«التصفيف السابع والأربعون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاة والسلام (١)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 9 المحرم 1440 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2018 م

العقائد الإسلاميَّة
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّة

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حَفِظه الله ـ

«التصفيف السابع والأربعون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاة والسلام (١)»

[الفصل السابع والسِّتُّون: الحكمة مِنْ بعثِ الرُّسُل وصِفَةُ اختيارهم](١)

إِنَّ الرَّبَّ الحَكِيمَ ـ جَلَّ جَلَالُهُ ـ خَلَقَنَا لِعِبَادَتِهِ، وَفِي عِبَادَتِهِ كَمَالُنَا وَسَعَادَتُنَا، وَعِبَادَتُهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَنَا وَنَهَانَا وَأَبَاحَ لَنَا، وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا بَيَّنَهُ لَنَا؛ فَاخْتَارَ [مِنَّا ـ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً ـ](٢) قَوْمًا فَطَرَهُمْ اللهُ(٣) عَلَى الفَضَائِلِ وَالكَمَالَاتِ، وَعَصَمَهُمْ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالنَّقَائِصِ، وَهَيَّأَهُمْ لِمُلَاقَاةِ المَلَائِكَةِ الأَطْهَارِ؛ لِيَتَلَقَّوْا مِنْهُمْ وَحْيَ اللهِ وَبَيَانَهُ لِلْعِبَادِ؛ فَيُبَلِّغُوهُ إِلَيْهِمْ، وَيَكُونُوا قُدْوَةً لَهُمْ فِي تَنْفِيذِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ؛ وَهَؤُلَاءِ هُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ(٤) عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِهِمْ كُلِّهِمْ، مَنْ عَرَفْنَا مِنْهُمْ ـ بِتَعْرِيفِ اللهِ ـ وَمَنْ لَمْ نَعْرِفْ(٥)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦[الذاريات]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡ[الأنفال: ٢٤]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ[البيِّنة: ٥]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ[الشورى: ٥٢]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣[آل عمران]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ[إبراهيم: ١١]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥ رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ[الدخان: ٥ ـ ٦]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧[ص]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥ(٧)[الأنعام: ١٢٤]، وَلِقَوْلِهِ(٨): ﴿قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥[الإسراء]، [وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى](٩): ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا ٢٧ لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ[الجن: ٢٦ ـ ٢٨]، وَلِقَوْلِهِ(١٠): ﴿فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡ[الأنعام: ٩٠]، [وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى](١١): ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦ[البقرة: ٢٨٥]، وَلِقَوْلِهِ(١٢): ﴿مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَ[غافر: ٧٨].



(١) «م.ر.أ»: «الإيمان بالرُّسُل»، «م.ر.ب»: «الرُّسُل»، «م.ف»: «ترجمة: عقائد الإيمان».

(٢) «م.ف»: «ـ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً ـ مِنَّا»، تقديمٌ وتأخير.

(٣) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٤) قبل التعرُّض للإيمان بالرُّسُل والأنبياء ـ باعتباره أصلًا مِنْ أصول الإيمان ـ فإنَّ المَقام يقتضي التعريفَ بمعنى «الرسول» و«النبيِّ» وإقامةَ الفرق بينهما.

فالرسول ـ في اللغة ـ مُشتَقٌّ مِنَ الإرسال، ومعناهُ: البعثُ والتوجيه والإطلاق والامتداد، يقال: «أرسَلْتُ فلانًا في رسالةٍ» أي: بعَثْتُه، فهو مُرْسَلٌ ورسولٌ؛ قال تعالى ـ حاكيًا قولَ مَلِكة سَبَإٍ ـ: ﴿وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥[النمل]، ويُجْمَعُ «الرسول» على: «أَرْسُلٍ» و«رُسُلٍ» و«رُسَلاءَ»، وإنما سُمُّوا بذلك لأنهم موجَّهون مِنَ الله تعالى ومبعوثون برسالةٍ مُعيَّنةٍ لتبليغِ وحيِه وشرعِه وأوامِرِه لخَلْقِه؛ فهُمْ مكلَّفون بحمل الرسالة وتبليغِها ومُتابَعتِها؛ قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ[الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَا[المؤمنون: ٤٤]، [انظر: «المُفْردات» للراغب (٢٠٠)، «لسان العرب» لابن منظور (٥/ ٢١٣)، «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (١٣٠٠)].

أمَّا النبِيءُ ـ في اللغة ـ فمُشتَقٌّ مِنَ النبإ وهو الخبرُ كما قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ١ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ٢[النبأ]، أو هو مُشتقٌّ مِنَ النَّبْوَة أو النَّبَاوة وهي الارتفاع عن الأرض، كما يُطْلَقُ النبيُّ ـ بدون همزٍ ـ على الطريق، وكُلُّ هذه المعاني اللغوية ـ مِنْ حيث مُناسَبتُها ـ مُوافِقةٌ للمعنى الشرعيِّ للنبوَّة؛ لأنها إخبارٌ عن الله تعالى، وهي مَقامٌ رفيعٌ ومكانةٌ عاليةٌ مُنيفةٌ لصاحِبِها، وهي طريقٌ مُوصِلٌ إليه ـ سبحانه وتعالى ـ [انظر: «غريب الحديث» للخطَّابي (٣/ ١٩٣)، «مقاييس اللغة» لابن فارس (٥/ ٣٨٤)، «لسان العرب» لابن منظور (١٤/ ٨)].

