الجواب عن الاعتراضِ على فتوى الدَّوراتِ الكُرويَّة بين المساجدِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 15 رجب 1444 هـ الموافق لـ 06 فبراير 2023 م

في الفتوى رقم: (١٠٣) المعنونة ﺑ: «في ضابِطِ المسابقات وحكم الدورات الرياضية بين المساجد» جوازُ تنظيمِ الدورات والمباريات لجمع المال قَصْدَ التَّبرُّع...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣١٩

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

الجواب عن الاعتراضِ على
فتوى الدَّوراتِ الكُرويَّة بين المساجدِ

نصُّ الشبهة:

في الفتوى رقم: (١٠٣) المعنونة ﺑ: «في ضابِطِ المسابقات وحكم الدورات الرياضية بين المساجد» جوازُ تنظيمِ الدورات والمباريات لجمع المال قَصْدَ التَّبرُّع؛ وهذا مِنَ البِدَعِ المُحدَثات، ومِنْ طُرُق الإخوان المسلمين؛ لأنَّ وسائل الدَّعوة توقيفيَّةٌ، وقد قام المقتضي على مِثلِ ذلك في عهد السَّلف الصَّالح، ومع ذلك لم يَقُمْ بذلك أحَدٌ منهم، فحَدُّ البدعة مُنطبِقٌ عليها.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقوله: «تنظيمُ الدَّورات والمُباريات لجمع المَال قَصْدَ التَّبرُّع هو مِنَ البِدع المُحدثَات، وهي مِنْ طُرُق الإخوان المسلمين» فهذه فِريةٌ اختلَقها المُعترِضُ إمَّا تقصُّدًا للتَّضليلِ وهو الأظهرُ مِنْ حالِه، وإمَّا جاءت مِنْ سُوءِ فهمِه للفتوى؛ وبه يُعرَف مَبلغُهُ مِنَ العِلم؛ وذلك لوجودِ فَرقٍ شاسعٍ بين حكمِ إجراء المباريات لجمع المال قَصْدَ التَّبرُّع مِنْ جهةٍ، وبين اتِّخاذِ تلك المباريات ـ مِنْ جهة ثانيةٍ ـ وسيلةً مِنْ وسائل الدَّعوة إلى الله، بل تتهاوى شبهةُ المعترضِ بالنَّقضِ، ووجهُه أَنْ يُعتَرضَ عليه بأنَّ المُقتضِيَ لإقامة المسابقات الشرعيَّة العلميَّة كان قائمًا في الزَّمان الأوَّل في عهد السَّلف الصَّالح، ومع ذلك لم يَقُمْ بذلك أحَدٌ منهم، فيَلزَم ـ في منظورِ المُعتَرضِ ـ أَنْ يكونَ حَدُّ البدعةِ مُنطبِقًا عليها، ورغم ذلك فقَدْ عدَّه العلماءُ مِنْ جنسِ المسابقاتِ الَّتي ثبتَتْ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنَ الخُفِّ والحافر والنَّصل تقويةً على الجهاد البدنيِّ لأنَّ الجهادَ البدنيَّ بالسَّيف والسِّنان تابعٌ للجهاد بالحُجَّةِ والبيانِ واللِّسانِ، بل أجاز شيخُ الإسلام وغيرُه أَخْذَ العِوَض عليه، هذا مِنْ ناحيةٍ.

ومِنْ ناحيةٍ ثانيةٍ فمِنْ مُنطلَقِ هذا الفَرقِ العريضِ بين إجراءِ المباريات لجمع المال قَصْدَ التَّبرُّع، وبين اتِّخاذِ تلك المبارياتِ وسيلةً مِنْ وسائل الدَّعوة إلى الله، فقَدْ بيَّنتُ الحالةَ الأولى منها بالتَّفصيل في الفتوى، حيث جاء فيها أنَّ المسابقةَ إذا كانَتْ غيرَ مرهونةٍ بمالٍ، وإنَّما المرادُ منها خصوصُ المسابَقةِ واستعمالُها طريقًا لجمعِ المال على جهةِ التبرُّع قَصْدَ المساعَدةِ والتَّعاونِ طلبًا للثَّواب مِنَ الله تعالى، فإذا جُرِّدَتْ صورةُ المسألةِ عن خطإِ مَنْ يَتَّخِذُ هذه المسابَقاتِ والألعابَ طريقًا للدَّعوة ـ كما هو شأنُ بعضِ الأحزاب وأصحابِ المناهج الدَّعْوِيةِ المُنحرفةِ ـ ونُظِرَ إليها نظرةً فقهيَّةً موضوعيَّةً فهو ـ بهذه الصُّورةِ ـ معدودٌ مِنْ عقود الارتفاق، وهي خارجةٌ عن عقودِ السَّبَق والجُعْل؛ ذلك لأنَّ التَّبرُّعَ والهِبَةَ يختلف مِنْ عِدَّةِ جوانبَ عن عَقْدِ السَّبَقِ: فمِنْ حيث القصدُ فَنِيَّةُ المُسابِق أو المُراهِنِ قائمةٌ على السَّعي إلى تحقيقِ الكَسْبِ المادِّيِّ الدُّنيويِّ وتحصيلِ التَّفوُّق وانتزاعه بالغَلَبة بحيث يكون غالبًا وخَصْمُه مغلوبًا، خلافًا للمُتبرِّع أو الواهب فغَرَضُهُ مُساعَدةُ النَّاسِ ونَفْعُهم وإعانتُهم على تحقيقِ حاجاتهم مع قَصْدِ الثَّواب الأخرويِّ.

ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ حقيقةَ التَّبرُّعِ غيرُ مبنيَّةٍ على عَمَلٍ يقوم به غيرُ المُتبرِّع؛ إذ لو كان كذلك لَخَرَجَ عن حقيقةِ كونِه هِبَةً وانقلب إلى عَقْدِ مُعاوَضةٍ.

كما يظهر الفرقُ بينهما جليًّا مِنْ حيث التَّسميةُ والحكم؛ ذلك لأنَّ اسْمَ السَّبَقِ والرِّهان والخَطَرِ والجُعْل غيرُ اسْمِ الهِبَةِ والتَّبرُّعِ والصَّدقةِ، ولكُلٍّ منهما أحكامٌ مُغايِرةٌ للأخرى ومخالِفةٌ لها.

وبناءً على ما تقدَّم: فإنَّ الصُّورةَ المذكورةَ في السُّؤال لا يحكمها عَقْدُ السَّبَقِ، وإنَّما تندرج ضِمْنَ عقودِ التَّبرُّعات باتِّخاذِ هذه المسابَقاتِ ـ وهي جائزةٌ في الأصل ـ وسيلةَ تبرُّعٍ ونَفْعٍ للنَّاس؛ إذ حقيقةُ التَّبرُّع: إخراجُ الإنسانِ مالَه لغيره بقصدِ الإعانة دون طَلَبِ العِوَض، وهو مِنْ عقود الارتفاق، وما كان داخلًا تحتها فالأصلُ فيه الحِلُّ والجواز، بينما حقيقةُ السَّبَقِ تتجلَّى في بَذْلِ مالٍ على عَمَلٍ أو نَفْعٍ على وجهِ العِوَضِ، وهو أَقْرَبُ إلى عقود المُعاوَضات مِنْ غيرها فافترقَا.

وتقريرُ حكمِ الجواز لا ينبغي أَنْ يُزاحِمَه ما يتنافى وأحكامَ الشَّرع ممَّا تَقدَّم ذِكْرُه في الفتوى، فضلًا عن كشفِ العَوْرات، وتضييعِ الصَّلوات والأوقات، وحدوثِ الضَّغائنِ والأحقادِ والتَّنافرِ والكلامِ القبيح بين اللَّاعبين، المُتولِّدةِ مِنْ مثلِ هذه المُنافَساتِ بين الغالب والمَغلوب.

وأمَّا الحالةُ الثانيةُ وهي اتِّخاذُ هذه المُبارياتِ والمُسابَقاتِ والألعابِ طريقًا ووسيلةً للدَّعوة؛ كما هو شأنُ بعضِ الأحزاب وأصحابِ المَناهِجِ الدَّعويَّةِ المُنحرفةِ، فلا شكَّ أنَّ وسائلَ الدَّعوةِ ـ في باب العادات والمعاملات ـ اجتهاديَّةٌ؛ إِنْ لم يَرِدْ نصٌّ شرعيٌّ يَنهى عنها وانضبطت بقيودٍ شرعيَّةٍ منها: أَنْ لا تخالفَ نصوصَ الشَّرعِ وقواعدَه ـ كما تقدَّم ـ، وأَنْ لا يترتَّبَ على الأخذِ بتلك الوسيلةِ مفسدةٌ أعظمُ مِنْ مصلحتِها، وأَنْ لا يكونَ العملُ بهذه الوسائلِ باعتقادٍ مِنَ المُكلَّفِ أنَّها قُربةٌ في حدِّ ذاتها فتصير ـ بهذا المعتقد ـ مِنَ البِدعِ المُحدَثاتِ لِلُحوقها بباب العبادات الَّتي تكون وسائلُ الدَّعوة فيها توقيفيَّةً وليست اجتهاديَّةً، وغيرها مِنَ القيودِ التي إِنِ انضبطت بها كانت جائزةً، ما دامَت تُحقِّقُ مصالحَ شرعيَّةً راجحةً(١).

هذا، وإذا عُلِمَ ما قد تجرُّ إليه مِثلُ هذه التَّنافساتِ الكرويَّةِ ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ مِنْ محرَّمٍ أو مكروهٍ سَبَقَتِ الإشارةُ إلى بعضه في الفتوى المذكورة عند إيرادِ ضابطِ المُسابَقات إمَّا حالًا أو مآلًا، ناهيك عمَّا يُعْقَد عليها مِنَ الولاء والبَراء وهي السِّمَةُ الغالبةُ في هذه الدَّوراتِ الرِّياضيَّة الحاليَّة، وما يكون فيها مِنْ إضاعةِ الوقتِ النَّفيس في ما غيرُه أَوْلى، فضلًا عن مفاسدَ أخرى غيرها، فهذا يَدفعني إلى القولِ بعدمِ جوازِ اتِّخاذِ هذه المُبارياتِ والمُسابَقاتِ والألعابِ طريقًا ووسيلةً للدَّعوة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٣ مِنَ المحرَّم ١٤٤٤هـ
المُــوافق ﻟ: ٢١ أوت ٢٠٢٢م



(١) انظر الفتوى رقم: (٧٢٣) الموسومة ﺑ: «في حدود استعمال وسائل الدعوة إلى الله تعالى» على الموقع الرسميِّ.