنكَر؟» قال: «إِنْ خَشِيتَ أَنْ يقتلك فلا»؛ وفي «التَّمهيد لِمَا في الموطَّإ مِنَ المعاني والأسانيد» لابن عبد البرِّ (٢٣/  ٢٨٢): حدَّثنا أحمد بنُ محمَّدٍ: حدَّثنا أحمد بنُ الفضل: حدَّثنا محمَّد بنُ جريرٍ: حدَّثنا محمَّد بنُ المثنَّى: حدَّثنا وهب بنُ جريرٍ: حدَّثنا شُعبةُ عن معاويةَ بنِ إسحاقَ عن سعيد بنِ جُبيرٍ قال: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: «آمُرُ بالمعروف وأنهى عن المُنكَر؟» قال: «إِنْ خَشِيتَ أَنْ يقتلك فلا».

والرِّواية الثَّانية: مِنْ «شُعَب الإيمان» (٧١٨٦): أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ: أنا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ: نا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: نا أَبُو عَوَانَةَ وَجَرِيرٌ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «آمُرُ إِمَامِي بِالْمَعْرُوفِ؟» قَالَ: «إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ»؛ زَادَ أَبُو عَوَانَةَ: «وَلَا تَعِبْ إِمَامَكَ».

والرِّواية الثَّالثة: رواية ابنِ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٣٧٣٠٧) قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «آمُرُ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ؟» قَالَ: «إِنْ خِفْتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا تُؤَنِّبِ الْإِمَامَ، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ»، وفي «مُعجَم ابنِ المقرئ» (١٢٣٠): حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأُشْنَانِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ: ثنا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «آمُرُ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟» فَقَالَ: «إِنْ خِفْتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا تُعَنِّفِ السُّلْطَانَ، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَفِي مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ».

واللَّفظ الذي جاء به المُعترضُ ليس فيه قولُ ابنِ عبَّاسٍ في الرِّواية الثَّالثة: «لا تؤنِّب الإمامَ» أو ما في معناه، فهو موافقٌ للَّفظ الثاني، ولا يسَعُ القولُ عمَّنْ روى أو استدلَّ باللَّفظ الأوَّل: إنَّه بتَرَ تمامَ الحديث، ولا عمَّنْ أتى بالثَّاني: إنَّه بتَرَ مِنْ وسطِه، وكيفما كان فتبقى صيغةُ النهيِ مقيَّدةً بخشية القتل ونحوِه، والنهيُ هنا يحتمل الرُّخصةَ في تركِ واجب النُّصح أو الإنكارِ عند خوف القتل لأنَّ النُّصحَ وإنكارَ المُنكَرِ واجبان سَقَطَا عند خوف القتل، ويحتمل تحريمَه لإفضائه إلى مفسدةِ قتلِه وقتلِ غيره، أو تحريمَ الإعلان بالنُّصح أو الإنكار، أو تحريمَ التَّأنيب؛ وقد أَوردَه ابنُ رجبٍ في «جامع العلوم والحِكَم» (٧٧) دون إسنادٍ بلفظ: «وسُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن أمر السُّلطان بالمعروف ونهيِه عن المُنكَر فقال: «إِنْ كُنتَ فاعلًا ولا بُدَّ ففيما بينك وبينه»»، فأَسقطَ ذِكرَ الخشيةِ والخوف مِنَ القتل ونحوِه كما أَسقطَ ذِكرَ التَّأنيب، فلئن تَجاوَزْنا عن إسقاطِ ذِكرِ التَّأنيب فما نقول في إسقاطِ ذِكرِ خوف القتل: هل نقول: إنَّ ابنَ رجبٍ بتَرَ مِنْ وسط الأثر؟!

ثمَّ إنِّي قد أَستشهِدُ بأثرِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بما تَيسَّر مِنْ ألفاظه بحسَبِ المَقام وبحديثِ عياض بنِ غَنْمٍ الفِهريِّ رضي الله عنه في النَّصيحةِ السِّرِّيَّةِ(٧) في عِدَّة مواضعَ مِنْ مقالاتي ورُدُودي وفتاوايَ؛ وهي موجودةٌ على الموقع، فأَذكُرُ بعضَ العناوينِ منها:

ـ «في ضوابط نصيحة أئمَّة المسلمين [حُكَّامًا وعلماء]»

بتاريخ: ٢٣ مِنَ المحرَّم ١٤٣١ﻫ ـ الموافق ﻟ: ٠٩ جانفي ٢٠١٠م.

