باب أحكام الاستثناء | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



باب
أحكام الاستثناء

[في الاستثناء من غير الجنس]

• قَالَ المُصَنِّفُ -رحمه الله- في [ص ٢١٠]:

«الاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: اسْتِثْنَاءٌ يَقَعُ بهِ التَّخْصِيصُ، وَاسْتِثْنَاءٌ لاَ يَقَعُ بهِ التَّخْصِيصُ، فَأَمَّا الاسْتِثْنَاءُ الَّذِي يَقَعُ بهِ التَّخْصِيصُ فَعَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ: اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الجِنْسِ، وَاسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ، وَاسْتِثْنَاءٌ مِنَ الجُمْلَةِ… وَأَمَّا الاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ فَلاَ يَقَعُ بهِ التَّخْصِيصُ».

[م] الاستثناءُ هو: «قولٌ متَّصلٌ يدلُّ بحرف «إلَّا» أو إحدى أخواتها على أنَّ المذكور معه غير مرادٍ بالقول الأول»، والفرق بين الاستثناء والتخصيص المنفصل أنَّ الأول يُشترط فيه الاتصال فلا يجوز أن يقول: «رأيت الناس» ثمَّ بعد زمن يستثني زيدًا، بينما التخصيص المنفصل يجوز أن يكون متَّصلًا ومتراخيًا، والتخصيص المنفصل يصحُّ في الظاهر ـ وهو العامّ فقط ـ فلا يجوز في النصِّ، بخلاف الاستثناء فإنه يتناول الظاهر والنصّ، فيجوز أن تقول: «لي عليه عشرة دنانير إلَّا ثلاثة».

هذا، والمصنِّف في هذا الباب قَسَّم الاستثناء إلى ضربين: ما يقع به التخصيص، وما لا يقع به التخصيص، غير أنَّ الظاهر من نصِّ المصنِّف إقحامه للقسم الثاني الذي لا يقع به التخصيص ـ وهو الاستثناء من غير الجنس ـ في أضرب القسم الأوَّل الذي يقع به التخصيص، ولعلَّ المصنِّف أدرج اختيارَه المتمثِّل في جواز التخصيص بالاستثناء من غير الجنس ضمن أضرب القسم الأول، واستبقى القسم الثاني الذي هو مذهب الجمهور في عدم وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس، وقد اتفق العلماء على أنَّ الاستثناء من الجنس حقيقة وأنه يصحُّ الاستثناء به، وأمَّا الاستثناء من غير الجنس فاختلفوا فيه، والصحيح أنه: لا يجوز الاستثناء به خلافًا لمذهب المصنِّف، وبه قال الباقلاني، وذكر الفخر الرازي أنه ظاهر كلام النحويين(١)؛ لأنه لا يخرج من الجملة بعض ما تناولته مثل قولك: «رأيت الناس إلَّا حمارًا»؛ لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس، وإذا جاءت مثل هذه الصيغ والجمل حُملت على المجاز لا على الحقيقة، وهو مذهب الجمهور ـ كما تقدَّم ـ وبه قال محمَّد ابن خويز منداد كما صرَّح به المصنِّف، وهو قولُ الشيرازيِّ شيخِ المصنِّف والغزاليِّ والسرخسي والبيضاوي وغيرِهم، ومن أدلَّتهم أنَّ المستثنى من الجنس شاع استعماله حتى أصبح المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، والتبادر أمارة الحقيقة وما ورد على خلافها فهو المجاز، كما أنه لا يوجد معنى في استثناء من غير الجنس؛ لأنَّ الاستثناء إخراج، وهو غير متحقِّق فيه إذ الإخراج فرع الدخول، ولا دخول للمستثنى تحت لفظ المستثنى منه في غير الجنس؛ لأنه ليس من جنسه، واللفظ لا يدلّ على ما ليس من جنسه، فتسميته استثناء مع أنه لا إخراج فيه لا يكون حقيقة وإنما مجازًا؛ ولأنَّ الاستثناء من غير الجنس على غير وضع اللغة، إذ قد يكون معيبًا استعماله عند العقلاء، فلو قال: «رأيت الحجاج إلَّا الكلاب» لكان مستهجنًا، أو قال: «رأيت العلماء إلَّا الحمير» لكان معيبًا ومستهجنًا، وما كان كذلك فلا يجوز أن يضاف إلى أهل اللغة على وجه الحقيقة(٢).

