فصلٌ [فِي دَلِيلِ الخِطَابِ] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



فصلٌ
[فِي دَلِيلِ الخِطَابِ]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٩٤]:

«وَمِمَّا يَلْحَقُ بذَلِكَ وَيَقْرُبُ مِنْهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ دَلِيلُ الخِطَابِ».

[م] سُمِّي دليل الخطاب لأنَّ دلالته من جنس دلالات الخطاب، أو لأنَّ الخطاب دالٌّ عليه، أو لمخالفته منظوم الخطاب(١)، ويُسَمَّى ـ أيضًا ـ مفهوم المخالفة(٢).

والمصنِّف قَدَّم أحدَ أنواع مفهوم المخالفة وهو مفهوم الحصر ﺑ «إنما» الذي يندرج تحت دليل الخطاب، وجعله مما يقرب منه، والحقيقة أنَّ مفهوم الحصر أحد أنواعه، مثل مفهوم الصفة والشرط والغاية والعدد وغيرها من أنواع مفاهيم المخالفة، لذلك كان الأَوْلَى تقديم هذا الفصل على الذي يليه من باب تقديم الأصل على فرعه أو نوعه.

والمصنِّف اكتفى في هذا الفصل بمفهومٍ واحدٍ وهو مفهوم الصفة، ولم يُعَرِّج على بقية المفاهيم، وخاصَّة مفهوم الاستثناء بالنفي والإثبات الذي يأتي مرتَّبًا في طليعة المفاهيم ثمَّ مفهوم الشرط الذي يُعَدُّ أقوى من مفهوم الصِّفة ومفهوم العِلَّة، كيف وقد احتجَّ بهذه المفاهيم من لم يحتجَّ بمفهوم الصفة، بل وغالبُ استعمال مفهوم الشرط في كلام العرب للتعليل، لكون الشرط يلزم من عدمه عدم المشروط، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ[الطلاق: ٦].

[في تعريف دليل الخطاب]

• عرَّف الباجي -رحمه الله- دليل الخطاب بقوله:

«وَهُوَ: أَنْ يُعَلَّقَ الحُكْمُ عَلَى مَعْنَى فِي بَعْضِ الجنْسِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ عِنْدَ القَائِلِينَ بهِ نَفْيُ ذَلِكَ الحُكْمِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ بهِ ذَلِكَ المَعْنَى مِنْ ذَلِكَ الجِنْسِ(٣)، نَحْوُ قَوْلِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ»(٤) فَيَقْتَضِي ذَلِكَ نَفْيَ الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ».

[م] ولدليل الخطاب حدودٌ أخرى غير تعريف المصنِّف منها:

ـ أنه «دلالة اللفظ على ثبوت حكم المسكوت عنه مخالف للحكم الذي دلّ عليه المنطوق نفيًا وإثباتًا»، أو هو: «الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عمّا عداه»(٥).

وعبارة المصنِّف في تعريفه تظهر بأنَّ تعليق الحكم بالصفة في جنس يقتضي نفي الحكم عمَّا عدا الموصوف بتلك الصفة في ذلك الجنس من غير أن تتعدَّى إلى جنس آخر، وهو مذهب القائلين بحُجِّيَّة مفهوم الصفة، ففي الحديث السابق «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ» دلالة بالمفهوم على أنَّ معلوفة الغنم لا زكاة فيها بخلاف معلوفة الإبل والبقر ففيها الزكاة؛ لأنَّ المنطوق لم يتناول إلَّا الجنس المذكور فمخالفه بالمقابل لا يتناول إلَّا الجنس المذكور تحقيقًا لوجه المخالفة ومعناها(٦).

وهذا المثال الذي ساقه المصنِّف يُعَدُّ أحد أنواع مفاهيم المخالفة، وهو مفهوم الصفة، وهو في نفس الوقت أحد صور مفهوم الصفة، وهو أن يذكر الخطاب العامّ مُعلَّقًا حكمه على وصف خاصٍّ يذكر بعده، ولمفهوم الصفة صور أخرى منها:

مفهوم الحال: وهو تقييد الخطاب بالحال ويدلُّ على نفي الحكم عمَّا عدا ذلك الحال، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة: ١٨٧]، فدلَّت الآية بمفهومها المخالف على حِلّ المباشرة إذا انتفت الحالة المعنية بالتحريم، وهي الاعتكاف، ومفهوم الحال معدود من مفاهيم الصفة؛ لأنَّ المراد الصفة المعنوية لا النعت(٧).

مفهوم المكان: وهو تقييد الخطاب بالمكان ويدلُّ على نفي الحكم عمَّا عدا ذلك المكان، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة: ١٨٧]، حيث يفهم منه أنه لا اعتكاف في غير المساجد لمن يقول بذلك.

مفهوم الزمان: وهو تقييد الخطاب بالزمان ويدلُّ على نفي الحكم عمَّا عدا ذلك الزمان، مثل قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ[البقرة: ١٩٧]، فيفهم منه عدم صِحَّة الحجّ إذا وقع في غير زمانه(٨).

مفهوم التقسيم: وهو تقييد الخطاب بأحد القسمين المذكورين في النص، ويدلُّ على نفي الحكم عن القسم الآخر، مثل قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُها»(٩)، فإنه يفهم بأنَّ البِكر ليست أحقّ بنفسها من وليِّها.

مفهوم العِلَّة: وهو تعليق الحكم بالعِلَّة ويدلُّ على نفي الحكم عمَّا لم تتعلق به تلك العِلَّة، مثل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»(١٠)، فيُفهم منه تحليل غير المسكر(١١).

