فصل [في صحة إجماع عصر الصحابة دون سائر الأعصار] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 10 صفر 1442 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2020 م



فصل
[في صحة إجماع عصر الصحابة دون سائر الأعصار]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٨٠]:

«إِجْمَاعُ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الفُقَهَاءِ غَيْرَ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الأَصْبَهَانِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: «إِجْمَاعُ عَصْرِ الصَّحَابَةِ دُونَ إِجْمَاعِ المُؤْمِنِينَ فِي سَائِرِ الأَعْصَارِ»».

[م] القول بإجماع التابعين ومَن بعدَهم ليس بحُجَّة هو مذهب داود وابنه أبي بكر، ومَن تبعه من أهل الظاهر كابن حزم(١)، ولا يخفى أنَّ إجماع الصحابة متَّفقٌ على وقوعِهِ، وهو الذي سَلَّمَ به جميعُ أهلِ السُّنَّة، وإجماعُهم قطعيٌّ خاصَّةً إذا ما نقل بالتواتر، أمَّا إجماعُ غيرِهم فقد ثبت بدليل الكتاب والسُّنَّة والمعقول والعادة(٢) كون الإجماع حُجَّة قاضية ببطلان دعوى قصر الإجماع على الصحابة دونما سواهم.

هذا، وغاية ما يَستدِلُّ به الظاهريةُ أنَّ الإجماعَ إنما يكون عن توقيف والصحابة هم الذين شهدوا التوقيفَ من رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وقد أثنى اللهُ تعالى عليهم، والثناءُ يدلُّ على اعتبار أقوالهم لصِدقها يقينًا، وأنَّ الله تعالى حفظ القرآن بحفظ الصحابة له وإجماعِهم عليه، وقد أجابوا عن الجمهور بأنَّ الآيات والأحاديث في مثل قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ[النساء: ١١٥]، و﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[آل عمرن: ١١٠]، إنما هو خطابٌ يتناول الموجودين في زمن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فالعصمة المخبر عنها إنما هي خاصَّة بالصحابة في زمنه صلَّى الله عليه وسلَّم دون غيرهم.

وأُجيبَ على هذا الاستدلال بأنَّ التوقيف وإن كان الصحابة هم الذين شاهدوه، فإنه ينتقل إلى من بعدهم فيكونون في حكم من شاهدوه، أمَّا الثناء فليس قاصرًا على الصحابة رضي الله عنهم بل شامل لجميع المتَّبعين بإحسان بعد الصحابة إلى آخر المسلمين كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ[التوبة: ١٠٠]، فيقتضي ذلك حُجِّية إجماعهم لاشتراكهم جميعًا في الثناء والمدح، بل أثنى اللهُ تعالى على أُمَّة الإسلام واختارَهم لدِينه ونُصرته لعَدْلِهم وإنصافهم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[البقرة: ١٤٣]، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[آل عمران: ١١٠]، والأُمَّة شاملة للصحابة وتابعيهم الذين حفظوا القرآن وكتبوه وعملوا به.

ثمَّ يلزم القائلين به ـ من ناحية أخرى ـ أنه لا ينعقد إجماع الصحابة رضي الله عنهم بعد موت مَن كان موجودًا عند نزول الآيات الدالَّة على الإجماع، و أن لا يُعتدَّ بخلاف من أسلم بعد نزول هذه الآيات لكونه خارجًا عن المخاطبين مع دخول من مات من الصحابة أو استشهد في مُسمَّى «المؤمنين» و«الأُمَّة»، ومع ذلك يتحقّق الإجماع بمَنْ بقي من الصحابة بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويكون حُجَّة باتفاق، وإذا كان لا يمنع من مات واستشهد من هؤلاء من تحقّقه، فلا مانعَ من إجماع من جاء بعدهم؛ لأن وَصْفَ الأُمَّة ووصفَهم بالإيمان حاصلٌ لأفرادهم ولكلّ الموجودين في كلّ وقت، فالتابعون إن أجمعوا فهو إجماع من جميع الأُمَّة، ومن خالفهم فهو سالك غيرَ سبيل المؤمنين(٣).

 



(١) «الإحكام» (٤/ ١٤٧)، و«النبذ» كلاهما لابن حزم (١٨).

(٢) وقد تقدَّم إمكانية وقوع الإجماع في العادة. انظر: الرابط.

(٣) انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٨١).

عدد الزوار