القاضي أبو الوليد الباجي في ترجمة مختصرة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 10 صفر 1442 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2020 م



القاضي أبو الوليد الباجي
في ترجمة مختصرة(١)

هو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التُّجِيبِي(٢)، الباجي، القرطبي، البَطَلْيَوْسي، الذهبي(٣) الأندلسي، القاضي المالكي، المُكَنَّى بأبي الوليد، ولد الباجي -رحمه الله- يوم الثلاثاء ١٥ من ذي القعدة سنة ٤٠٣ﻫ، وكان مسقط رأسه ببطليوس، ثمَّ رُحِلَ به في صباه إلى باجة الأندلس، ثمّ انتقل إلى قرطبة، وينتسب أبو الوليد الباجي -رحمه الله- إلى أسرة علم وتقوى ونُبْلٍ وحسن تديُّن، فكان والده أبو سليمان خلف بن سعد من أهل العِفَّة والصلاح، ووالدته أُمُّ سليمان فقيهة عابدة، وهي بنت فقيه الأندلس: أبي بكر محمَّد بن موهَب القبري المعروف بالحصار فهو جدّه لأمِّه، وإخوته الأربعة: إبراهيم وعلي وعمر ومحمَّد، على وتيرة أبيهم من حسن التديُّن، وأعمامه الثلاث بنو سعد: سليمان، وعبد الرحمن وأحمد فقد نُعِتُوا بكثرة العبادة والخير، أمَّا أخواله فكانوا من أهل العلم والعبادة، ومنهم خاله العالم الخطيب أبو شاكر عبد الواحد ابن محمَّد المعروف بابن القبري، وهو أحد شيوخ القاضي أبي الوليد الباجي. أمَّا أبناؤه فمنهم: محمَّد وكنيته: أبو الحسن، توفي في حياة والده وكان شابًّا يتَّصف بالذكاء والنبل، ومن أشهر أولاده: أبو القاسم، الذي برع في علم الأصول وخلَف أباه في حلقته بعد وفاته، وأذن له في إصلاح كتبه الأصولية وجمع ديوانه، وصَلَّى عليه يوم وفاته، وله ابنة نجيبة زوَّجها للفقيه المحدِّث: أبي العباس أحمد ابن عبد الملك المُرسي أحد طلبة الباجي.

وفي وسط هذه الأسرة العربية الأصيلة، وفي كنف هذه البيئة العلمية نشأ أبو الوليد الباجي ونال حظَّه من التربية الحسنة، وأخذ تعليمَه الأوَّلي في سِنٍّ مُبكِّرة، ساعده ذلك على تنمية قدراته الذِّهنية ومواهبه الفكرية، الأمر الذي فسح أمامَه آفاقًا واسعةً تبشِّر بغدٍ مُشرقٍ بالعلم والمعرفةِ.

وفي مراحله التعليمية توجَّه أبو الوليد الباجي برغبة أكيدة إلى طلب العلم، وعَمِل على تحصيل مدارك العلوم والمعرفة بشتى الوسائل تدريجيًّا، فأخذ من علماء بلده بالأندلس غربًا أَوَّلًا، ففي قُرْطُبَة أخذ عن خاله: أبي شاكر عبد الواحد، وعن المحدِّث اللغوي: يونس بن مُغيث، وعن الإمام المقرئ الكبير: أبي محمَّد مكي بن أبي طالب، وبطُرطُوشَة أخذ عن أبي سعيد الجعفري، وبطُلَيْطِلَة أخذ عن ابن الرحوي، وبسَرَقُسْطَة أخذ عن بن فُورْتش القاضي، وبوَشْقَة أخذ عن ابن أبي درهم، فلمَّا استوعب أبو الوليد الباجي علوم الأندلس وجد في نفسه عزمًا قويًّا في المزيد من طلب العلوم، فقرَّر الرحيل صوب المشرق الإسلامي ثانيًا، فأخذ من علماء الحجاز والعراق بصبرٍ عريضٍ واجتهاد دؤوب وهمَّة عالية، وكان أوَّل منازله الحجاز، ففي مكَّة لزم أبا ذرٍّ الهَرَوي، وسمع من شيوخ الحرم كأبي بكر المُطَّوَّعي وأبي بكر بن سَحْنَوَيْه الإسفرائيني، وأبي القاسم بن مُحْرِزٍ وغيرهم، ومن الحجاز اتجه صوب العراق وهو لا يزال متعطِّشًا إلى المزيد من العلوم، ولتحقيق رغبته استأجر نفسه أيام إقامته ببغداد لحراسة الدروب، فكان ينفق ما يعطى له من أجر على معاشه دون أن تفوته مجالسة العلماء، ويستعين بضوء الدروب ليلًا ليطالع ما حصَّله من العلم ويراجعه.