هذا، وقد اختلف أهلُ العلم في الفرق بين الرسول والنبيِّ بسببِ اختلافِ ضَبْطِهم للتعريف الاصطلاحيِّ لكُلٍّ منهما، والشائعُ المشتهر ـ عند العلماء ـ: أنَّ الرسول هو: مَنْ أُوحِيَ إليه بشرعٍ وأُمِرَ بتبليغه، والنبيَّ هو: مَنْ أُوحِيَ إليه بشرعٍ ولم يُؤْمَرْ بتبليغه، [انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١٦٧)، «لوامع الأنوار البهيَّة» للسفاريني (١/ ٤٩)].

والظاهر أنَّ على هذا التعريفِ مآخِذَ منها:

ـ المعلوم أنَّ كُلًّا مِنَ الرسول والنبيِّ أرسلهما اللهُ تعالى، والإرسالُ يقتضي التبليغَ؛ فالنبيُّ: الذي يُنبئه اللهُ وهو ينبئ الناسَ بما أنبأهُ اللهُ به مِنْ شَرْعِه وأَمْرِه ونهيِه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ[الحج: ٥٢]؛ ففي الآية: دليلٌ على أنَّ النبيَّ مُرْسَلٌ، ولا يُسمَّى رسولًا عند الإطلاق؛ لأنـه يَعمل بشريعةِ مَنْ قَبْله ولم يُرْسَلْ إلى قومٍ بما لا يعرفونه ليبلِّغَ رسالةَ الله إليهم؛ فهو نبيٌّ وليس برسولٍ، [انظر: «النبوَّات» لابن تيمية (٢/ ٧١٤)].

ـ أنَّ النبيَّ مأمورٌ بالبلاغ، ولا يجوز له أَنْ يكتم وحيَ الله تعالى؛ لأنَّ في كتمانِ ما أَنْزَلَ اللهُ مُضادَّةً لأمرِ الله تعالى ومُشاقَّةً له، وتنزيهُ مَقامِ النبيِّ عن ذلك حتمٌ لازمٌ، ويدلُّ على ذلك قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الطبِّ» (١٠/ ١٥٥) بابُ مَنِ اكتوى أو كوى غيرَه وفضلِ مَنْ لم يكتوِ، و(١٠/ ٢١١) بابُ مَنْ لم يَرْقِ، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ٩٣) باب الدليل على دخولِ طوائفَ مِنَ المسلمين الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، والترمذيُّ في «صفة القيامة» (٤/ ٦٣١) باب (١٦)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (١٥/ ١٣٥) بابُ مَنْ يدخل الجنَّةَ بغير حسابٍ، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما].

وهذا يدلُّ على أنَّ الأنبياء مأمورون بتبليغ الناسِ ما أنبأهم اللهُ به مِنَ الخبر والأمر والنهي، وهُمْ متفاوِتون في الاستجابة لهم.

قال الشنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ في [«أضواء البيان» (٥/ ٧٣٥)] ما نصُّه: «وآية الحجِّ هذه تبيِّنُ أنَّ ما اشتهر على ألسنةِ أهل العلم مِنْ «أنَّ النبيَّ هو: مَنْ أُوحِيَ إليه وحيٌ ولم يُؤْمَرْ بتبليغه، وأنَّ الرسول هو: النبيُّ الذي أُوحِيَ إليه وأُمِرَ بتبليغِ ما أُوحِيَ إليه» غيرُ صحيح؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ[الحج: ٥٢] الآية، يدلُّ على أنَّ كُلًّا منهما مُرْسَلٌ، وأنهما ـ مع ذلك ـ بينهما تغايرٌ.

واستظهر بعضُهم أنَّ النبيَّ الذي هو رسولٌ: أُنْزِلَ إليه كتابٌ وشرعٌ مُستقِلٌّ مع المعجزة التي ثبتَتْ بها نُبوَّتُه، وأنَّ النبيَّ المُرْسَلَ الذي هو غيرُ الرسول هو: مَنْ لم ينزل عليه كتابٌ، وإنما أُوحِيَ إليه أَنْ يدعوَ الناسَ إلى شريعةِ رسولٍ قبله كأنبياءِ بني إسرائيل الذين كانوا يُرْسَلون ويُؤْمَرون بالعمل بما في التوراة، كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ[المائدة: ٤٤]».

