بَابُ الكلام في معقول الأَصل | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



بَابُ
الكلام في معقول الأَصل

[في لحن الخطاب]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٨٨] ـ بعد أنَّ قسم معقول الأصل إلى: لحن الخطاب وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب ـ ما نصه:

«فَأَمَّا لَحْنُ الخِطَابِ فَهُوَ الضَّمِيرُ الَّذِي لاَ يَتِمُّ الكَلاَمُ إِلاَّ به».

[م] الظاهر من كلام المصنِّف إطلاقه لاصطلاح لحن الخطاب على دلالة الاقتضاء، وهي من المنطوق غير الصريح، وقد اصطلح جماعةٌ من أهل الأصول على هذا الإطلاق، منهم أبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الغزالي وشهاب الدِّين القرافي وغيرهم.

ومن هنا تجدر الإشارة إلى أنّ لفظ لحن الخطاب يختلف إطلاقه باختلاف مقصود كلِّ أُصوليٍّ، فكما أطلقه بعضُهم على دلالة الاقتضاء، أطلقه آخرون على مفهوم المخالفة كما فعل الإسنوي، أو على المساوي من مفهوم الموافقة كما جاء عن الشوكاني إطلاقه، وسوَّى الآمدي وابن الحاجب بين لحن الخطاب وفحواه، وعلى ذلك ينبغي الوقوف عند المراد من هذا الإطلاق الاصطلاحي(١).

ودلالة الاقتضاء هي أحد أقسام المنطوق غير الصريح الذي يطلق عليه ـ أيضًا ـ دلالة الالتزام وهي (أي: المنطوق غير الصريح، أو دلالة الالتزام): المعنى الذي دَلَّ عليه اللفظُ في غير ما وُضع له، كدلالة الأربعة على الزوجية، وهو على ثلاثة أقسام: دلالة الاقتضاء، ودلالة الإيماء، ودلالة الإشارة.

ودليل الحصر في هذه القسمة الثلاثية هو: أَنَّ المدلول عليه بالالتزام إمَّا أن يكون مقصودًا للمتكلِّم باللفظ أو لا يكون مقصودًا له، فإن كان مقصودًا للمتكلِّم فإمَّا أن يتوقَّف على المدلول صِدق الكلام أو صِحَّته عقلًا أو شرعًا، فدلالة اللفظ عليه تسمَّى دلالة الاقتضاء، وإمَّا أن لا يتوقَّف عليه ذلك، فدلالة اللفظ عليه تسمَّى دلالة إيماء، أمَّا إن لم يكن مقصودًا للمتكلِّم فدلالةُ اللفظ عليه تسمَّى دلالة الإشارة.

هذا، ودلالة الاقتضاء هي: أن يتضمَّن الكلام إضمارًا ضروريًّا لابدّ من تقديره؛ لأنَّ الكلام لا يستقيم دونه، أو هي: دلالة اللفظ على معنى لازمٍ مقصودٍ للمتكلِّم يتوقَّف عليه صدقُ الكلام أو صِحَّتُه الشرعية أو صحته العقليةُ، لذلك كان على ثلاثة أنواع:

• إمَّا لأنَّ الكلام لا يستقيم لتوقُّف الصدقِ عليه، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»(٢)، فإنَّ ذات الخطإ والنسيان والإكراهِ لم ترتفع بل يقع في الأُمَّة ذلك وليست بمعصومة عنها، والرسول لا يخبر إلَّا صِدقًا، لذلك وجب تقديرُ محذوفٍ ليكون الكلام صدقًا ومستقيمًا، وتقديره مستفاد من عبارة النصّ وهي «الإثم والمؤاخذة» ليكون تقدير الكلام: «وُضِعَ عن أُمَّتِي إثمُ الخطإِ، وإثمُ النسيان، وإثم الإكراهِ»، فلولا تقديره مقدمًا لكان الكلام كذبًا، ومخالفًا للواقع والحقيقة.