ـ «في حكم الإنكار العَلَني على وُلَاة الأمر»

بتاريخ: ١٧ شوَّال ١٤٤٢هـ  ـ المُوافق ﻟ: ٢٩ ماي ٢٠٢١م.

ـ «في توضيح إشكال معترض على حكم الإنكار العَلَني على وُلَاة الأمر»

بتاريخ: ٢١ شوَّال ١٤٤٢هـ  ـ المُوافق ﻟ: ٠٢ جوان ٢٠٢١م

ـ «تبصيرُ الأنام شرح أصول الولاية في الإسلام مِنْ خُطبة الصِّدِّيق رضي الله عنه» ـ الأَصلُ السَّادسُ، [الحلقةُ السَّابعةَ عَشْرَةَ].

بتاريخ: ١ ربيع الثاني ١٤٤٣هـ ـ الموافق ﻟ: ٠٦ نوفمبر ٢٠٢١م

فتَبيَّن بعد الرُّجوع إلى لفظ الأثر مِنَ المصادر الحديثيَّة التي ذكَرَتْه أنَّه ينتهي حيث انتهَيْتُ، وأنَّ الذي تمامُه الجملةُ التي أَوردَها المعترضُ: إنَّما هو اللَّفظُ الثاني، وأنِّي قد ذكرتُه بنحوه في فتوى الإنكار العلنيِّ الأولى وسؤال الثانية بزيادة التأنيب موافقًا للرواية الثالثة، وأجَبْتُ في الفتوى المُعترَض عليها عن حديثِ أسامةَ وحديثِ عياضٍ رضي الله عنهما وهما في معنَى أثرِ ابنِ عبَّاسٍ ـ فضلًا عن ثبوتِ إنكارٍ علنيٍّ في غيبة الحاكم عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ـ أَجَبْتُ بجوابٍ تجتمع به الآثارُ والنصوصُ بما يُغني عن إعادته في الفتوى الثالثة، لا سيَّما أنَّ موضعَ الاستشهادِ به كان في المنع مِنَ الإنكار إذا كان يُفضي إلى مفسدةٍ سِرًّا كان أم علنًا، وإِنْ كان يُفضي إلى المفسدة إِنْ كان علنًا ولا يُفضي إليها سرًّا فيجب إنكارُه سِرًّا ولا يجوز علنًا ولا يسقط واجبُ الإنكار لإمكانه سِرًّا، فقَدْ قيَّد النُّصحَ أو الإنكارَ أو التَّأنيبَ بالأمن مِنَ القتل، لكنَّ المعترضَ حذَفَ ذِكرَ التَّأنيبِ في عبارةِ: «فَلَا تُؤَنِّبِ الْإِمَامَ» الواردةِ في الرواية الثَّالثة، وهي تحتمل أَنْ تكون المُرادةَ بما أَوردَه المعترضُ بعده مِنَ الأثر، فلا يكون لاعتراضه إذ ذاك وجهٌ؛ لأنَّ قولَه: «فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ»، يحتمل أَنْ يراد به: إِنْ كُنتَ لا بُدَّ آمرًا بالمعروف، ويحتمل أَنْ يراد به: إِنْ كُنتَ لا بُدَّ مؤنِّبًا، وهو الأقوى لأنه آخِرُ مذكورٍ وإِنْ كان الأوَّلُ واردًا ومقصودًا أيضًا، والتأنيبُ لغةً هو: اللَّومُ الشَّديد أو المبالغةُ في التوبيخ والتعنيف(٨)، والتأنيبُ الذي يَعنيه هنا وقيَّد النهيَ عنه بخوف القتلِ ونحوِه ينبغي أَنْ يكون ما لا يُنافي النَّصيحةَ والأدبَ مِنْ غيرِ إهانةٍ للسُّلطانِ عند وجودِ مُقتضِيه، وليس ذلك لأيِّ أحَدٍ، لأنه بذِكرِ القيدِ أَشعرَ أنَّ منه ما يسوغ عند أمنِ ذلك، وإنَّما يجوز ذلك لمَنْ له منزلةٌ عند ذي السُّلطان وتأثيرٌ ـ خاصَّةً دون غيرِه ـ عند وجودِ داعِيه وعدمِ المفسدة مع رجاءِ تحقُّق المرغوب منه كما تشهد له جملةٌ مِنَ الآثار، لأنَّ التأنيبَ غالبًا يؤدِّي إلى النفرةِ مِنَ المؤنِّب والحقدِ عليه إلَّا إذا كان له منزلةٌ عاليةٌ عند المؤنَّب، وليس مُرادُه هنا: ما يقتضي التَّشهيرَ أو التَّشفِّيَ أو التَّنقيصَ، فهذا لا يسوغ ولا يفيد المطلوبَ.