ومن أشهر شيوخه ببغداد القاضي: أبو الطيِّب طاهر الطَّبَري الشافعي، وأبو إسحاق إبراهيم الشِّيرازي، وأبو الفضل بن عَمروس، وأبو عبد الله الصَّيمَري، وأبو عبد الله الصُّوري وغيرهم، ثمَّ دخل الشام، وفي دمشق مكث ثلاثة أعوام، أخذ عن جملة من كبار العلماء منهم: أبو الحسن بن السَّمسار، وأبو محمَّد بن جُميع، وأبو القاسم بن الطُّبَيز وغيرهم، ورحل إلى المَوْصِل، وبها أقام عامًا كاملًا يدرس العقليات على أبي جعفر السِّمْنَاني، ودخل مصر وبها سمع من أبي محمَّد بن الوليد وغيره، هكذا قضى أيامه الدراسية بالمشرق نحو ثلاث عشرة سنة من المثابرة في الطلب والاجتهاد في التحصيل لا يَهاب في سبيل تحقيق رغبته حرَّ الصيف ولا بردَ الشتاء.

فلما حقَّق رغبتَه وأشبع حاجتَه وقضى منيته، وبرع في القرآن والحديث وعلومِهما، والفقه والأصول، والعربية وقواعدها، والعقليات وتوابعها، وجد في نفسه حنين الديار وأحسَّ بالشوق للأهل والأحباب، فقرَّر العودة إلى الأندلس بعد رحلته المشرقية. وقد كان لطائفة من أهمِّ شيوخ أبي الوليد الباجي الأثر البالغ على شخصيَّته، ومفعولًا في تكوينه العلمي وسلوكه الخُلُقي، كما كان لأقرانه الذين لهم نصيب في تكوين شخصيته العلمية من خلال التنافس في البحث والتحصيل والتأليف والتدوين والمناظرات العلمية، ومن أقرانه: أبو محمَّد بن حزم الظاهري، وأبو عمر بن عبد البر النَّمَرِي، وأبو بكر الخطيب البغدادي وغيرهم، وفي أرض الأندلس قام أبو الوليد الباجي بعِدَّة نشاطات علمية تمثَّلت في دروسه العامَّة والتوجيهية، وحلقاته التربوية الخاصَّة التي كان يلقيها في مختلف جهات الأندلس من خلال تنقُّلاته المتعدِّدة بين الأمصار وحواضر الأندلس لنشر العلم وبثِّ المعرفة، وقد كانت حلقاته من أكبر حلقات الاستماع في الأندلس عددًا، وسهَّلت تنقلاتُه للعديد من الطلَّاب الذين لم تسمح لهم ظروف التنقُّل من الأخذ والرواية عنه ومن التحديث والمذاكرة، ومن أهمِّ تلامذة أبي الوليد الباجي الذين تفقَّهوا بملازمته وانتفعوا بعلمه ونشروه: ابنه أبو القاسم أحمد بن سليمان، وأبو علي الحسين بن أحمد الغسَّاني الجِيَّاني، وأبو علي حسين الصَّدَفي السَّرَقُسْطِي المعروف بابن سكرة، وأبو بكر الطُّرطوشي المعروف بابن أبي رَنْدَقَة، وأبو بكر محمَّد بن حَيدرة المَعَافري، وأبو بكر عبد الله الإِشبيلي، وأبو بكر بن دُرَيد الأَسدي، وغيرهم كثير ممّن أثر في تكوينهم العلمي والتربوي وتفقّهوا على يديه.