فوجهُ الفرق بينهما ـ إذن ـ هو: أنَّ الرسول: نبيٌّ أُوحِيَ إليه شرعٌ مُستقِلٌّ إلى مَنْ خالف أَمْرَ اللهِ ليُبلِّغوه رسالةَ الله إليه، والنبيَّ: مُرْسَلٌ بُعِثَ لتقريرِ شرعِ مَنْ قبله؛ فيكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلقًا؛ «فالنبوَّةُ داخلةٌ في الرسالة، والرسالةُ أعَمُّ مِنْ جهةِ نفسِها وأخَصُّ مِنْ جهةِ أهلها؛ فكُلُّ رسولٍ نبيٌّ وليس كُلُّ نبيٍّ رسولًا؛ فالأنبياءُ أعَمُّ والنبوَّةُ نفسُها جزءٌ مِنَ الرسالة؛ فالرسالةُ تتناوَلُ النبوَّةَ وغيرَها، بخلاف النبوَّة فإنها لا تتناول الرسالةَ» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٠)، وانظر: «تفسير الألوسي» (١٧/ ١٥٧)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١٦٧)، «لوامع الأنوار» للسفاريني (١/ ٤٩)].

هذا، والمصنِّف ـ رحمه الله ـ بيَّن وجوبَ الإيمان بالرُّسُل والأنبياء عليهم السلام، وأنه جزءٌ مِنْ عقيدة المؤمن وأصلٌ مِنْ أصول الإيمان لا يقبل التجزئة؛ إذ لا يصحُّ إيمانُ العبدِ ولا تكمل عقيدتُه إلَّا بالإيمان بهم.

ثمَّ عرَّج المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ على حكمة الله في بَعْثِ الرُّسُلِ والأنبياء عليهم السلام، مُفْصِحًا أنَّ الغاية التي مِنْ أجلها خَلَقَ اللهُ الخليقةَ: هي عبادةُ الله تعالى وَحْدَه لا شريكَ له، وعبادتُه ـ سبحانه ـ بطاعته فيما أَمَرَ به وأباح ونهى عنه وزَجَرَ، ولا تتحقَّقُ معرفةُ ذلك إلَّا عن طريق الرُّسُل والأنبياء الذين اختارهم اللهُ تعالى للقيام بهذه المَهَمَّةِ الرسالية النبيلة؛ فاللهُ ـ سبحانه ـ هو المنفرد بالخَلْق والاختيار مِنَ المخلوقات ويجتبي ما يشاء ويصطفي، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُ[القَصص: ٦٨]، وكما أنَّ الله منفردٌ بالخَلْق فهو منفردٌ بالاختيار منه؛ فإنه ـ سبحانه ـ أَعْلَمُ بمواقِعِ اختيارِه ومَحَالِّ رِضاهُ، وما يَصْلُح للاختيار ممَّا لا يصلح له، وغيرُه لا يُشارِكه في ذلك بوجهٍ مِنَ الوجوه؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥ[الأنعام: ١٢٤]، «أي: الله أَعْلَمُ بالمَحَلِّ الذي يَصْلُح لاصطفائه وكرامته وتخصيصِه بالرسالة والنبوَّةِ دون غيرِه» [«زاد المَعاد» لابن القيِّم (١/ ٤١)].

فالرسالة أو النبوَّةُ ـ إذن ـ مِنْحةٌ إلهيةٌ وهِبَةٌ خاصَّةٌ لا تُنالُ بمجرَّدِ التشهِّي والرغبة، ولا بالكسب والمجاهَدة والمعاناة، وإنما هي لله وَحْدَه، يَهَبُها مَنْ أهَّلَه لها مِنْ عبادِه المؤمنين؛ ﴿يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ[البقرة: ١٠٥؛ آل عمران: ٧٤]؛ فيُنْعِمُ عليه مِنَ الكمالات النفسية والعقلية والخُلُقية ما يُمثِّلُ به الكمالَ البشريَّ في أَرْقَى صُوَرِه، وإذا اختار اللهُ رسولًا واصطفاهُ لنَفْسِه فإنه يختار أَطْهَرَ البشرِ قلبًا وأزكاهم خُلُقًا وأَجْوَدَهم قريحةً وأكملَهم عقلًا وذكاءً وفطنةً ورأيًا، يُنزِّهُه عن كُلِّ ما يُخِلُّ بالمروءة مِنَ النقائـص والعيوب والرعوناتِ ومختلفِ الشهوات ومُتَعِ الحياة، ويصونه مِنَ الانحراف الفطريِّ والفساد الخُلُقيِّ، ويحفظه مِنَ التلوُّث النفسيِّ والضلال العقليِّ، ويُبْعِده عن أيِّ مسلكٍ شائنٍ مُنحرِفٍ تبغضه الطباعُ البشرية السليمة، وتَشمئِزُّ منه النفوسُ الكريمة؛ ليتأهَّلَ لمَقامِ النبوَّة الشريف، ويتهيَّأَ به لتلقِّي الوحي الإلهيِّ؛ ليكون سفيرَ اللهِ إلى عباده؛ قَصْدَ تبليغِ أمانة الوحي، ودعوةِ الناس إلى الهدى ودِينِ الحقِّ؛ فهذا تفضُّلٌ مِنَ الله تعالى على عبادِه الأنبياءِ والمُرْسَلين، ونعمةٌ منه ورحمةٌ بهم؛ قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآ[مريم: ٥٨]، وقال الله لموسى عليه السلام: ﴿يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي[الأعراف: ١٤٤]، وغيرهما مِنَ الآيات البيِّنات.