رابعًا: الاقتصارُ على محلِّ الشَّاهد، فمَثَلُ أثرِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما الذي اشتمل على معنيَيْن في جُملتين مُستقِلَّتين كمَثَلِ قولِه تعالى: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً[النساء: ٣]، فعلى تفسيرِ مَنْ فسَّره:

أنَّ المَقصود مِنْ ظاهر الجُزء الأوَّل مِنَ الآية: أنَّ الزَّواجَ بأكثرَ مِنْ واحدةٍ مشروطٌ بالعدلِ بين الزَّوجات في المَبيت والنَّفقة.

وأمَّا الجزء الثاني مِنَ الآية وهو قولُه: ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً﴾ فالمقصود منه: الاقتصارُ على واحدةٍ فيما إذا خافَ عدمَ العدل بينهنَّ.

فإِنِ اقتصر أحَدُهم في الاستدلال بقوله: ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً﴾ على حُكمِ مَنْ لم يستطعِ العَدْلَ بين الزَّوجتين أو الزَّوجات، وخاف الجَوْرَ في التَّعدُّد، فهو محلُّ الشَّاهدِ مِنَ الآيةِ؛ فلا يَلْزَمُه أَنْ يأتيَ مِنَ الدَّليل إلَّا بما يُناسِبُ الحكمَ الَّذي يريد تقريرَه؛ وعليه، فلا يجوز ـ شرعًا ـ أَنْ يُشنَّعَ عليه ـ كذبًا ومَيْنًا ـ بأنَّه بَتَرَ الجُملةَ الأولى مِنَ الآيةِ المُتعلِّقةَ بحُكمِ مَنْ يستطيعُ العدلَ بينهنَّ، وذلك للاختلاف بينهما في الحكم؛ لأنَّ الحكم الأوَّل تامُّ المعنى لا يتوقَّف فهمُه على الحكم الثَّاني الذي هو ـ كذلك ـ تامُّ المعنى لا يتوقَّف على الحكم الأوَّل.

وكذلك في مسألتنا اقتصرتُ على بيان الجانبِ المَنطوقِ في أثرِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما وهو عمومُ الإنكار، ويظهر ذلك أنَّه إذا خاف مفسدةَ القتلِ أو ترتَّب شرٌّ أو مهلكةٌ فلا يجوز له فيه الإنكارُ العَلَنيُّ، وإنَّما يُشرَع فيه الإنكارُ السِّرِّيُّ إِنْ لم يُفضِ هو ـ أيضًا ـ إلى مفسدةٍ(٩)، وهو ما يُستفادُ مِنْ قولِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «آمُرُ السُّلْطَانَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ؟» فَقَالَ: «إِنْ خَشيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا»، وفي روايةٍ أنَّه قال رجلٌ لابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «آمُرُ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ؟»، قَالَ: «إِنْ خِفْتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا تُؤَنِّبِ الإِمَامَ...» فكان فيه مراعاةٌ لمقاصد التَّشريع في باب الإنكار على وُلَاة الأمر.

وهذا الجانب المذكورُ مِنَ الإنكار السِّرِّيِّ هو الذي يدلُّ عليه بقيَّةُ الأثرِ المحذوفِ في قوله: «فَإنْ كُنْتَ لا بُدَّ فاعِلًا فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ»؛ ولم يحدث في منطوقِ سياقِ الحديث أيُّ إخلالٍ بالتَّتابُعِ في الكلام، فليس فيه ـ كما يدَّعي المعترضُ ظلمًا ويتقوَّل رجمًا بالظنِّ ـ أنِّي أبترُ كلامَ العلماءِ حتَّى يوافقَ ما أُقرِّرُه وأبترُ جزءًا مِنَ الحديث لذلك؛ فكيف ـ إذن ـ فُهِم البترُ المزعومُ والتَّحريفُ المَذموم سوى بالتَّقوُّلِ عليَّ بالظَّن والخَرص؟ قال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ[الأنعام: ١١٦؛ وغيرها].

