باب أحكام التّرجيح | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



باب
أحكام التّرجيح

الترجيح بابه واسعٌ لا يمكن الإحاطة به سعةً، ولكن يمكن ضبطه بأنه هو ما تحصل به غلبة ظنِّ رجحان أحد الطرفين، غير أنَّ المرجِّحات يستحيل حصرها لكثرتها وانتشارها، وقد جاء على لسان بعض الأصوليِّين أنَّ: «من رام هذه الأجناس بضابطٍ فقد رام شططًا لا تتَّسع له قوَّة البشر»، لذلك اكتفى المصنِّف ببيان جملة من المرجِّحات في الترجيح الواقع في الأخبار سندًا ومتنًا، والترجيح الواقع في المعاني والعِلل، ولم يتعرَّض للترجيح بين الإجماعات والأقيسة والحدود.

[طرق الترجيح بين النصوص من جهة السنة]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٣٢٩]:

«التَّرْجيحُ فِي أَخْبَارِ الآحَادِ يُرادُ لِقُوَّةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بأَحَدِ الخَبَرَيْنِ عِنْدَ تَعَارُضهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ إِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى تَقْدِيمِ بَعْضِ أَخْبَارِ الرُّوَاةِ عَلَى أَخْبَارِ سَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُظَنُّ بهِ الضَّبْطُ وَالحِفْظُ وَالاِهْتِمَامُ بالحَادِثَةِ».

[م] تعرَّض المصنِّفُ -رحمه الله- في طرق الترجيح بين النصوص الشرعية من جهة السُّنَّة دون القرآن؛ لأنَّ السُّنَّة غير مقطوع بها من حيث السندُ والمتنُ في الغالب الأعمِّ، والتعارض يقع فيها كثيرًا بخلاف القرآن الكريم فهو متكاملٌ ومتواتِرٌ في السند والمتن، وما حصل في ظاهره من التعارض فيمكن دفعه بأيسر الطرق، وقد تقدَّم ـ في فصلٍ سابقٍ متعلِّقٍ بطُرُقِ دفع التعارض(١) ـ بيان مسالك العلماء في دفع التعارض الظاهري، وبيَّنتُ أولويةَ تقديمِ النَّسْخِ الثابتِ بنصِّ الشارعِ على بقية المسالك؛ لأنه إذا ثبت بالنصِّ نسخُ أحدهما فإنَّ محاولةَ الجمع أو الترجيح بينهما هو إعطاء حُجِّية لدليلٍ انتهت حُجِّيَّته فلا يصلح أن يعارض الدليل الناسخ، ولا يصار ـ عند الجمهور ـ إلى الترجيح عند التعارض مع إمكان الجمع؛ لأنَّ العمل بالدليلين أَوْلَى من العمل بأحدهما وإسقاطِ الآخر أو إسقاطِهما، والإعمال أَوْلى من الإهمال، وإنما يُصار إليه عند تعذُّر الجمع، أو مع إمكان الجمع بينهما من وجهين مختلفين وتَعَارَضَ الجمعان، وعند تعذُّر الوقوف على المتقدِّم من المتأخِّر ليعمل بالمتأخِّر الناسخِ ويهمل المتقدِّم المنسوخ وَفْقَ شروطٍ تَقَدَّم ذِكرُها، وهذا النسخُ إنما يثبت بالطرق الاحتمالية لذلك يقدم الجمع عليه، وفي هذه الحالة وجب التمسُّك بالترجيح ووجب العمل بالراجح فيما له مرجِّح مُطلقًا سواء كان المرجِّح معلومًا أو مظنونًا باتفاق السلف وجماهير العلماء، خلافًا لأبي الحسين محمَّد بن علي البصري المعتزلي الذي أنكر الترجيح، وقال بلزوم التخيير عند التعارض أو التوقّف، وفصَّل الباقلانيُّ في المرجِّح فأنكر الترجيح بالمرجِّح المظنون وأوجب التوقّف فيه(٢)، والصحيحُ وجوبُ العملِ بالراجح بين الدليلين مُطلقًا لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل بالراجح وترك المرجوح في وقائعَ متعدِّدةٍ سيأتي بعضُها في الترجيح بالسند، وذكر المصنِّف بعضها في ترجيحاته.

 



(٢) انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص ٣٣٠).

 

 

عدد الزوار