[دليل الباجي -رحمه الله- على وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢١١]، عند معرض الاستدلال على اختياره بجواز وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس:

«وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً[النساء: ٩٢]، وَالخَطَأُ لاَ يُقَالُ فِيهِ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَلاَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بدَاخِلٍ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وَقَدْ قَالَ النَّابغَةُ: «…وَمَا بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلاَّ أَوَارِيُّ…»».

[م] قد لا يُسلم المخالف أنَّ في الآية وقول النابغة(٣) دليلًا على جواز وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس؛ لأنَّ الآية لا يوجد فيها استثناء لكون «إلَّا» فيها للاستدراك، وهو استثناء منقطع ليس من الأول، وتكون فيه «إلَّا» بمعنى «لكن»، والتقدير: «ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا البتة لكن إن قتله خطأ فعليه الكفارة والدية». وإذا سلم مجيئه متَّصلًا فعلى التقديرين كليهما ليس فيه حُجَّة على وقوع التخصيص به، ويظهر التقدير الأول في العبارة التالية: «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا ولا يقتص منه إلَّا أن يكون خطأ فلا يقتص منه ولكن فيه الكفارة والدية»، والتقدير الثاني أن يقدَّر «كان» بمعنى «وجد» أو «استقر» فكأنه قال: «وما وجد وما تقرّر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلَّا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانًا»(٤).

أمَّا محلُّ الشاهد عند المصنِّف من إيراد بيتي النابغة هو استثناء «أواري» من «أحد» على أنه استثناء من غير الجنس، فأجيب: بعدم التسليم بأنه استثناء من غير الجنس من ناحيتين:

الأولى: إنَّ «الأواري» مستثنى من جنس المستثنى منه؛ لأنَّ «أحد» يطلق على الجمادات كما يطلق على الآدمي.

الثانية: أنه قد جرت عادة العرب في كلامهم أن يجعلوا الشيء من جنس غير جنسه توسّعًا كما في قول أبي ذؤيب الهذلي:

فَإِنْ تُمْسِ فِي غَارٍ بِرَهْوَةَ ثَاوِيًا * أنيسُكَ أَصْدَاءُ القُبُورِ تَصِيحُ(٥)

فقد جعل أصداءَ القبور أنيسًا، وليست في الأصل من جنس الأنيس إلَّا من باب التوسَّع، وقد يحصل وأن يكون من جنسه؛ لأنَّ الأبنية والأحجار والأشجارَ فضلًا عن الحيوان يحصل معه الأنس كالآدمي.

وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا حلف إنسان أنه لا يستثني، أو قال لزوجته: «إن استثنيت فأنت طالق» ثمَّ يستثني منقطعًا، فإنه يحنث عند من يسمِّي الاستثناء المنقطع استثناء، ولا يحنث عند من لا يسميه كذلك(٦)، ولو قال المقر: «عليَّ ألف درهم إلَّا ثوبًا» فإنه لا يجوز التخصيص به عند من لا يسمِّي الاستثناء المنقطع استثناء، ويجوز عند الفريق الثاني، وله أن يبيِّن قيمةَ الثوب ليعلم مقداره المستثنى(٧).

هذا، أمَّا مَنْ يرى أنَّ تسمية الاستثناء مِن غير الجنس حقيقة أو مجاز أو موقوف فما هو إلَّا مجرَّد اصطلاح واختلاف لفظي لا أثر له في الفروع لاتفاقهم على تسميته استثناء(٨).

 



(١) انظر: «المستصفى» للغزالي (٢/ ١٦٩)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٤٦).

(٢) انظر مذاهب العلماء وأدلَّتهم في مسألة التخصيص بالاستثناء من غير الجنس في المصادر المثبتة على هامش كتاب «الإشارة» (٢١١).

(٣) انظر ترجمته على هامش كتاب «الإشارة» (١٧٨).

(٤) «تفسير القرطبي» (٥/ ٣١٢ ـ ٣١٣).

(٥) «معجم البلدان» لياقوت الحموي: (٣/ ١٠٨)، «خزانة الأدب» للبغدادي (٣/ ٣١٥)، «لسان العرب» لابن منظور (١٤/ ٣٤٠). والرهوة: شبه التل الصغير في متون الأرض على رؤوس الجبال، وهو مكان منخفض يجتمع فيه الماء. [«العين» للفراهيدي (٤/ ٨٤)، «المعجم الوسيط» (١/ ٣٧٩)].

(٦) انظر: «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ٣١٦).

(٧) انظر: «التمهيد» للإسنوي (٣٩١).

(٨) «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ٣١٦).

 

 

عدد الزوار