ومِنْ رحمته تعالى بعباده أنه أرسل إليهم بشرًا منهم؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ[الكهف: ١١٠؛ فُصِّلَتْ: ٦]؛ لأنَّ البشر أَعْظَمُ في الابتلاء والاختبار، وأَمْكَنُ على مخاطَبةِ الناس والفهمِ عنهم، وتقديرِ بواعثهم وتأثيراتهم، وأَقْدَرُ على القيادة والتوجيه؛ فلو بَعَثَ اللهُ رُسُلَه وأنبياءَه مِنَ الملائكة فإنهم لا يُطيقون التلقِّيَ منهم، وقد اعترض كثيرٌ مِنْ أعداء الرُّسُل على الإيمان بهم وبما جاءوا به لكونهم مِنَ البشر، وهذا مِنْ أَعْظَمِ الصدِّ عن الإيمان، وقد بيَّن الله تعالى أنَّه لو كان سُكَّانُ الأرض ملائكةً لَأرسل إليهم رسولًا مِنْ جنسهم، فكذلك تجَلَّتْ حكمةُ الله ورحمتُه بعباده أَنْ أَرْسَلَ إليهم رسولًا مِنْ جنسهم؛ قال تعالى: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ[آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤ قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥[الإسراء]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٣/ ٦٤)] شارحًا هذه الآيةَ بما نصُّه: «يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ﴾ أي: أَكْثَرَهم، ﴿أَن يُؤۡمِنُوٓاْ﴾ ويُتابِعوا الرُّسُلَ إلَّا استعجابُهم مِنْ بعثة البشرِ رُسُلًا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡ[يونس: ٢]، وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا[التغابن: ٦] الآية، وقال فرعونُ ومَلَؤُه: ﴿أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧[المؤمنون]، وكذلك قالَتِ الأُمَمُ لرُسُلِهم: ﴿إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠[إبراهيم]، والآياتُ في هذا كثيرةٌ، ثمَّ قال تعالى ـ منبِّهًا على لطفِه ورحمته بعباده ـ: إنه يبعث إليهم الرسولَ مِنْ جنسهم ليَفْقَهوا عنه لتمكُّنِهم مِنْ مخاطَبته ومكالمته، ولو بَعَثَ إلى البشر رسولًا مِنَ الملائكة لَمَا استطاعوا مُواجَهتَه ولا الأخذَ عنه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ[آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ[التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١ فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢[البقرة]؛ ولهذا قال ـ هاهنا ـ: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ[الإسراء: ٩٥] أي: كما أنتم فيها، ﴿لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥[الإسراء] أي: مِنْ جنسهم، ولمَّا كنتم أنتم بشرًا بَعَثْنا فيكم رُسُلَنا منكم لطفًا ورحمةً».

ومِنَ الكمال البشريِّ الذي حَبَاهُمُ اللهُ تعالى به: أَنْ جَعَلهم أَشْرَفَ النوعِ البشريِّ مِنْ كمال العقل والذكاء والفطنة وقوَّةِ الرأي؛ لذلك لم يبعث اللهُ نبيًّا إلَّا في أشرافِ قومِه، والمرادُ بالشرف ـ بمعناه العامِّ ـ: التنزُّهُ عن كُلِّ ما يُخِلُّ بالمروءة مِنَ النقائص والعيوب، والترفُّعُ عن الدنايا الخُلُقية، واجتنابُ كُلِّ انحرافٍ عن الطباع العامَّة السويَّة، والابتعادُ عن كُلِّ ما تنفر منه النفوسُ الزكيَّة، فلم يحصل أَنْ بَعَثَ نبيًّا مِنْ ذوي النسب المُبتذَل، ولا عبدًا ولا لئيمًا ولا امرأةً لعُلُوِّ مرتبة الذكورة على الأنوثة؛ فخصَّ اللهُ الرجالَ بالرسالة حصرًا لهم دون النساء في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡ[الأنبياء: ٧]، ولأنَّ مَقام النبوَّة يُناسِبُ الذكورةَ لكمالها عن ناقصات العقل والدِّين كما جاء في الحديث؛ لذلك جَعَلَ اللهُ تعالى القِوامةَ للرجال في قوله تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ[النساء: ٣٤]، ولأنَّ مقتضى الرسالةِ الاشتهارُ بالدعوة ومخاطَبةُ الناسِ والتنقُّلُ إليهم؛ لإصلاح النفوس وتزكيتها، وتقويمِ الفكر المنحرف والعقائد الزائفة، ومُواجهةِ الخصوم ومحاجَّتِهم وإقامةِ الحجَّة عليهم، وإعدادِ العُدَّة الإيمانية والمادِّية؛ فهذه الوظائفُ والمَهَمَّاتُ وغيرُها لا تُناسِبُ إلَّا الرِّجالَ؛ لأنَّ الأنوثة تقتضي التستُّرَ وتُنافي الاشتهار لِمَا بين الاشتهار والتستُّرِ مِنَ التمانع، ولأنَّ الأنثى ناقصةٌ في وصفها وفي منطقها وبيانها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨[الزخرف]، فضلًا عن أنَّ النفوس مائلةٌ في ذواتهنَّ بحسَبِ الطبع؛ فيغفلون عن دعوتهنَّ ومقالتهنَّ، وأنَّ المرأة يطرأ عليها ـ أيضًا ـ ما يمنع القيامَ بأعباء الرسالة وتكاليفِها كالحيض والحمل والولادة والنفاس، وما يستتبع ذلك مِنَ الرعاية للأولاد والعناية بصحَّتِهم والقيامِ على حوائجهم، وهذه الموانعُ تجعل المرأةَ غيرَ قادرةٍ على تولِّي حقِّ الرسالةِ والنبوَّةِ على الوجه الأكمل.