لكنَّ الجانبَ المُتعلِّق بالمفهوم مِنْ أثرِ ابنِ عبَّاس رضي الله عنهما في قوله: «إِنْ خِفْتَ [خشيت] أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا» وفي قوله: «إِنْ خِفْتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا تُؤَنِّبِ الإِمَامَ...» فقَدْ علَّق عِلَّةَ المَنْعِ مِنَ الإنكار العَلَنيِّ على حالتَيْ تأنيب الإمام وخشيةِ المَهلكة مجموعتَيْن كانتا أو مفصولتَيْن، ومفهومُه أنَّه إذا انتفت عِلَّةُ المنعِ جاز الإنكارُ العَلَنيُّ، فإنَّ حُكمَ المنعِ يزول بزوال عِلَّته وهي خشيةُ المفسدة، وهذا هو المعنى الذي ذكَرَه ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما وهو بنفسه عَمِل به في إنكاره على عليٍّ رضي الله عنه في غَيبته:

فعن عكرمة: «أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «لَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وَلَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ»»، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: «صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ»»(١٠)، فأَنكرَ ابنُ عبَّاسٍ على عليٍّ رضي الله عنهم علنًا في غَيْبته مع إمكان الإنكار السِّرِّيِّ، إذ لا شيءَ يمنعه مِنَ الدُّخولِ على عليٍّ رضي الله عنه أو مُراسَلَتِه بكتابٍ مختومٍ لا يَطَّلِع على مضمونِه الرسولُ إِنْ لم يكن ببلده، ولكِنْ لمَّا انتفت العلَّةُ ودَعَتِ المصلحةُ إلى فِعلِه لم يتردَّدْ في الإنكار.

هذا، ولو استُدِلَّ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ بأثرِ ابنِ عبَّاسٍ مع عليٍّ رضي الله عنهم على أنَّه لا يُشترَطُ في الإنكار العلنيِّ تعذُّرُ الإنكار السِّرِّيِّ، بل يكفي في مشروعيَّةِ الإنكارِ العلنيِّ انتفاءُ المفسدةِ لمَا كان معناه بعيدًا.

علمًا أنَّ هذا المعنى مِنَ الإنكار العلنيِّ عند خُلُوِّ المفسدةِ والتَّهلكة قد أَقرَّه كثيرٌ مِنَ الصَّحابة الكرام، وقد ساق ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ جملةً منها(١١)، وفضلًا عن ذلك فقد أَضَفْتُ بعضَ آثارِ السَّلفِ الدَّالَّةِ على الإنكار العلنيِّ وهي مذكورةٌ في [تفنيد شُبُهاتِ المُعتَرِضين على فتوى: «الإنكار العلني ـ بضوابطه ـ على وُلَاة الأمور»].

ولكِنْ كما قال الشاعر:

وعَيْنُ الرِّضا عن كُلِّ عيبٍ كليلةٌ *** كما أنَّ عينَ السخطِ تُبدِي المَساوِيَا

تنبيهٌ:

لا شكَّ أنَّ الحقَّ يَعلو ولا يُعلى، وأنَّ المَزاعمَ والشُّبهاتِ الزَّائفةَ والافتراءاتِ المُضلِّلَةَ إنَّما يستعملها المُتهجِّمون المُفتَرُون الذين لا يشعرون بالمراقبة الإلهيَّةِ ولا يكترثون لواقعِ الدَّعوة وخطورةِ المُلابسات عليها، بل شُغلُهم الشَّاغلُ في ذلك هو في تلميعِ صورتِهم بالوقيعةِ والشَّتيمة، وتبرئةِ ساحتِهم لكسبِ مِصداقيَّتِهم عند المُوافِقِين لهم والمُناصِرين، وتوسيعِ دائرةِ عناصرهم على السَّاحة الدَّعويَّة؛ وهم يعرفون ـ في قَرارةِ أنفُسِهم ـ حقَّ المعرفةِ أنَّهم يَرمون بريئًا بأكاذيبَ مُختلَقةٍ، وأَنْ ليس لهم سبيلٌ لِتَلافِي تَرَدِّيهم وتَهافُتِهم إلى الحضيض سوى باستهداف الشَّخص الذي بين أَعيُنِهم واتِّخاذه مِشجَبًا للطَّعن في دِينِه ومنهجه، يعلِّقون عليه التُّهَمَ الباطلةَ والادِّعاءاتِ الكاذبةَ لِتَطويلِ عُمر الخلاف، والخروجِ مِنَ الباب الواسع، وكما قِيلَ: «الحقُّ أبْلَجُ والباطلُ لَجْلَجُ»، وكِلَا الأمرين مُنكشِفٌ لا محالةَ، والعاقبةُ ـ دومًا ـ للحقِّ، والغلبةُ لأهله ولو بعد حين.

