فصل [في فحوى الخطاب] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



فصل
[في فحوى الخطاب]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٩٠]:

«وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَهُوَ فَحْوَى الخِطَابِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ نَفْسِ الخِطَابِ مِنْ قَصْدِ المُتَكَلِّمِ بعُرْفِ اللُّغَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ(١) وَلَا تَنْهَرْهُمَا[الإسراء: ٢٣]، فَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ المَنْعُ مِنَ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ، وَيَجْرِي مَجْرَى النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ فِي وُجُوبِ العَمَلِ به وَالمَصِيرِ إِلَيْهِ».

[م] لم يتفق العلماء على اصطلاح واحدٍ بشأن فحوى الخطاب، فقد أطلقه المصنِّف على مفهوم الموافقة، وهو إطلاق الأكثرين، ويسمَّى ـ أيضًا ـ تنبيه الخطاب، ومفهوم الخطاب على ما سمَّاه به أبو يعلى والكلوذاني، ويطلق بعض المالكية تنبيه الخطاب على مفهوم المخالفة، ويطلق فحوى الخطاب ـ أيضًا ـ على الأولوي، ويسوي بعض العلماء بين لحن الخطاب وفحواه على ما تقدَّم(٢).

ويذهب تاج الدِّين السُّبكي ومَن تبعه إلى القول بوجود تباين في التسمية بين لحن الخطاب وهو: «مَا كان المسكوت عنه مُساويًا للمنطوق به»، وفحوى الخطاب الذي هو: «ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به»، وهذا التفريق غير مستقيم من حيث اللفظ والتسمية لذلك لم يلتزمه الجمهور، بل عدَّهما مترادفين؛ لأنَّ فحوى الكلام يقصد به معناه، وهو المراد باللحن كقولهم: «عرفت ذلك من لحن كلامه» أي: فحواه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ[محمَّد: ٣٠]، أي: في مفهومه وما يظهر بالفطنة، وعليه يبقى التفريق بينهما على هذا الوجه مفتقرًا إلى قرينة تقويه، أمَّا اصطلاحًا فلا مشاحة فيه بعد فهم المعنى.

وقد مثَّل المصنِّفُ للمفهوم الأولوي [فحوى الخطاب] بمثال يقطع فيه بنفي الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق به، لاقتضاء الضرب والشتم معنًى أولويًّا من التأفيف في الإساءة للوالدين، غير أنَّ من المفهوم الأولوي ما يظنُّ فيه انتفاء الفارق بينهما من غير قطع فيه بنفي الفارق، كإلحاق شهادة الكافر على شهادة الفاسق في ردِّها بقوله تبارك وتعالى ـ في شأن الفاسق ـ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[سورة النور: ٤]، لاحتمال الفرق من جهة كون الكافر يحترز عن الكذب لدِينه، والفاسق متّهم في دينه، وكإلحاق العمياء بالعوراء في منع الأضحية، لاحتمال أنَّ العوراء مظنَّة الهزال والعمياء مظنّة السمن(٣).

وجديرُ بالملاحظة أنَّ المصنِّفَ لم يتناول الفرقَ بينه وبين المفهوم المساوي أو لحن الخطاب وهو: «ما كان المسكوت عليه مساويًا للمنطوق به»، لذلك اكتفى بالتمثيل لفحوى الخطاب، وبيان أنَّه يجري مجرى النصّ، ومن أمثلة أهل العلم على المفهوم المساوي، تحريم إتلاف مال اليتيم من تحريم أكله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ[النساء: ٢]، لاقتضاء الأكل والإحراق والإغراق معنى التعدِّي والتضييع، فالجميع إتلافٌ، وهذا المثال يقطع فيه بنفي الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق به.

ومثال المفهوم المساوي الذي يظنّ فيه انتفاء الفارق بينهما من غير قطع: إلحاق الأَمَة بالعبد في السراية في العتق في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ بِهِ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ العَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»(٤)، إذ لا فرقَ بينهما، غيرَ أنَّ احتمال خصوصية العبد بعد العتق مزاولته مناصب الرجال ما لا تزاوله الأنثى ولو كانت حرة(٥).

وقول المصنِّف: «فَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ» هو ما عليه جمهور العلماء من أنَّ مستند الحكم في محلِّ السكوت هو فحوى الدّلالة اللفظية لغة، وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية، وسمَّاه الحنفية دلالة النصّ خلافًا لمذهب الشافعي فإنَّ دلالته قياسية، أي أنَّ مفهوم الموافقة يدلّ على إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لاشتراكهما في عِلة الحكم، فانطبق عليه حدّ القياس، وبهذا قال أبو إسحاق الشيرازي والجويني والقفال الشاشي وابن بَرهان وغيرهم(٦).