علمًا أنَّ ما أخبر اللهُ به مِنْ أنه أوحى إلى بعض النساء كأمِّ موسى وغيرِها فإنَّما حصل ذلك منامًا، وهو يقع لغير الأنبياء، أمَّا مريمُ عليها السلام فجمهورُ الفُقَهاء على أنها ليسَتْ نبيَّةً، بل حكى ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«الصفدية» (١/ ١٩٨)] عن القاضيين: أبي بكر بنِ الطيِّب وأبي يعلى، وعن أبي المعالي الجُوَينيِّ الإجماعَ على أنه لم يكن في النساء نبيَّةٌ، وأنَّ خلافَ ابنِ حزمٍ غيرُ مُعتبَرٍ لأنه شاذٌّ مسبوقٌ بالإجماع، وأنَّ دعواه أنَّ أمَّ موسى كانَتْ نبيَّةً هي ومريم قولٌ لا يُعْرَف عن أحَدٍ مِنَ السلف والأئمَّة، وقد نَقَل النوويُّ ـ رحمه الله ـ نحوَ هذا الإجماعِ في [«الأذكار» (١٠٩)]، وقد جاء عن الحسن البصريِّ ـ رحمه الله ـ أنه قال: «لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ وَلَا فِي الجِنِّ» [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤٧١)].

هذا، والرسالة الإلهية ضرورةٌ مِنْ ضروراتِ حياة العبد، وحاجةٌ أكيدةٌ مِنْ حاجاته؛ إذ لا بُدَّ للعبد مِنْ حقٍّ يُقيمُه تُجاهَ ربِّه ومِنْ هدًى يعيش عليه؛ لذلك لا غِنَى له عنها بحالٍ، وجحودُ ما هو ضرورةُ الحياةِ يُعَدُّ فسادًا فطريًّا شائنًا وخطأً عقليًّا خطيرًا، وقد بيَّن هذا المعنى ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ وبلوره في [«مجموع الفتاوى» (١٩/ ٩٣)] بقوله: «والرسالة ضروريةٌ للعباد لا بُدَّ لهم منها، وحاجتُهم إليها فوق حاجتِهم إلى كُلِّ شيءٍ، والرسالةُ رُوحُ العالَمِ ونورُه وحياتُه؛ فأيُّ صلاحٍ للعالَمِ إذا عَدِمَ الروحَ والحياةَ والنورَ؟ والدنيا مُظْلِمةٌ ملعونةٌ إلَّا ما طَلعَتْ عليه شمسُ الرسالة، وكذلك العبدُ ما لم تُشْرِقْ في قلبه شمسُ الرسالة ويناله مِنْ حياتها ورُوحِها فهو في ظلمةٍ وهو مِنَ الأموات؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَا[الأنعام: ١٢٢]؛ فهذا وصفُ المؤمنِ: كان مَيْتًا في ظلمة الجهل، فأحياهُ اللهُ برُوح الرسالة ونورِ الإيمان، وجَعَلَ له نورًا يمشي به في الناس».

وقد أفصح ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ عن هذه الحقيقةِ في [«زاد المَعاد» (١/ ٦٩)] بما نصُّه: «ومِنْ هاهنا تعلم اضطرارَ العبادِ ـ فوق كُلِّ ضرورةٍ ـ إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقِه فيما أخبر به، وطاعتِه فيما أَمَرَ؛ فإنه لا سبيلَ إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلَّا على أيدي الرُّسُل، ولا سبيلَ إلى معرفة الطيِّب والخبيث على التفصيل إلَّا مِنْ جهتهم، ولا يُنالُ رِضَا اللهِ ـ ألبتَّةَ ـ إلَّا على أيديهم؛ فالطيِّبُ مِنَ الأعمال والأقوال والأخلاقِ ليس إلَّا هديَهم وما جاءوا به؛ فهُمُ الميزانُ الراجح الذي [كذا، ولعلَّ الصواب: الذين] ـ على أقوالهم وأعمالِهِم وأخلاقهم ـ تُوزَنُ الأقوالُ والأخلاق والأعمال، وبمُتابَعتِهم يتميَّزُ أهلُ الهدى مِنْ أهل الضلال؛ فالضرورةُ إليهم أَعْظَمُ مِنْ ضرورةِ البدن إلى روحه، والعينِ إلى نورها، والروحِ إلى حياتها؛ فأيُّ ضرورةٍ وحاجةٍ فُرِضَتْ فضرورةُ العبدِ وحاجتُه إلى الرُّسُل فوقها بكثيرٍ، وما ظنُّك بمَنْ إذا غاب عنك هديُه وما جاء به طَرْفَةَ عَيْنٍ فَسَدَ قلبُك، وصار كالحوت إذا فارَقَ الماءَ ووُضِعَ في المقلاة؟ فحالُ العبدِ عند مُفارَقةِ قلبه لِمَا جاء به الرُّسُلُ كهذه الحالِ بل أَعْظَمُ، ولكِنْ لا يُحِسُّ بهذا إلَّا قلبٌ حيٌّ، وما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامٌ».

