باب الإجماع وأحكامه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



باب
الإجماع وأحكامه

[في حجية الإجماع]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٧٥] عند ذِكر حُجِّية الإجماع والقطع بصحَّته:

«وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا[النساء: ١١٥]، فَتَوَعَّدَ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبيلِ المُؤْمِنِينَ فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا باتِّبَاعِ سَبيلِهِمْ».

[م] لا خلافَ بين أهل العلم في تصوُّر الإجماع وإمكانه عقلًا في ضروريات الأحكام، أمَّا غيرها من الأحكام غير المعلومة بالضرورة بأن حَصَل الإجماع فيها عن مستند ظنٍّي فهذه وقع فيها الاختلاف في إمكانه أو استحالته. وما عليه جماهيرُ العلماء أنه ممكن عادة؛ لأنَّ الأصلَ الإمكان، فيُستصحَبُ هذا الأصل حتى يَرِدَ ما يمنعُهُ؛ ولأنه وقع فعلًا كإجماعهم على بعض مسائل الميراث كحَجْبِ ابنِ الابن بالابن، وتقديم الدَّيْنِ على الوصية، وفي باب الأطعمة والنجاسات الإجماع على حرمة شحم الخنزير كلحمه، وغيرها من المسائل التي حصل فيها الإجماع عن طريق النقل فيما إذا كان الإجماع سابقًا، أو عن طريق المشافهة والمشاهدة إذا وقع في عصر المجتهدين، وهو المذهب الراجح؛ لأنَّه إذا تحقَّق الاتفاق من الأُمَّة في المسائل المعلومة من الدِّين بالضرورة بما فيهم العوامُّ وهم أكثر عددًا وأقلّ نظرًا، فلَأَنْ يتحقق العلم بالإجماع من المجتهدين أولى لأنهم دونهم في العدد وأكثرهم في النظر، ومن جهة أخرى يلاحظ تحقّق الإجماع مع أرباب العلوم الدنيوية؛ فلأن كان كذلك فالأولى به أهل الاجتهاد والنظر في العلوم الشرعية لوجود الدوافع الدِّينية لذلك الإجماع، ومن هنا يتَّضح التفريقُ بين حصولِ الإجماع وإمكانِ وقوعِه، وبين حُجِّيته في كلِّ عصر، وليس بين الأمرين تلازم(١)، فعلى مذهب جماهير العلماء أنَّ الإجماعَ حُجَّةٌ شرعيةٌ يجب اتباعُها والمصيرُ إليها، وهي حُجَّةٌ ماضيةٌ في جميع العصور، سواء في عصر الصحابة أو عصر مَن بعدَهم(٢)، وقد استدلّ المصنِّفُ من جهة الشرع بالآية على أنه لا يصحُّ الاستدلال بها في خصوص مُشاقَّةِ الرسول فقط أو لاتباع غير سبيل المؤمنين فقط، ولا يصحُّ الاستدلال بها على أن يلحق الذَّمّ للأمرين عند اجتماعهما؛ ذلك لأنَّ مُشاقَّة الرسول منفردة موجبة للوعيد قطعًا بنصوص عديدةٍ، منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[الأنفال: ١٣]، فتبيَّن أنَّ الذَّمَّ يلحق لكلٍّ من الأمرين ولو على وجه الانفراد، وأنه يلحقهما لكونه مستلزمًا للآخر ومقتضيًا له، ومن الأدلَّة الأخرى على حُجِّية الإجماع قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[البقرة: ١٤٣]، فقد وصف اللهُ الأُمَّةَ بالوسط وهو العدل الخيار فعدلهم الله بقَبول شهادتهم، ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطإ لم يكونوا شهداء الله في الأرض، وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم(٣).

ومن ذلك ـ أيضًا ـ قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[آل عمران: ١١٠]، فوصفهم اللهُ تعالى بالخيرية الموجبة حقيقة ما اجتمعوا عليه؛ لأنه لو لم يكن حقًّا لكان ضلالًا، فثبت أنَّ إجماع الأُمَّة حقٌّ، وأنها لا تجتمع على ضلالة كما ثبت ذلك في الحديث(٤) الذي يستفاد منه وجوب اتباع الجماعة وتحريم مفارقتها من جهة، وعصمة هذه الأُمَّة عن الخطأ والضلالة من جهة أخرى، والجهتان متلازمتان، فقول الأُمَّة لا يكون إلَّا حقًّا إن كانت مجتمعةً وذلك مكمن العصمة؛ لأنَّ الشرع علَّق العصمة على الاجتماع والاتفاق من غير أن يبلغ المجمعون عدد التواتر.

