باب أحكام الناسخ والمنسوخ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 10 صفر 1442 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2020 م



باب
أحكام الناسخ والمنسوخ

[في حقيقة النسخ]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٥٥]:

«النَّسْخُ: هُوَ إِزَالَةُ الحُكْمِ الثَّابتِ بالشَّرْعِ المُتَقَدِّمِ بشَرْعٍ مُتَأَخِرٍ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاَهُ لَكَانَ ثَابتًا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسِخَ وَالمَنْسُوخَ لاَبُدَ أَنْ يَكُونَا حُكْمَيْنِ شَرْعِيَيْنِ».

[م] اختار المصنِّف قولَ القائلين بأنَّ النسخ رفع وإزالة الحكم، أي: قطع لدوام الحكم فجأة لا لبيان انتهاء مُدَّته، وهو الصحيح؛ لأنّ انتهاء مُدّة الحكم لا يُسمَّى نسخًا، والخلاف لفظيٌّ لحصول الاتفاق على انعدام الحكم الأوّل بسبب انعدام متعلّقه وهو الدليل لا لذات الحكم.

واشترط المصنِّف في الحكم أن يكون ثابتًا؛ لأنَّ ما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه، وقيَّده بشرع متأخِّر للاحتراز من زوال الحكم بدون شرع كالموت أو الجنون؛ لأنَّ الرفع عنهما لم يكن بشرع، واشتُرط المتأخّر في الشرع ليكون هو الناسخ للحكم المنسوخ لإخراج المخصّصات المتصلة كالشرط والغاية والاستثناء فهي رافعة للحكم الشرعي بخطاب شرعي لكن لا تُسمَّى نسخًا؛ لأنّ الخطاب غير متأخّر عنها بل متّصل بها.

هذا، والحكم الأوَّل هو المنسوخ فإنه يشترط ـ من حيث مُدَّتُه ـ أن تكون مطلقة غير معلومة فيرد فيه الناسخ من غير انتظار من المكلَّفين، ويُشترط فيه ـ من حيث ثبوتُه ـ أن يكون ثابتًا بخطاب مُتقدِّم، أمَّا الحكم الثابت بدليل العقل أو بالبراءة فلا يُسمَّى نسخًا؛ لأنه لم يثبت بخطاب مُتقدِّم وإنَّما ثبت بأصل براءة الذِّمَّة.

والحكم الثاني هو الناسخ ويشترط أن يكون خطابًا شرعيًّا مُنفصلًا عن المنسوخ ومُتأخِّرًا عنه، فارتفاع الحكم بالموت أو الجنون أو بأي عارض من عوارض الأهلية فليس بنسخ، واقتران الحكم ببعضه بعضًا كالشرط والغاية والاستثناء ـ كما تقدَّم ـ لا يُسمَّى نسخًا وإنَّما هو تخصيص(١).

• وقول المصنِّف بعد ذلك: «أَوِ السَّاقِطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَامْتِثَالِ مُوجِبهِ فَإِنَّهُ لاَ يُسَمَّى نَسْخًا».

[م] أي أنَّ الساقط بعد ثبوته وانتهاء مُدَّته لا يُسمَّى نسخًا؛ لأنَّ النسخَ هو إزالة الحكم على وجهٍ لولا هذا الرفع لبقي الحكم ثابتًا ومُستمرًّا يعمل به، أمّا بعد انتهاء مُدَّته فلا يعمل به، كالإجارة من حيث انقضاءُ أجلها يكون ارتفاع حكمها بسبب انقضاء أجلها وانتهاءِ المدّة المعلومة لكلا المتعاقدين، بخلاف ما إذا حلت قوة قاهرة أو وجد سبب طارئ على العقد فإنَّه يؤدِّي إلى فسخها قبل انتهاء مُدَّتها كالهدم مثلًا.

 


(١) انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٥٥).

 

 

عدد الزوار