وأكَّد ـ رحمه الله ـ ذلك في [«مفتاح دار السعادة» (٣/ ٢١)] بقوله: «فالحاجة إلى الرُّسُل ضروريةٌ، بل هي فوق كُلِّ حاجةٍ؛ فليس العالَمُ إلى شيءٍ أحوجَ منهم إلى المُرْسَلين ـ صلواتُ الله عليهم أجمعين ـ ولهذا يُذكِّرُ سبحانه عِبادَه نِعَمَه عليهم برسوله، ويَعُدُّ ذلك عليهم مِنْ أعظمِ المِنَن منه؛ لشدَّةِ حاجتهم إليه، ولتوقُّفِ مصالحهم الجزئيةِ والكُلِّية عليه، وأنه لا سعادةَ لهم ولا فلاحَ ولا قيامَ إلَّا بالرُّسُل، فإذا كان العقلُ قد أَدْرَكَ حُسْنَ بعضِ الأفعال وقُبْحَها فمِنْ أين له معرفةُ اللهِ تعالى بأسمائه وصِفَاته وآلائه التي تَعرَّفَ بها اللهُ إلى عباده على ألسِنَةِ رُسُلِه؟ ومِنْ أين له معرفةُ تفاصيلِ شرعِه ودِينِه الذي شَرَعه لعباده؟ ومِنْ أين له تفاصيلُ مواقعِ محبَّتِه ورِضاهُ وسخطِه وكراهتِه؟ ومِنْ أين له معرفةُ تفاصيلِ ثوابه وعقابِه، وما أَعَدَّ لأوليائه وما أعَدَّ لأعدائه، ومقاديرِ الثواب والعقابِ وكيفيتهما ودرجاتهما؟ ومِنْ أين له معرفةُ الغيب الذي لم يُظْهِرِ اللهُ عليه أحَدًا مِنْ خَلْقِه إلَّا مَنِ ارتضاهُ مِنْ رُسُلِه؟ إلى غيرِ ذلك ممَّا جاءَتْ به الرُّسُلُ وبلَّغَتْه عن الله وليس في العقل طريقٌ إلى معرفته؛ فكيف يكون معرفةُ حُسْنِ بعض الأفعال وقُبْحِها بالعقل مُغْنِيًا عمَّا جاءَتْ به الرُّسُلُ؟ فظهر أنَّ ما ذَكَرْتُموه مجرَّدُ تهويلٍ مشحونٍ بالأباطيل والحمدُ لله، وقد ظهر بهذا قصورُ الفلاسفةِ في معرفة النبوَّات، وأنهم لا عِلْمَ عندهم بها إلَّا كعلمِ عوامِّ الناسِ بما عندهم مِنَ العقليات، بل علمُهم بالنبوَّات وحقيقتِها وعِظَمِ قَدْرِها وما جاءَتْ به أقلُّ بكثيرٍ مِنْ علم العامَّة بعقلياتهم؛ فهُمْ عوامُّ بالنسبة إليها كما أنَّ مَنْ لم يعرف علومَهم عوامُّ بالنسبة إليهم؛ فلولا النبوَّاتُ لم يكن في العالَمِ علمٌ نافعٌ ـ ألبتَّةَ ـ ولا عملٌ صالحٌ ولا صلاحٌ في معيشته ولا قِوامٌ لمملكةٍ، ولَكان الناسُ بمنزلة البهائم والسباعِ العادية والكلابِ الضارية التي يعدو بعضُها على بعضٍ، وكُلُّ دِينٍ في العالَمِ فمِنْ آثار النبوَّة، وكُلُّ شيءٍ وَقَعَ في العالَمِ أو سيَقَعُ فبسببِ خفاءِ آثار النبوَّة ودروسِها؛ فالعالَمُ ـ حينئذٍ ـ روحُه النبوَّةُ، ولا قيامَ للجسد بدون رُوحِه؛ ولهذا إذا تمَّ انكسافُ شمسِ النبوَّة مِنَ العالَمِ ولم يَبْقَ في الأرض شيءٌ مِنْ آثارِها ـ ألبتَّةَ ـ انشقَّتْ سماؤه وانتـثرَتْ كواكبُه، وكُوِّرَتْ شمسُه وخُسِفَ قمرُه، ونُسِفَتْ جبالُه وزُلْزِلَتْ أرضُه وأُهْلِكَ مَنْ عليها؛ فلا قيامَ للعالَمِ إلَّا بآثار النبوَّة؛ ولهذا كان كُلُّ موضعٍ ظهرَتْ فيه آثارُ النبوَّة فأهلُه أَحْسَنُ حالًا وأَصْلَحُ بالًا مِنَ الموضع الذي يخفى فيه آثارُها، وبالجملة فحاجةُ العالَمِ إلى النبوَّة أعظمُ مِنْ حاجتهم إلى نور الشمس وأعظمُ مِنْ حاجتهم إلى الماء والهواءِ الذي لا حياةَ لهم بدونه».