• وإمَّا لتوقّف الصحة عليه شرعًا، وقد مثَّل له المصنِّفُ بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: ١٨٤]، فالظاهر أنَّ فرض المريض والمسافر الأيام الأخر سواء صَامَا أو لم يصوما(٣)، لكن لما عُلم شرعًا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صام بعد نزول هذه الآية وأقرَّ الصحابةَ على صيامهم، فدلَّ ذلك على وجوب تقدير [فأفطر] ضرورة لتصحيح الكلام من جهة الشرع، فيمتنع وجود الملفوظ شرعًا بدون ذلك المقتضى(٤).

• وإمَّا لتوقّف الصِّحة عليه عقلًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ[يوسف: ٨٢]، فإنَّ العقل يمنع من توجيه السؤال إلى ذات القرية، لذلك وجب إضمار مخاطَب ليصحَّ الكلام من جهة العقل وهو [أهل] فيكون التقدير: واسأل أهل القرية(٥)، ومثاله ـ أيضًا ـ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ[المائدة: ٣]، فإنَّ العقل يمنع من إضافة الحكم إلى ذات الميتة، فكان إضمار فعل يتعلّق به التحريم واجبًا عقلًا وهو [الأكل] فيكون التقدير: حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُ المَيْتَة، وإنما وجب تقديره ضرورةً لتصحيح الكلام من جهة العقل، فيمتنع وجود الملفوظ عقلًا بدون ذلك المقتضى.

هذا، وأمَّا القسم الثاني من المنطوق غير الصريح فهو دلالة الإيماء، أو الإيماء والتنبيه(٦)، وهي: أن يقترن بالحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف تعليلًا لهذا الحكم لكان حشوًا في الكلام لا فائدة منه، وهذا الذي ينبغي أن تنزّه ألفاظ الشارع عنه، مِثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ[الانفطار: ١٣؛ المطفِّفين: ٢٢]، فإنه إيماء وتنبيه إلى صيرورتهم في النعيم لعِلَّة بِرِّهِم، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ[الانفطار: ١٤]، فإنه إيماءٌ وتنبيهٌ بأنهم ما صاروا إلى الجحيم إلَّا لفجورهم.

وأمَّا القسم الثالثُ فهو دلالةُ الإشارة، وهي: أَنْ يَدُلَّ اللفظُ على معنًى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم المقصود، أي: قصده يأتي تَبَعًا للفظ كاستفادة أقلِّ مُدَّة الحمل [ستة أشهر] من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا[الأحقاف: ١٥]، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ[لقمان: ١٤]، فالآية الأولى وردت في بيان حقِّ الوالدة وما تعانيه من الآلام في الحمل والإرضاع، وأمَّا الثانية فالمقصود منها بيان أكثر مُدِّة الفصال، أمَّا اللَّازم غير المقصود منها فهو: أنَّ أقلَّ مُدَّة الحمل ستةُ أشهر، وهي دلالة الإشارة، واستفيد ذلك من حاصل طرح مُدَّة الفصال في الآية الثانية من مُدَّتَي الحمل والفصال في الآية الأولى.

هذا، ويقابل المنطوقَ غير الصريح المنطوقُ الصريح، وهو المعنى الذي وضع له اللفظ، وهو يشمل دلالةَ المطابقةِ كدلالة الرجل على الإنسان الذكر، ودلالةَ التضمُّن كدلالة الأربعة على الواحد وهو ربُعها(٧).

[في صورة الإلحاق بلحن الخطاب ما ليس منه]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٨٩]:

«وَقَدْ يَلْحَقُ بذَلِكَ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ ادِّعَاءُ ضَميرٍ يَتِمُّ الكَلاَمُ دُونَهُ، نَحْوُ اسْتِدْلاَلِنَا عَلَى أَنَّ العَظْمَ تَحُلُّهُ الحَيَاةُ بقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ[سورة يس: ٧٨]، فَيَقُولُ الحَنَفِيُّ: المُرَادُ مَنْ يُحْييِ أَصْحَابَ العِظَامِ، فَمِثْلُ هَذَا لاَ يَجُوزُ فِيهِ تَقْديرُ مُضْمَرٍ إِلاَّ بدَلِيلِ اسْتِقْلاَلِ الكَلاَمِ دُونَهُ».