هذا، وقد كانت للمناظرات العلمية التي أجراها بالأندلس، وظهور تآليفه الأصولية والفقهية، وانتشار علمه وذيوع صيته، وما يتميّز به من صفة خَلْقِية في هيئته وسمته ووقاره، فضلًا عن اتصافه بالديانة والتقوى، الأثر البالغ في نفوس الناس، كما كان تكوينه العلمي والأدبي محلَّ ثقتهم، الأمر الذي فتح مجالًا للحكَّام ليتَّصلوا به ويتقرَّبوا إليه، وكانت صلته بهم عملية تتمثَّل في مهام ميدانية، فقد أسند إليه مهمَّة القضاء وكلِّف به، ثمَّ ندب ليطوف بحواضر الأندلس قصد توحيد جهود المسلمين وجمع كلمة الملوك، ولَمِّ الشَّعَثِ والوقوف صفًّا واحدًا متراصًّا ضدّ «ألفونس السادس» العدو المشترك الذي كان يتربَّص بهم الدوائر بعد ما قويت شوكته، وتكثَّفت ضغوطه على طُلَيْطِلَة، فلم يزل أبو الوليد الباجي في سفارته بين ملوك الطوائف مجتهدًا يؤلِّفهم على نصرة الإسلام ونبذ أحقادهم، وجمع كلمتهم، والاستعانة بجيش المرابطين بقيادة «يوسف بن تاشفين» لصدِّ العدو الصليبي الحاقد حتى وافاه أجله بمدينة «المَريَّة» من ليلة الخميس ـ بين العشائين ـ في التاسع عشر [١٩ رجب من سنة ٤٧٤ﻫ] عن عُمْرٍ يناهز الواحد والسبعين سنة، رحمه الله ورحم المسلمين أجمعين.

هذا، وإنَّ اشتغال أبي الوليد الباجي بالمهام القضائية والأمانات والسفارة بين ملوك الطوائف لإصلاح ذات البين لم يَثْنِهِ عن نشر العلم والمعرفة والتدريس والتأليف، فلقد ترك -رحمه الله- آثارًا علميةً نافعةً، وثروةً وافرةً قيِّمةً من الكتب والرسائل في مجالات شتَّى وفنون متنوِّعة جمعت بين المنقول والمعقول، والرواية والدراية، تشهد له بالمعرفة، وسعة علمه، ومكانته الراقية بين علماء زمانه، وقد حَفِظَتْ لنا مختلفُ المصادر والمراجع عناوين كتبه ومسائله منها ما خرج إلى حيِّز الوجود مطبوعًا ومتداولًا، ومنها ما بقي مخطوطًا، فله مؤلَّفات في فقه أحاديث الموطَّأ والمسائل الفرعية عليها مثل: «الاستيفاء»، و«المنتقى»، و«الإيماء»، وله في شرح المسائل الفقهية في المدوَّنة أو في اختصارات عليها وتهذيبها منها: «شرح المدوَّنة»، و«مختصر المختصر»، و«المهذب»، وفي المجال الفقهي أيضًا له: «المقتبس في علم مالك بن أنس»، وكتاب «فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام».

وله في مجال الحديث والرجال والتراجم مؤلَّفات منها: «التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح»، و«اختلاف الموطآت»، و«فرق الفقهاء»، و«التبيين لمسائل المهتدين»، و«فهرست».

أمَّا مُصنَّفاته الأصولية والجدلية فمنها: «إحكام الفصول في أحكام الأصول»، و«الإشارة إلى معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل»، و«الحدود في أصول الفقه»، و«الناسخ والمنسوخ في الأصول»، و«تفسير المنهاج في ترتيب طرق الحجاج».

وله مُصنَّفات في الزهد والرقائق منها: «سنن الصالحين وسنن العابدين»، وكتاب «سبيل المهتدين».