(٥) هذا، والإيمان بالرُّسُل والأنبياء عليهم السلام ـ إجمالًا وتفصيلًا ـ جزءٌ لا يتجزَّأ مِنْ عقيدة المؤمن ـ كما تقدَّم ـ فلا يصحُّ إيمانُ العبد ولا تكمل عقيدتُه إلَّا به، بل الإيمانُ بالله تعالى يستلزم الإيمانَ بكُلِّ ما أمَرَ اللهُ بالإيمان به مِنَ: الملائكة والكُتُبِ والرُّسُل واليوم الآخِرِ والقضاء والقَدَر وغيرِ ذلك، وقد جاء أمرُ اللهِ تعالى بالإيمان بالرُّسُل والأنبياء صريحًا ومؤكَّدًا في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُ[النساء: ١٣٦]، وقولِه تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦ[البقرة: ٢٨٥].

والرُّسُل والأنبياء ـ مِنْ حيث عدَدُهم ـ كانوا جمًّا غفيرًا: مائةَ ألفٍ وأربعةً وعشرين ألفًا مِنَ الأنبياء، والرُّسُلُ مِنْ ذلك ثلاثُمائةٍ وخمسةَ عَشَرَ، على ما ثَبَت في حديثِ أبي أمامة رضي الله عنه [أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٥ ـ ٢٦٦) وغيرُه. وصحَّحه الألبانيُّ، انظر: «مشكاة المصابيح» للألباني (٣/ ١٥٩٩)]، لا يعلم أسماءَهم إلَّا اللهُ تعالى كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ[النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ ٢٤[فاطر]؛ لذلك وجَبَ الإيمانُ بهم جملةً: مَنْ عُرِفَ منهم بتعريف الله ومَنْ لم يُعْرَفْ؛ فقَدْ قال تعالى: ﴿وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَ[النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَ[غافر: ٧٨]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (١/  ٥٨٥)]: «وهذه تسميةُ الأنبياءِ الذين نصَّ اللهُ على أسمائهم في القرآن وهُمْ: آدَمُ وإدريسُ ونوحٌ، وهودٌ وصالحٌ، وإبراهيمُ ولوطٌ، وإسماعيلُ وإسحاقُ، ويعقوبُ ويوسفُ، وأيُّوبُ، وشُعَيْبٌ، وموسى وهارونُ، ويونسُ، وداودُ وسليمانُ، وإلياسُ واليَسَعُ، وزكريَّا ويحيى وعيسى، وكذا ذو الكِفْلِ عند كثيرٍ مِنَ المفسِّرين، وسيِّدُهم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم».

والرُّسُلُ والأنبياء عليهم السلام يتفاضلون، وبعضُهم أَفْضَلُ مِنْ بعضٍ عند الله، وقد أخبر اللهُ أنه فاضَلَ بينهم في قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖ[البقرة: ٢٥٣]، كما حصَلَتِ المفاضَلةُ بين الأنبياءِ عليهم السلام ـ أيضًا ـ وأخبر بها تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥[الإسراء].

وقد أجمعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الرُّسُلَ عليهم السلام أفضلُ مِنَ الأنبياء عليهم السلام، [انظر: «بداية السول» لابن عبد السلام (٧٦)، «لوامع الأنوار البهيَّة» للسفاريني (٢/ ٣٠٠)]، ونصَّ الكثيرُ مِنَ العلماء على أنَّ أَفْضَلَ المُرْسَلين أولو العزم منهم، وهُمُ الخمسةُ الذين خُصُّوا بالذِّكْر مجتمعين وهُم: نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمَّدٌ صلَّى الله عليهم وسلَّم، وجاء القرآن الكريم مُبيِّنًا عدَدَهم وأسماءَهم ـ معًا ـ في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ[الأحزاب: ٧]، وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِ[الشورى: ١٣]، وأفضلُ أولي العزمِ: الخليلان: إبراهيمُ ومحمَّدٌ عليهما السلام، وأفضلُ الخليلين: نبيُّنا محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم.