هذا، ولمَّا كانت مِثلُ هذه الرُّدودِ تستهلك منِّي وقتًا ليس بالهيِّن على حسابِ أعمالٍ عِلميَّةٍ ودعويَّةٍ أخرى أكثرَ نفعًا وأعظمَ فائدةً، لذلك رأيتُني مُضطَرًّا إلى غَلقِ بابِ هذا النَّوعِ مِنَ الرُّدود؛ والاشتغالِ بما هو أَجدَى وأصلحُ للعملِ وأَسْلَمُ للعاقبة، علمًا أنَّ امتداحَ المخالفين المُناوئين لي ـ مِنْ قبلُ ـ وإثناءَهم لم يكن ـ أبدًا ـ لِيُقدِّمني ولا لِيَرفعني في شيءٍ في أمورِ دِيني ودُنْيايَ، بل العكس هو الصَّحيح، وأنَّ ذمَّهم لي وقَدْحَهم ـ حاليًّا ـ لم يكن ليُؤخِّرني ولا ليُوهِنَني في شيءٍ؛ لأنَّ الحقَّ يَعلو بالإخلاصِ والصِّدقِ في القولِ والعملِ، فلهم ـ حينَئذٍ ـ أَنْ يقُولوا عنِّي ما يشاؤون ويرغبون، والحمدُ لله الَّذي قيَّض رجالًا أَكْفاءً يَذُبُّون عن الحقِّ، ويردُّون الباطلَ، ويصدُّون اعتداءَ المُعتدين المُتطاوِلين بأَلْسِنتهم وأقلامهم، قال أبو تمَّامٍ الطائيُّ:

ولَسْتَ بِناجٍ مِنْ مَقالَةِ طاعِـنٍ *** ولَوْ كُنْتَ في غارٍ عَلى جَبَلٍ وعْرِ

ومَنْ ذا الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّاسِ سالِمًا *** ولَوْ غابَ عَنهُمْ بَيْنَ أجْنِحَةِ النَّسْرِ(١٢)

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ جمادى الأولى ١٤٤٤هـ
المُوافـــق ﻟ: ٠٦ ديــــسمبر ٢٠٢٢م



(١) سقَطَ مِنَ اللَّفظ الذي ساقه المعترضُ قولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في الرواية الأتمِّ: «فلا تؤنِّب الإمام» رغم ورودها في اللفظ الثالث للأثر مع الزيادة التي أَوردَها المعترضُ وزعَمَ أنِّي بتَرْتُها، وهي زيادةٌ تجعل دلالةَ ما أَوردَه المعترضُ في الأثر مُحتمِلةً، وإِنْ لم يكن إسقاطُها حاكمًا له عليَّ كما سيأتي في متن الفتوى لِتَقيُّد النهيِ بحالةِ خشيةِ القتل.

(٢) قال ابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٩/ ٣٠٥) في ترجمةِ أبي سَلَمةَ عبدِ الله بنِ عبد الرحمن بنِ عوفٍ الزُّهريِّ: «قال [ابنُ شهابٍ] الزُّهريُّ: قال أبو سَلَمة: «لو رَفَقْتُ بابنِ عبَّاسٍ لَأَفَدْتُ منه علمًا كثيرًا»؛ قال: وكان أبو سَلَمةَ ينازع ابنَ عبَّاسٍ في المسائل ويُمارِيهِ؛ فبلَغَ ذلك عائشةَ فقالت: «إنما مَثَلُك ـ يا أبا سَلَمةَ ـ مَثَلُ الفرُّوج: سَمِعَ الدِّيَكةَ تصيح فصاح معها» يعني: أنك لم تبلغ مبلغَ ابنِ عبَّاسٍ وأنت تُمارِيه».

(٣) واللَّفظ في الفتوى المعترض عليها: «آمُرُ السُّلْطَانَ ..»، والموافق للرِّواية هو المُثبَتُ في متنِ هذه الفتوى.

(٤) واللَّفظُ في الفتوى المعترض عليها: «خِفتَ»، وهو بالمعنى.

