فصل [في ورود التلاوة مضمنة لحكم واجب] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 10 صفر 1442 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2020 م



فصل
[في ورود التلاوة مضمنة لحكم واجب]

• قال المصنِّف -رحمه الله- في [ص٢٦٢] عند بيان ما يترتَّب من حكم على ورود التلاوة مضمنة لحكم واجب:

«...فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ جَازَ نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ التِّلاَوَةِ، وَجَازَ نَسْخُ التِّلاَوَةِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ».

[م] وبهذا التقرير قال جمهور أهل العلم، وفضلًا عمّا ذكره المصنِّف فإنّه يجوز ـ أيضًا ـ نسخ الحكم والتلاوة معًا مثل ما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فُتَوُفِّيَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ»(١)، فكانت «العشر» منسوخة الحكم والتلاوة معًا بخمسِ رضعاتٍ فلم يبق للفظ «العشر» حكم القرآن لا في الاستدلال ولا في التلاوة ولا في العمل، ويستدل ﺑ «خمس رضعات» فيما نسخت تلاوته وبقي حكمه(٢).

[في نسخ الحكم مع بقاء التلاوة]

• قال المصنِّف -رحمه الله- في [ص ٢٦٣]:

«فَأَمَّا نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ التِّلاَوَةِ، فَهُوَ مِثْلُ: نَسْخِ التَّخْييرِ بَيْنَ الصَّوْمِ أَوْ الفِدْيَةِ لِمَنْ طَاقَ الصَّوْمَ، وَنَسْخِ الوَصِيّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ، وَنَسْخِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلاَمِ وَإِنْ بَقِيَتِ التِّلاَوَةُ لِذَلِكَ كُلِّهِ».

[م] الأمثلة التي ساقها المصنِّف في نسخ الحكم وبقاء التلاوة هي من قبيل نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ إلى بدل، فآية التخيير بين الصوم والفدية للمطيق القادر في صدر الإسلام هي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[البقرة: ١٨٤]، فنسخ هذا الواجب المخيّر إلى واجب مضيّق بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[البقرة: ١٨٥]، فبقيت التلاوة ونسخ الحكم بالكتاب وإلى بدل ونسخ الأخف بالأثقل؛ لأنَّ التخيير أخفّ من التضييق.

والجدير بالتنبيه إلى أنَّ العلماء اختلفوا في تعرض آية التخيير للنسخ أو بقائها محكمة(٣)، والصحيح أنّها منسوخة في حقّ المقيم الصحيح وغير منسوخة فيمن لا يطيق صيامه أو المريض الذي لا يرجى برؤه لحديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍكَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِي حَتَّى نَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا»(٤)، وعن عطاء أنَّه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا»(٥).

أمَّا قوله: «وَنَسْخِ الوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ»؛ فالمراد بذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ[سورة البقرة: ١٨٠]، فهي منسوخة بآية الميراث مع بقاء تلاوتها. غير أنَّ هذه الآية محلّ خلاف بين العلماء في كونها منسوخة أو محكمة(٦)، والقائلون بأنَّها منسوخة اختلفوا في الناسخ لها، وما عليه الجمهور أنَّها منسوخة بآية المواريث مع ضميمة أخرى وهي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»(٧)، والظاهرُ أنَّ المرادَ به نسخ وجوب الوصية مع بقاء الاستحباب لما علم في الفروع الفقهية من اتفاق الجمهور على استحباب الوصية للأقرباء غير الوارثين(٨).

لكن القول بإحكام آية الوصية أقرب إلى الصواب لانتفاء التعارض مع آية الميراث وضميمته؛ لأنَّ الأصل عدمُ النسخ، ولا يصار إلى النسخ إلَّا عند تعذّر الجمع، وقد أمكن الجمع بحملها على الخصوص، ويكون المراد بها من الأقربين من عدا الورثة منهم، ومن الوالدين من لا يرث كالأبوين الكافرين ومن هو في الرِّقّ(٩). قال ابن المنذر: «أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الوصية للوالدين الذَين لا يرثان المرء والأقرباء الذين لا يرثونه جائزة»(١٠).

أمَّا قوله: «وَنَسْخِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ» فإنّها كانت واجبة بقوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً[المجادلة: ١٢]، ثمّ نسخ ذلك الوجوب إلى الإباحة بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ[المجادلة: ١٣](١١).

هذا، ويمكن إضافة مثال آخر لنسخ الحكم مع بقاء التلاوة: نسخ آية الاعتداد بالحول في قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ[البقرة: ٢٤٠]، بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرٍ الثابت في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا[البقرة: ٢٣٤]، وهو من نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ الأثقل بالأخف ونسخ إلى بدل.