هذا، ويجب على العبد أَنْ يُؤْمِنَ بكُلِّ مَنْ عَرَف نُبوَّتَه ورسالتَه عن طريق الوحي الإلهيِّ إيمانًا تفصيليًّا، فيؤمن بهم جميعًا مِنْ غير تفريقٍ؛ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦ[البقرة: ٢٨٥]؛ فلا يصحُّ الإيمانُ برسالةِ بعضٍ والكفرُ برسالةِ بعضِهم الآخَرِ: كما هو صنيعُ اليهود الذين آمَنوا بأنبياءِ بني إسرائيل وكفروا بعيسى ابنِ مريم ومحمَّدٍ صلَّى الله عليهما وسلَّم، والنصارى الذين آمَنوا بكافَّةِ الأنبياء وكفروا بخاتمهم محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم.

لذلك يُعَدُّ الكفرُ بواحدٍ منهم كفرًا بجميعهم، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٤/ ٢٢٣)]: «ومَنْ كذَّب رسولًا فكأنَّما كذَّب جميعَ الرُّسُلِ: كقوله جلَّ وعَلَا: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥[الشُّعَـراء]، وإنَّما جاءهم رسولٌ واحدٌ؛ فهُمْ ـ في نفسِ الأمر ـ لو جاءهم جميعُ الرُّسُلِ كذَّبـوهم». والمكذِّبُ بالرُّسُل مُتوعَّدٌ بالعذاب المُهين كما جاء التبيانُ القرآنيُّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١[النساء]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (١/ ٥٧٢) [بتصرُّف]]: «يتوعَّدُ ـ تَبارَكَ وتعالى ـ الكافرين به وبرُسُله مِنَ اليهود والنصارى، حيث فرَّقوا بين الله ورُسُله في الإيمان: فآمَنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعضٍ بمُجرَّد التشهِّي والعادة وما أَلْفَوْا عليه آباءَهم، لا عن دليلٍ قادَهم إلى ذلك؛ فإنه لا سبيلَ لهم إلى ذلك، بل بمجرَّد الهوى والعصبية؛ فاليهودُ ـ عليهم لعائنُ الله ـ آمَنوا بالأنبياء إلَّا عيسى ومحمَّد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمَنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفِهم محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم .. والمقصودُ أنَّ مَنْ كَفَرَ بنبيٍّ مِنَ الأنبياء فقَدْ كَفَر بسائر الأنبياء؛ فإنَّ الإيمان واجبٌ بكُلِّ نبيٍّ بَعَثه اللهُ إلى أهل الأرض؛ فمَنْ ردَّ نبوَّتَه للحسد أو العصبية أو التشهِّي تَبيَّنَ أنَّ إيمانه بمَنْ آمَنَ به مِنَ الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًّا، إنما هو عن غرضٍ وهوًى وعصبيةٍ».

أمَّا الإيمان بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: فتصديقُه على الرسالة، والعملُ بها، واتِّباعُ ما جاء به مِنَ الحقِّ والهدى ودَعَا إليه مِنَ الشرائع ـ إجمالًا وتفصيلًا ـ مع وجوبِ مَحَبَّتِه وطاعتِه والانقيادِ له؛ فهي ضروريَّةٌ للنجاة مِنْ عذاب الله والفوزِ بنعيمه المُقيم؛ بخلافِ شرائع الرُّسُل قبله عليهم السلام جميعًا فيكفي الإيمانُ بها جملةً ولا يَلْزَم اتِّباعُها؛ فهي منسوخةٌ بشريعةِ خاتمهم محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كما تقدَّمَ في «معنى الإيمانِ بالكُتُب المُنْزَلة ومُقتضَيَاتِه» ـ فلا يُقْبَلُ مِنَ العبد صرفٌ ولا عدلٌ إلَّا بتوحيدِ مُتابَعتِه ونهجِ طريقه؛ إذ جميعُ السُّبُل غيرَ سبيلِه مسدودةٌ، وكُلُّ الأعمال على غيرِ هديِه مردودةٌ؛ ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١ قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢[آل عمران]، والنصوصُ كثيرةٌ في هذا المجال، فلم يَبْقَ ما يَلْزَمُ المؤمنَ إزاءَ رُسُلِ الله وأنبيائه عليهم السلام سوى الإيمانِ بهم واعتقادِ عِصمتهم وكمالِهِم ووجوبِ تعظيمهم وتوقيرِهم واحترامِهم، و«الإيمان بأنهم بلَّغوا جميعَ ما أُرْسلوا به على ما أَمَرَهم اللهُ به، وأنهم بيَّنوه بيانًا لا يَسَعُ أحَدًا ممَّنْ أُرْسِلوا إليه جهلُه ولا يَحِلُّ خلافُه» [«شرح الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٣٤٩)، وانظر: «لوامع الأنوار» للسفاريني (٢/ ٢٦٩)، «شُعَب الإيمان» للبيهقي (١/ ١٤٥)].

(٦) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٧) «م.ر.ب، م.ف»: «رِسَالَٰتِهِۦ»، وهي قراءةُ نافعٍ.

(٨) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٩) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ»، و«تعالى» ساقطةٌ مِنْ «م.ف».

(١٠) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(١١) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ»، و«تعالى» ساقطةٌ مِنْ «م.ف».

(١٢) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».