كما له مصنَّفات في علوم أخرى مثل: «التسديد إلى معرفة التوحيد»، و«تفسير القرآن»، و«الانتصار لأعراض الأئمَّة الأخيار»، وفي اللغة: «تهذيب الزاهر لابن الأنباري».

وللقاضي أبي الوليد الباجي ـ أيضًا ـ رسائل ومسائل، ومن رسائله: «الردّ على رسالة الراهب الفرنسي»، و«تحقيق المذهب في أنَّ رسول الله قد كتب»، و«الوصية لولديه»، و«شرح حديث: البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، ومن المسائل التي عالجها الباجي والتي تحمل الصبغة الفقهية والطابع الخِلافي مثل: «مسألة مسح الرأس»، و«مسألة غسل الرجلين»، و«مسألة اختلاف الزوجين في الصداق» وغيرها.

كما أنَّ له شِعرًا ونثرًا اهتمَّ بهما منذ صغره، فجعل قراءة الأدب شِعرًا ونثرًا أحد محاور عنايته، وشاعرية أبي الوليد الباجي متَّفق عليها عند علماء التراجم، فقد كان شاعرًا مطبوعًا جيِّد العبارة، حَسَنَ النظم، فشِعره هادف يعمل على خدمة أغراض بنَّاءة بمعان في عقود مصروفة عن الإسفاف والهذر، وجملة أبياته وشعره تدلُّ على ذوقه الأدبي ونبوغه الشعري.

ومن شعره قوله في فساد الطبائع والأخلاق:

مَضَى زَمَنُ المَكَارِمِ وَالكِرَامِ * سَقَاهُ اللهُ مِنْ صَوْبِ الغَمَامِ

وَكَانَ البِرُّ فِعْلًا دُونَ قَوْلٍ * فَصَارَ البِرُّ نُطْقًا بِالكَلَامِ

 

هذا، وملخَّص حياة أبي الوليد الباجي -رحمه الله-، في الجملة أنه ابتدأ حياته الفكرية بالأدب فبرز في ميادينه، وانتهى تحصيله بعلوم الديانة غربًا وشرقًا، وجعل خاتمة أمره ومنتهى طوافه السفارة الإصلاحية بين ملوك الطوائف جمعًا لكلمة المسلمين ولَمًّا لشملهم، فضلًا عن المهام القضائية والأمانات التي أسندت إليه، كلّ ذلك لم يمنعه من أداء واجبه في نشر العلم والمعرفة وتكريسهما بالتدريس والتأليف، وقد خلف لنا آثارًا وثروةً علميةً نافعةً تَرْبُو عن ثلاثين مؤلَّفًا في مختلَف أنواع العلوم الشرعية التي أحيت ذكره، وخلَّدت اسمه، وأكَّدت عظمة شخصيته العلمية البارزة.

 



(١) اختصرت حياة الإمام الباجي من الترجمة المفصَّلة التي أعددتها له في دراستي لكتاب «الإشارة» وقد استغنيت عن ذكر مصادر ترجمته اكتفاءً بما أثبته في الأصل.

(٢) نسبة إلى قبيلة «تُجِيب» العربية، بطن من بطون كندة، وكان أول رجل من هذه القبيلة نزل بأرض الأندلس مع جنود جيش الإسلام الفاتح، ثمَّ زاد نسل التجيبيين وارتفع عددهم في الأندلس، ومن ديارهم «بطليوس» وهي موطن أجداد أبي الوليد الباجي.

انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (٤٢٩)، «معجم ما استعجم» للبكري (١/ ٥٦)، «نهاية الأرب» للقلقشندي (١٧٤)، «العبر» لابن خلدون (٣/ ٥٧٧)، «معجم قبائل العرب» لكحالة (١/ ١٦٦).

(٣) لقب ﺑ «الذهبي» لأنَّه اشتغل بضرب ورق الذهب للغزل، وذلك بعد رجوعه من رحلته العلمية المشرقية سنة (٤٣٩ﻫ).

عدد الزوار