[في بقاء الحكم ونسخ التلاوة]

• ويقول المصنِّف في [ص ٢٦٤]:

«وَأَمَّا بَقَاءُ الحُكْمِ وَنَسْخُ التِّلاَوَةِ فَمَا تَظَاهَرَتْ بهِ الأَخْبَارُ مِنْ نَسْخِ تِلاَوَةِ آيَةِ الرَّجْمِ وَنَسْخِ خَمْسِ رَضَعَاتٍ».

[م] آية الرجم ثبتت من حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: مَا أَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ إِذَا أُحْصِنَ الرَّجُلُ وَقَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ حَمْلٌ أَوْ اعْتِرَافٌ وَقَدْ قَرَأْتُهَا: ﴿الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ»(١٢). فيستدلُّ بهذه الآية على نسخ التلاوة والرسم مع بقاء الحكم وهو رجم الزاني المحصَن.

وكذلك آية خمس رضعات ثبتت من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كَانَ فِيمَا أُنزِلَ مِنَ القُرْآنِ «عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ» فَنُسِخْنَ  «خَمْسِ رَضَعَاتٍ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ»(١٣)، فيستدلّ «بخمس رضعات» فيما نُسِخَتْ تلاوتُه وبقي حكمه(١٤).

 



(١) سبق تخريجه، انظر: الرابط.

(٢) انظر: «العدة» لأبي يعلى (٣/ ٧٨٢)، «شرح اللمع» للشيرازي (١/ ٤٩٦ ـ ٤٩٧)، «التمهيد» للكلوذاني (٢/ ٣٦٧)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٥٥٧)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٧٩).

(٣) انظر: «جامع البيان» لابن جرير (٢/ ١٣١)، وما بعدها، «تفسير ابن كثير» (١/ ٢١٣ ـ ٢١٥)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٧ ـ ٢٧٩)، «فتح الباري» (٨/ ١٨٠)، «فتح القدير» للشوكاني (١/ ١٨٠ ـ ١٨١)، «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ١٧ ـ ٢٥).

(٤) أخرجه البخاري (٤٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

(٥) أخرجه البخاري في «التفسير» (٨/ ١٧٩ (٤٥٠٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٦) انظر: «جامع البيان» لابن جرير (٢/ ١١٦ ـ ١٢١)، «تفسير ابن كثير» (١/ ٢١١ ـ ٢١٢)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٦٢ ـ ٢٦٣)، «فتح القدير» للشوكاني (١/ ١٧٨ ـ ١٧٩).

(٧) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٧)، وأبو داود (٣/ ٨٢٤)، وابن ماجه (٢/ ٩٠٥)، والترمذي (٤/ ٤٣٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٦٤)، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. والحديث رواه جمع من الصحابة، وله طرق متعدِّدة، وإن كان سنده قويًّا في موضع، وفي آخر ورد من طرق لا يخلو إسناده من مقال، لكنَّه بمجموعها يعتضد الحديث ليثبت تواتره بالانضمام كما تقرّر في أصول الحديث. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٤٠٣)، و«الدراية» لابن حجر (٢/ ٢٩٠)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٩٢)، «فيض القدير» للمناوي (٢/ ٢٤٥)، «إرواء الغليل» للألباني (٦/ ٨٧)].

(٨) انظر: «الاستذكار» لابن عبد البر (٧/ ٢٦٥)، «المبسوط» للسرخسي (٢٧/ ١٤٢)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٣/ ١١٠٧).

(٩) انظر: «فتح القدير» للشوكاني (١/ ١٧٨).

(١٠) «الإجماع» لابن المنذر (٧٤).

(١١) انظر: «جامع البيان» لابن جرير (١٤/ ٢٨/ ١٩ ـ ٢٢)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ١٧٦١)، «تفسير القرطبي» (١٧/ ٣٠٢)، «فتح القدير» للشوكاني (٩/ ١٩١).

(١٢) أخرجه مالك في «الموطإ» (٣/ ٤١)، والبخاري (١٢/ ١٤٤)، ومسلم (١١/ ١٩١)، وأبو داود (٤/ ٥٧٢)، والترمذي (٤/ ٣٨)، وابن ماجه (٢/ ٨٥٣)، والدارمي (٢/ ١٧٩)، والبيهقي (٨/ ٢١٠)، والبغوي في «شرح السُّنَّة» (١٠/ ٢٨٠)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(١٣) تقدّم تخريجه، انظر: الرابط.

(١٤) انظر: «العدة» لأبي يعلى (٣/ ٧٨٢)، «شرح اللمع» للشيرازي (١/ ٤٩٦)، «التمهيد» للكلوذاني (٢/ ٣٦٧)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٥٥٧)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٨٩).

عدد الزوار