هذا، وقد ذكر الجمهور أدلَّةً أخرى من الشرع والعقل تفيد في مجملها عدم حصر حُجِّية الإجماع في عصرٍ دون عصر؛ لأنها أدلَّةٌ عامَّة مُطلقة وتقييدها بعصر أو تخصيصها به يحتاج إلى دليل شرعيٍّ معتبر ـ كما سيأتي ـ وأمَّا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فمتفق على وقوعه وهو الذي سَلَّمَ به الجميع، وإجماعُهم قطعيٌّ خاصَّةً إذا نقل بالتواتر، فهو كالذي عُلِمَ من الدِّين بالضرورة، أمَّا ما غلب على الظنِّ فيه اتفاق الكُلِّ فهو إجماع ظنِّيٌّ، والحكم بقطعية الإجماع من ظنِّيَّته أمر إضافي نسبي متفاوت من حيث الأشخاصُ، لكن المجزوم به أنّ الإجماع ـ وإن اختلف في بعض أنواعه وبعض شروطه ـ إلَّا أنه في الجملة أصلٌ مقطوع به وحُجَّةٌ ثابتة، وما تقدَّم من إجماعات قطعيةٍ فلا نزاع فيها، وأمَّا سائر الإجماعات الأخرى فقابلة للنِّزاع.

 



(١) «الفتح المأمول» للمؤلّف (٨١).

(٢) قول الإمام أحمد المشهور: «مَنِ ادَّعَى الإجماعَ فهو كاذبٌ» محمولٌ في حقِّ مَن ليس له معرفة بخلاف السلف، ويدلّ عليه تتمّة كلامه السابق: «مَنِ ادَّعَى الإجماعَ فهو كاذبٌ، لعلَّ الناسَ اختلفوا، هذه دعوى بِشْر المريسي والأصمِّ، لكن يقول: «لا نعلم الناسَ اختلفوا» إذا لم يبلغه»، ونقل عنه أنه قال: «ولكن يقول: «لا أعلم فيه اختلافًا» فهو أحسن من قوله: «إجماع الناس»»، وهو منقول ـ أيضًا ـ عن الإمام الشافعي، فَيُفْهَمُ من المقالة السابقة وجوبُ الحيطة في نقل الإجماع، والتثبّت وعدم التسرّع في ادعائه، والتورّع في نقله لجواز وجود خلاف لم يبلغه، لذلك ينبغي نقله بصيغة عدم العلم، لا بصيغة العلم بالعدم إلَّا إذا علم واشتهر ضرورة الاتفاق عليه.

وقد أفصح ابنُ القيم -رحمه الله- في «مختصر الصواعق» (٦٠٥) عن معنى كلام الإمام أحمد بما نصُّه: «ليس مرادُه بهذا استبعاد الإجماع، لكن أحمد وأئمَّة الحديث بُلُوا بمن كان يَرُدُّ عليهم السُّنَّة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبيَّن الشافعيُّ وأحمدُ أنَّ هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز ردّ السنن بمثلها».

(٣) «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي (١/ ١٦٠).

(٤) حديث «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣٠٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١١٦)، والخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٦١)، من حديث أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه، كما أخرجه الترمذي (٤/ ٤٦٦)، وابن أبي عاصم في «السُّنَّة» (٣٩)، وابن حزم في «الإحكام» (٤/ ١٢٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وله طُرُقٌ أخرى، قال الزركشي: «اعلم أنّ طُرق الحديث كثيرة لا تخلو من عِلة، وإنما أوردت منها ذلك ليتقوى بعضُها ببعض»، وقال السخاوي: «وبالجملة فهو حديثٌ مشهور المتن، ذو أسانيد كثيرة، وله شواهد متعدّدة في المرفوع وغيره»، والحديث حسَّنه الألباني.

انظر: «تحفة الطالب» لابن كثير (١٤٥)، «المعتبر» للزركشي (٥٧)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ١٤١)، «المقاصد الحسنة» للسخاوي (٧١٦)، «التمييز» للشيباني (٢٠٩)، «كشف الخفاء» للعجلوني (٢/ ٣٥٠)، «تخريج أحاديث اللمع» للغماري (٢٤٦)، «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني (٣/ ٣١٩).

 

 

عدد الزوار