فصل [في حكم العمل بالإجازة] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



فصل
[في حكم العمل بالإجازة]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٥٢]:

«يَجِبُ العَمَلُ بمَا نَُقَِلَ عَلَى وَجْهِ الإِجَازَةِ، وَبهِ قَالَ عَامَّةُ العُلَمَاءِ».

[م] الإجازة أن يَأْذَنَ الشيخُ لغيره بأن يرويَ عنه مروياته أو مؤلَّفاته، وكأنها تتضمَّن إخباره بما أذن له بروايته عنه وهي على أنواع منها:

١ ـ إجازة من معيِّن لمعَّين في معيَّن، بأن يقول الشيخ للراوي عنه: «أجزتك أن تروي عنِّي هذا الكتاب، أو هذه الكتب»، وهي المناولة فهي جائزة عند الجماهير حتى الظاهرية، لكن خالفوا في العمل بها؛ لأنّها في معنى المرسل عندهم، إذ لم يتصل السماع(١)، والمناولة في حقيقة الأمر تُعدُّ قسمًا من أقسام الإجازة؛ لأنّ الشيخ لو اكتفى على مجرّد المناولة بالفعل دون اللفظ لم تجز الرواية مطلقًا كأن يعطيه الكتاب ولم يقل له: «إروه عني»، أمّا إذا اقتصر على اللفظ دون مناولة لجازت الرواية عند الجمهور.

٢ ـ إجازة لمعيِّن في غير معيَّن، مثل أن يقول الشيخ: «أجزت لك أن تروي عني ما أرويه»، أو «ما صحّ عندك من مسموعاتي ومصنَّفاتي» فهذا جائز عند الجمهور روايةً وعملًا.

٣ ـ إجازة معيِّن لغير معيَّن، [أو إجازة معيِّن لمعيَّن بوصف عامٍّ]: مثل أن يقول الشيخ: «أجزت للمسلمين»، أو «لمن قال: لا إله إلَّا الله»، أو «لمن أدرك حياتي الكتاب الفلاني» وسُمِّي هذا النوع: «الإجازة العامَّة»، وقد اعتبرها طائفة من الحفَّاظ والعلماء، فمِمَّن جوَّزها الخطيب البغدادي(٢) ونقلها عن شيخه أبي الطيب الطبري وجوزها محدِّثو المغاربة رحمهم الله، ومنعها آخرون وهو الصحيح(٣).

٤ ـ إجازة لمعيَّن بمجهول من الكتب مثل أن يقول الشيخ: «أجزتك كتاب السنن» وهو يروي كُتُبًا في السنن، أو «أجزت لمحمِّد بن عليّ» وهم جماعة مشتركون في الاسم، فحكم هذا النوع البطلان لعدم اتضاح المراد منها(٤).

٥ ـ الإجازة للمعدوم مثل أن يقول: «أجزت لمن يولد لفلان» فالصحيح أنَّها إجازة فاسدة؛ لأنَّ الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز، فكما لا يصحّ الإخبار بالمعدوم لا تصحُّ الإجازة له، أمَّا إجازة من يوجد مطلقًا فلا يجوز إجماعًا(٥).

٦ ـ إجازة المُجاز مثل أن يقول الشيخ: «أجزتك ما أجيز لي روايته»، قال النووي(٦): «والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وبه قطع الحفاظ»(٧).

وفي هذا الموضع ذكر المصنِّف خلافًا في حكم الرواية بالإجازة غير أنَّه ادعى الإجماع على جواز الرواية بها في: «إحكام الفصول» بقوله: «ولا خلاف في ذلك بين سلف الأُمّة وخلفها»(٨)، ونقضه ابن الصلاح بما رواه الشافعي: أنَّه منع الرواية بها، وقال: «وبذلك قطع الماوردي، وعزاه إلى مذهب الشافعي، وكذلك قطع بالمنع القاضي ابن محمّد المَرْوَرَّوذي صاحب التعليقة، وقالا جميعًا: لو جازت الرواية بالإجازة لبطلت الرحلة»(٩).

وقول المصنِّف بأنَّ وجوب العمل بالإجازة قال به عامَّة العلماء ليس كذلك؛ لأنَّ كثيرًا من العلماء المتقدِّمين أبطلوا العمل بها. قال بعضهم: «من قال لغيره: «أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع» فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب عليّ؛ لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع»(١٠).

[مذهب أهل الظاهر في العمل بالإجازة]

•  قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٥٢]:

«وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لاَ يَجُوزُ العَمَلُ بالإِجَازَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُنَاوَلَةً وَأَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ المُجِيزُ...».

[م] مذهب ابن حزم الظاهري إبطال الإجازة مطلقًا وقد اعتبرها بدعة، قال -رحمه الله-: «وأمَّا الإجازة التي يستعملها الناس فباطل، ولا يجوز لأحد أن يجيز الكذب...»(١١). أمَّا النوع الأول من أنواع الإجازة وهي المناولة فقد تقدَّم جوازها عند الظاهرية، لكن خالفوا في العمل بها، أي يجيزون من تحمل بالإجازة أن يَرْوِيَ ما تحمَّله ويُحدِّث به، ولكن لا يجوز له أن يعمل به؛ لأنَّه يجرى مجرى المرسل(١٢). قال ابن الصلاح: «وهذا باطل؛ لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في إيصال المنقول بها والثقة به»(١٣)، ولأنَّ الشيخ المجيز إذا قال للراوي: «هذا كتاب مسموعي فاروه عني»، فهو بمثابة الراوي إذا قرأ على الشيخ ـ وهو ساكت ـ بجامع أنَّ الشيخ لم يتكلَّم بما في داخل الكتاب ومسموعاته.