[م] وهذا هو الضرب الثاني من لَحْنِ الخطاب، غير أنَّ الكلام يتمُّ دون تقدير الضمير، فالواجب حمل الكلام على ظاهره لاستغنائه بنفسه؛ لأنَّ الأصلَ في اللفظ أن يكون مستقلًّا بذاته لا يتوقَّف على تقدير مُضمَر(٨)، والإضمارُ على خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين أن يكون مستقلًّا بنفسه أو مضمرًا على نحو ما مثَّل به المصنِّف فإنه يحمل على استقلاله، وهو عدم التقدير لقِلَّة اضطرابه(٩).

ومن أمثلته ـ أيضًا ـ من يرى بحرمة أكل السباع بنهي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن أكل كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع(١٠). فيقول المخالف: إنما أراد النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما أكلته السباعُ، لا أنَّ السباع لا تُؤكَل، وبذلك تحصل مطابقة الحديث لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ[المائدة: ٣].

وعليه يكون التقدير: «أكل مأكول كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع حَرامٌ» فمثل هذا لا يجوز تقدير مضمر؛ لأنَّ لفظ الحديث يكتفي بذاته، وغير مضطرب، والأصل في الكلام الاستقلال(١١).

 



(١) انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٨٩).

(٢) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٥٧٣) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٩٥)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٩٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٣٥٦)، وابن ماجه (١/ ٦٥٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وللحديث طرق أخرى منها: حديث أبي ذر، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن عمر رضي الله عنهم، قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٣٧١): «ومجموع هذه الطرق يظهر أنّ للحديث أصلًا»، وقد صحَّحه ابن حزم في «الإحكام» (٥/ ١٤٩)، وقال النووي في «الأربعين» (٣٢٨): «حديث حسن».

انظر: «نصب الراية» للزيعلي (٢/ ٦٤)، «الدراية» لابن حجر (١/ ١٧٥)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (١/ ٢٨١)، «كشف الخفاء» للعجلوني (١/ ٥٢٢)، «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (٣٥٠)، «المقاصد الحسنة» للسخاوي (٣٦٩)، «إرواء الغليل» للألباني (١/ ١٢٣).

(٣) وبهذا قال الظاهرية والشيعة بأنَّ الصوم في السفر لا يجزئ عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة رضي الله عنهم وبه قال الزهري والنخعي.

انظر: «المحلى» لابن حزم (٦/ ٢٤٣)، «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩٥)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٤٩)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٧٩)، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦٤)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٣)، وانظر تفصيل المذاهب في هذه المسألة في «فقه أحاديث الصيام» للمؤلِّف العدد: (٤).

(٤) انظر المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٨٩).

(٥) قال الشافعي في «الرسالة» (٦٢، ٦٣): «باب الصنف الذي يبين سياقه معناه: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة الأعراف]، فابتدأ جلّ ثناؤه ذِكْرَ الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآية، دلَّ على أنه إنما أهل القرية؛ لأنّ القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون».

(٦) ويسمِّيه بعضُهم بدلالةِ التنبيه، وبعضُهم سماه بفحوى الخطاب، وآخرون بلحن الخطاب، هذا ودلالة الإيماء على ستة أنواع وهي إحدى مسالك العِلة الاجتهادية.

(٧) انظر «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٣٧٣)، «مذكرة الشنقيطي» (٢٣٤).

(٨) انظر معنى الاستقلال وما يقابله في «الإحكام للآمدي» (١/ ٢٠)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (١/ ٢١٢)، «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني (٢٨٢)، «نهاية السول» للإسنوي (١/ ٢٤٨).

(٩) انظر: «المحصول» للرازي (٢/ ٢/ ٥٧٤)، «الإحكام» للآمدي (٣/ ٢٦٧)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (١١٢)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ٢٩٥)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٧٨).

(١٠) أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٤٣)، والبخاري (٩/ ٦٥٧)، ومسلم (١٣/ ٨٢)، وأبو داود (٤/ ١٥٩)، وابن ماجه (٢/ ١٠٧٧)، والنسائي (٧/ ٢٠٠)، وابن الجارود في «المنتقى» (٣٣٢) من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.

(١١) «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٨٢ ـ ٤٨٣) [بتحقيقنا].

 

 

عدد الزوار