والقول بأنَّ دلالةَ المفهوم دلالةٌ لفظيةٌ هو الصحيح؛ لأنَّ التنبيه من الأدنى إلى الأعلى أو بأحد المتساويين على الآخر من الأساليب الفصيحة التي تجري على اللسان العربي للمبالغة في تأكيد الحكم في محلِّ المسكوت عنه؛ ولأنَّ دلالة المفهوم ثابتةٌ قبل استعمال القياس، فلا يتوقَّف فهمُه على الاجتهاد والاستنباط والتأمُّلِ والاعتبار الدقيقِ، بل مجرّد سماع اللفظ ينتقل مباشرة من العارف باللغة من المنطوق إلى المسكوت انتقالًا ذهنيًّا سريعًا، كتحريم التأفيف، فيفهم منه العارف باللغة جميع أنواع الأذى من ضرب وشتم وقتل ونحو ذلك من غير توقّف على مقدّمات شرعية أو استنتاجية، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ[الطلاق: ٢]، فإنه يتبادر إلى الذِّهن مباشرة أنَّ الأربعة عدول المسكوت عنهم أولى عند العارف باللغة سواء علم شرعية القياس أو جهلها فكان الحكم الثابت بمفهوم الموافقة مستندًا في فهمه إلى المناط اللغوي، علمًا أنَّ من شروط المقيس عليه أن لا يكون جزءًا من الفرع المقيس مندرجًا تحته، وهذا بخلاف شرط مفهوم الموافقة فإنَّ الاثنين يدخلان في الأربعة، والتأفيف يدخل في عموم الأذى وهما جزء من الزيادة، ومن جهة أخرى فإنَّ من شرط الفرع المقيس أن يكون حكمه دون الأصل المقيس عليه، بخلاف مفهوم الموافقة فمن شرطه مساواته بالأصل المنطوق أو أن يكون أعلى منه، لذلك كان المعنى المشترك بين المنطوق والمفهوم شرطًا لغويًّا لدلالة المنطوق على المسكوت وليس قياسيًّا.

وبناءً على ما تقدَّم فَمَن رأى أنَّ دلالةَ مفهومِ الموافقة لفظيةٌ، قال بجواز النسخ بالمفهوم، وتقديمه على القياس، لكونه أقوى منه، إذ هو معدودٌ من الألفاظ الشرعية، واللفظ يَنسِخُ ويُنسَخُ به، ودلالته مقدَّمةٌ على القياس، أمَّا من رأى أنَّ دلالة مفهوم الموافقة قياسية، منع النسخ، وجعله أضعف من دلالة الألفاظ معاملة له بما يعامل به القياس.

هذا، والاحتجاج بمفهوم الموافقة ووجوب العمل به محلّ إجماع بين العلماء من حيث الجملةُ، وخالف في ذلك داودُ الظاهريُّ وابنُ حزم(٧)، قال ابن رشد(٨): «لا ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه ـ أي مفهوم الموافقة ـ؛ لأنَّه من باب السمع، والذي يَرُدُّ ذلك يردُّ نوعًا من خطاب العرب»(٩)، وحكم ابن تيمية على خلافهم بأنه مكابرة(١٠). ولا يخفى ما يترتَّب على قول الظاهرية من آثارٍ فقهية حيث جعلوا مفهومَ الموافقة من قبيل القياس، ونفوا القياس أصلًا وأنكروا حُجِّيَّتَه(١١).

 



(١) «أُفٍّ» بالتنوين، اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجّر وأتكرَّه من كلّ شيء. أمَّا بدون تنوين: أفْ، أفَّ، أفا وغير ذلك فتعني: أتضجر من شيء معيِّن. [«معجم الإعراب والإملاء» (٦٣)].

(٢) انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٩٠).

(٣) انظر «مذكرة الشنقيطي» في الأصول (٢٤٩ ـ ٢٥١)، «الفتح المأمول» للمؤلف (٩٧).

(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥/ ١٥١)، ومسلم (١٠/ ١٣٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٥) «مذكرة الشنقيطي» في الأصول (٢٥١).

(٦) انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٩١).

(٧) «الإحكام» لابن حزم (٧/ ٣، ٥٦)، واختلف القول عن داود الظاهري في الاحتجاج به.

[انظر: «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٤٨٣)، و«إحكام الآمدي» (٢/ ٢١٠)].

(٨) هو أبو الوليد محمَّد بن أحمد بن أبي الوليد بن رشد المالكي، الشهير بالحفيد الغرناطي، يلقب بقاضي الجماعة، كان عالمًا جليلًا، أصوليًّا فقيهًا، حافظًا متقنًا، له تصانيف في فنون متنوعة، منها: «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، و«منهاج الأدلة في الأصول»، و«الكلية في الطب»، و«جوامع كتب أرسطو في الطبيعيات والإلهيات»، توفي سنة (٥٩٥ﻫ)، بمراكش، ونقلت جثته إلى قرطبة.

انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٢١/ ٣٠٧ ـ ٣١٠)، «الديباج المذهب» لابن فرحون (٢٨٤ ـ ٢٨٥)، «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي (٦/ ١٥٤)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٤/ ٣٢٠)، «الفتح المبين» للمراغي (٢/ ٣٨ ـ ٣٩)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٢٢٨ ـ ٢٢٩).

(٩) «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٤).

(١٠) «المسودة» لآل تيمية (٣٤٦)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٢٠٧)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٧٩).

عدد الزوار