هذا، وغاية ما يستدلُّ به المانعون للرواية بالإجازة والمناولة قياسهما على الشهادة، حيث إنها لا تصحّ بالإجازة والمناولة فتلحق بها الأخبار، وجوابه: أنه قياس مع ظهور الفارق بين الشهادة والرواية، فالرواية تجوز مع وجود شيخه الذي أخبر به الخبر ولا تجوز في الشهادة، حيث إن شاهد الفرع لا يقبل مع وجود شاهد الأصل بخلاف الرواية فهي أعمَّ من الشهادة، والشهادة أخصّ وأدقّ وآكد من الرواية لذلك يتعذَّر القياس(١٤).

والذي رجَّحه العلماء أنها جائزة، يُروى بها ويُعمل، وأنَّ السماع أقوى منها، قال ابن الصلاح -رحمه الله-: «إِنَّ الذي استقرَّ عليه العمل، و قال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث و غيرهم القول بتجويز الإجازة و إباحة الرواية بها»(١٥).

واستحسن العلماءُ الإجازة من العالم لمن كان أهلًا للرواية ومشتغلًا بالعلم لا للجهال ونحوهم.

 



(١) «اختصار العلوم» لابن كثير (١١٩).

(٢) انظر ترجمته في الجانب الدراسي من كتاب «الإشارة» (٧٨).

(٣) المصدر السابق (١١٩)، «الباعث الحثيث» لأحمد شاكر (١٢٢).

(٤) «تدريب الراوي» للسيوطي (٢/ ٣٣).

(٥) المصدر السابق (٢/ ٣٦).

(٦) هو أبو زكريا يحي بن شرف بن مري الشافعي، الملقب بمحيي الدين النووي، ولد ﺑ «نوا»، من قرى حوران في بلاد الشام سنة (٦٣١ﻫ)، كان إمامًا حافظًا عالمًا بالفقه إلى جانب الزهد والورع، ولي مشيخة دار الحديث، ولم يأخذ من مرتبها شيئًا، ولم يتزوج، من مؤلفاته: «شرح صحيح مسلم»، «المجموع شرح المهذب»، «رياض الصالحين»، توفي سنة (٦٧٦ﻫ).

انظر ترجمته في: «طبقات الشافعية» لابن السبكي (٥/ ١٦٥)، «تذكرة الحفاظ» للذهبي (٤/ ١٤٧٠)، «طبقات الشافعية» لابن هداية الله الحسيني (٢٢٥)، «البداية والنهاية» (١٣/ ٢٧٨)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٥/ ٣٥٤)، «الأعلام» للزركلي (٨/ ١٤٩)، «الفتح المبين» للمراغي (٢/ ٨١)، «معجم المؤلفين» لكحالة (١٣/ ٢٠٢)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٣٤١).

(٧) «تقريب النووي» (٢/ ٣٩).

(٨) «إحكام الفصول» للباجي (٣٨٢).

(٩) «مقدمة ابن الصلاح» (٧٢).

(١٠) المصدر السابق الصفحة نفسها. انظر: «الباعث الحثيث» لأحمد شاكر (١٢١).

(١١) «الإحكام» لابن حزم (٢/ ١٤٧ ـ ١٤٨)، «الباعث الحثيث» لأحمد شاكر (١٢١).

(١٢) انظر: «الكفاية» للخطيب البغدادي (٣٤٨)، «مقدمة ابن الصلاح» (٧٣)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٣٧٧)، «اختصار علوم الحديث» لابن كثير (١١٩)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (٢/ ٣٣٥)، «تدريب الراوي» للسيوطي (٢/ ٢٩)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٢/ ٥٠١).

(١٣) «مقدمة ابن الصلاح» (٧٣).

(١٤) انظر المصادر الأصولية والحديثية المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٥٤).

(١٥) المصدر السابق: الصفحة نفسها. ذكر العلَّامة أحمد محمَّد شاكر -رحمه الله- كلامًا متَّجهًا في هذه المسألة من «الباعث الحثيث» (١٢٢) هذا نصّه: «أقول: وفي نفسي من قَبول الرواية بالإجازة شيء، وقد كانت سببًا لتقاصر الهمم عن سماع الكتب سماعًا صحيحًا بالإسناد المتّصل بالقراءة إلى مؤلِّفيها، حتى صارت في الأعصر الأخيرة رسمًا يرسم، لا عِلمًا يُتلقَّى ويُؤخذ، و لو قلنا بصحَّة الإجازة إذا كانت بشيء معيّن من الكتب لشخص معيّن أو أشخاص معيّنين لكان هذا أقرب إلى القَبول، ويمكن التوسُّع في الإجازة لشخص أو أشخاص معيّنين مع إبهام الشيء المجاز كأنه يقول له: «أجزت لك رواية مسموعاتي»، أو «أجزت رواية ما صحَّ و ما يصحُّ عندك أني أرويه»، أمّا الإجازات العامّة، كأن يقول: «أجزت لأهل عصري»، أو «أجزت لمن شاء»، أو «لمن شاء فلان»، أو للمعدوم ونحو ذلك، فإني لا أشكّ في عدم جوازها».

عدد الزوار