(٥) «شُعَب الإيمان» للبيهقي (٧١٨٥)، وليس في هذا اللَّفظ أيُّ حذفٍ، وإنَّما الحذف هو في اللَّفظ الثاني.

(٦) «مصنَّف ابنِ أبي شيبة» (٣٧٣٠٧)، وتمامُ هذا اللفظ: «فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ»، مع ملاحظةِ أنَّ المُعترِضَ حذَفَ ـ إمَّا سهوًا إِنْ كان أَوردَه مِنْ حفظه وإمَّا عمدًا إِنْ كان نقَلَه مِنْ كتابٍ هي فيه وأَسقطَها منه ـ حذَفَ قولَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «.. تؤنِّبِ الإمامَ»، وهي تفتح في الأثر أبوابًا مِنَ المعاني؛ فإِنْ كان حذَفَها عمدًا دون بيانٍ لموضع الحذف المتوسِّط بالنُّقَط فهذا مِنْ أَشنَعِ البتر، فعَلَه حتَّى يَتِمَّ له عند أتباعه قبولُ شناعتِه عليَّ تسليمًا دون اعتراضٍ منهم.

(٧) يُلاحَظ مِنْ قصَّةِ حديثِ الأميرِ عياض بنِ غَنْمٍ القُرَشيِّ الفِهريِّ رضي الله عنه أنَّ فيه إنكارًا على هشامِ بنِ حكيمِ بنِ حزامٍ القُرَشيِّ الأَسَديِّ رضي الله عنهما في أَمْرَين:

الأوَّل: الإعلان بالنصيحة كما هو ظاهرُ الاستدلال بالحديثِ وإِنْ لم تُصرِّح القصَّةُ بذلك، ولا يَلْزَمُ أَنْ يكون هشامٌ أَنكرَ عليه بحضرةِ رجاله أو النَّاسِ.

والثاني: هو الإغلاظ في مخاطبة الأمير، وهو ظاهرٌ مِنْ كلامِ الأمير عياضٍ في القصَّة؛ ولا شكَّ أنَّ الحكمةَ المُرشِدةَ إلى الإسرار بالنصيحة مُرشِدةٌ بالأَوْلى إلى ترك الإغلاظ الذي صرَّحَتِ القصَّةُ بذِكرِه إلَّا إِنْ كان إليه داعٍ كما في بعض الآثار التي فيها استثناءُ ذلك؛ ولا شكَّ أنَّ هشامًا لو لم يُغلِظْ لعياضٍ أوَّلَ الأمرِ وخاطبه بقولٍ ليِّنٍ ولو علنًا فإنه يكون أَدْعَى لقَبوله وعدمِ غضبِه ممَّا لو أَغلظَ له ولو خاليًا؛ وبالأَوْلى إِنْ كان خطابُه بتذكيره بحديثِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تعذيب النَّاس؛ فإنَّ عياضًا كان محمودًا في إمارته، وقَّافًا عند المَحارِم.

أمَّا حديثُ عياضِ بنِ غَنْمٍ الفِهْريِّ رضي الله عنه في الإرشاد إلى الإسرار بالنصيحة فهو: عند أحمدَ: عن شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ: جَلَدَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ صَاحِبَ دَارَا حِينَ فُتِحَتْ، فَأَغْلَظَ لَهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ الْقَوْلَ حَتَّى غَضِبَ عِيَاضٌ، ثُمَّ مَكَثَ لَيَالِيَ فَأَتَاهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ هِشَامٌ لِعِيَاضٍ: «أَلَمْ تَسْمَعِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا: أَشَدَّهُمْ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا لِلنَّاسِ»؟» فَقَالَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ: «يَا هِشَامُ بْنَ حَكِيمٍ، قَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْتَ، وَرَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ»؟، وَإِنَّكَ ـ يَا هِشَامُ ـ لَأَنْتَ الْجَرِيءُ إِذْ تَجْتَرِئُ عَلَى سُلْطَانِ اللهِ! فَهَلَّا خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ السُّلْطَانُ، فَتَكُونَ قَتِيلَ سُلْطَانِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى!» [أخرجه أحمد (١٥٣٣٣)؛ قال محقِّقو طبعةِ الرسالة مِنَ «المُسنَد»: «صحيحٌ لغيره دون قولِه: «مَنْ أراد أَنْ يَنْصَحَ لسلطانٍ بأمرٍ ..» فحسَنٌ لغيره، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ لانقطاعه: شُرَيْحُ بنُ عبيدٍ الحضرميُّ لم يذكروا له سماعًا مِنْ عياضٍ ولا مِنْ هشامٍ، ولعلَّ بينهما جُبَيْرَ بنَ نُفَيْرٍ كما في روايةِ ابنِ أبي عاصمٍ»؛ وانظر: «ظِلال الجنَّة» للألباني (٢/ ٥٢١ ـ ٥٢٣)].

فإنَّ حديثَ هشامٍ أقوى منه، فهو في مسلمٍ عَنْ عروة بنِ الزبير عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ [مِنَ الأنباط]، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الزَّيْتُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قِيلَ: «يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ»، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا»؛ وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: قَالَ: «وَأَمِيرُهُمْ ـ يَوْمَئِذٍ ـ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا» [أخرجه مسلمٌ (٢٦١٣)، وأحمد (١٥٣٣٠، ١٥٣٣٢)، وبرقم: (١٥٣٣٥) بذِكرِ عياضٍ بدلَ عُمَيْر بنِ سعدٍ].

(٨) قال ابنُ الأثير في «النهاية» (١/ ٧٣): «(أنب) في حديثِ طلحةَ رضي الله عنه «أنه قال: لمَّا مات خالد بنُ الوليد استرجع عمرُ رضي الله عنهما، فقلتُ: «يا أميرَ المؤمنين:

ألَا أراك بُعَيْدَ الموتِ تَندُبُني *** وفي حياتِيَ ما زوَّدْتَني زادي»

فقال عمرُ: «لا تؤنِّبني»».

التأنيب: المبالغة في التوبيخ والتعنيف.

ومنه حديث الحسن بنِ عليٍّ لمَّا صالَحَ معاويةَ رضي الله عنهم قِيلَ له: «سوَّدْتَ وجوهَ المؤمنين» فقال: «لا تؤنِّبْني».

ومنه حديثُ توبةِ كعب بنِ مالكٍ رضي الله عنه: «ما زالوا يؤنِّبونَني»».

(٩) وبالمقابل فإنَّ الإنكارَ السِّرِّيَّ ـ أيضًا ـ إذا كان يُحدِثُ إنكارُه مفسدةً ويترتَّب عليه شرٌّ، فإنَّ حُكْمَه: منعُ الإنكارِ السِّرِّيِّ وسقوطُ وجوبِه في هذه الحال مع بقاء الإنكار القلبيِّ؛ لأنَّه لا يسقط بحالٍ، لكِنْ يزول حكمُ المنعِ بزوال عِلَّته وهي خشية المفسدة، أي: ليس معنَى ذلك سوى سقوطِ وجوب الإنكار السِّرِّي مع بقاء أصله، ومتى زالت علَّةُ المفسدة عاد حكمُه في وجوب الإنكار السِّرِّيِّ إذا تحقَّقَتْ شروطُه وانتفَتْ موانعُه، فهو كمُقابِله لا يجوز نفيُه مُطلَقًا لنفسِ العلَّة المذكورة آنفًا، وإلَّا كان نفيَ شطرِ النصِّ، وردُّ النُّصوصِ جريمةٌ وصنيعُ أهل الأهواء؛ لأنَّ المعلومَ أنَّ الشَّيء يُعطَى حُكمَ نظيره، ويُنفَى عنه حكمُ مُخالِفه، فهو مِنْ قبيل الجمع بين المتماثلات لا التَّفريقِ بينها؛ وما ذُكِر مِنَ المعارضة ـ في هذا الباب ـ فغيرُ صحيحةٍ؛ لأنها تُؤدِّي إلى ترك العمل بالنَّصِّ عند انتفاءِ عِلَّةِ التَّرْك مع عدمِ اطِّرادها، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ يخالف المنقولَ ومُقتضَيَاتِ المعقول، إذ المعارضةُ الصَّحيحة هي التي يمكن طَرْدُها، وليس أمرُ المُعترِضين كذلك.

(١٠) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» باب: لا يُعذَّب بعذاب الله (٣٠١٧)، واللَّفظُ للترمذيِّ في «الحدود» بابُ ما جاء في المُرتدِّ (١٤٥٨).

(١١) انظر: كلامَ ابنِ القيِّم في «إعلام الموقِّعين» (٤/ ١١٠).

(١٢) انظر: «موسوعة الرقائق والأدب» لياسر الحمداني (٢٠٥٨).