[في الاحتجاج بمفهوم الصفة]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٩٤] عند ذكر اختلاف العلماء في الاحتجاج بمفهوم الصفة:

«وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى القَوْلِ بهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعيِّ، وَمَنَعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَبي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ».

[م] جميع مفاهيم المخالفة حُجَّة عند جمهور الفقهاء ما عدا مفهوم اللقب(١٢)، فليس بحُجَّة، لهذا قال الغزالي: «وقد أقرَّ ببطلانه كلُّ محصِّل من القائلين بالمفهوم»(١٣)، وأنكر أبو حنيفة الجميع، وبه قال ابن حزم الظاهري، وأبو بكر القفال، وأبو العباس بن سريج، والقاضي أبو حامد المروزي(١٤) والباقلاني وأبو حامد الغزالي، ووافقهم الأخفش(١٥) وابن فارس(١٦) وابن جِنِّي(١٧) من أئمّة اللُّغة، وإلى هذا القول مال المصنِّفُ وصحَّحه، واختاره الآمديُّ(١٨).

والصحيحُ مذهبُ الجمهور لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال له لمَّا أكثر عليه في شأن عبد الله بن أبي بن سلول: «…أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، لَوْ أَعْلَمْ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ»(١٩)، ففهم أنَّ الزيادة على السبعين يكون له من الحُكم خلاف المنطوق، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ـ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ـ المَرْأةُ وَالحِمَارُ وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ»، قال عبد الله بن الصامت لأبي ذرٍّ: ما بال الأسود من الأحمر ؟ فقال: سألت رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم كما سألتني، فقال: «الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»(٢٠)، ففهم عبد الله بن الصامت وأبو ذر رضي الله عنهما من تعليق قطع الصلاة على الكلب الأسود انتفاء الحكم عن غيره، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أقرَّه على ذلك الفهم وبيَّن له الفرق بين الموصوف بالسواد وغيره.

ومثله ما رواه مسلم عن يعلى بن أُميّة أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا[النساء: ١٠١]، فقد أمن الناس، قال: عجبت ممَّا عجبت منه، فسألتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك، فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»(٢١)، فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أقرَّه على هذا الفهم وأجابه على الحكم، وقد فهم يعلى بن أمية وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ـ وهما من فصحاء العرب ـ هذا الفهم مع الإقرار النبويِّ له.

ومن ذلك اتفاق الصحابة رضي الله عنهم في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ»(٢٢)، ناسخ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «المَاءُ مِنَ المَاءِ»(٢٣)، الدالّ بمفهومه على نفي الغسل من غير إنزال، ولو لم يكن المفهوم حُجَّة لما كان نسخًا له .

وقد احتجَّ أهل اللُّغة بمفهوم المخالفة، ونكتفي بنصِّ الشافعي ـ وهو من أئمّة اللغة ـ حيث قال: «وفي إباحة الله تعالى نكاح حرائرهم، أي: أهل الكتاب، دلالة عندي ـ والله تعالى أعلم ـ على تحريم إمائهم؛ لأنَّ المعلوم في اللسان إذا قَصَدَ قَصَدَ صفة من شيء بإباحة أو تحريم، كان ذلك دليلًا على أنَّ ما قد خرج من تلك الصفة مخالف للمقصود قصده كما «نَهَى النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَنْ أَكْلِ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»(٢٤)، فدلَّ ذلك على إباحة غير ذوات الأنياب من السباع»(٢٥).

وعليه، فإنه إذا كان التعليق بالعِلَّة يوجب نفيَ الحكم لانتفاء العِلَّة، فإنَّ التعليق بالصفة كذلك، إذ لابدَّ له من فائدة صونًا للكلام من اللغو، وإذا كان لا يستقيم أن يثبت تخصيص آحاد البلغاء بغير فائدة، فكلام الله ورسوله أجدر.

[في احتجاج المانعين من حجية دليل الخطاب]

• قال المصنف -رحمه الله- في [ص ٢٩٥] في معرض الاستدلال على منع حُجِّية دليل الخطاب الذي صحَّحه:

«وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ الشَّيْبَانِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبي أَوْفَى قَالَ: «نَهَى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَنِ الجَرِّ الأَخْضَرِ، قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الأَبْيَضِ ؟ قَالَ: لاَ»، فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الجَّرِّ الأَخْضَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الأَبْيَضِ حُكْمُهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَلَوْ جَازَ التَّعَلُّقُ بدَلِيلِ الخِطابِ لَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بالمُخَالَفَةِ».

[م] فهذا دليلٌ من أدلَّة نفاة مفهوم المخالفة، وجوابه ـ عند الجمهور ـ: أنَّ الأخضر صفة غالبة على الجَرِّ؛ لأنَّ الجرار الخُضر كانت شائعة بينهم، فكان ذِكر الأخضر لبيان الواقع لا للاحتراز(٢٦)، وعليه فاللفظ خرج مخرج الغالب الأعمّ فلا مفهومَ له، وهو أحد القيود على حُجِّيَّة مفهوم المخالفة عند الجمهور(٢٧).

ومن جهة أخرى فإنَّ الصحابي رضي الله عنه لما سأل عن حكم الأبيض إنما سأل بناءً على مفهوم المخالفة الجاري فهمه على لسانهم، فبيَّن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بمنطوقه عدم الفرق بين الأخضر والأبيض، فلا يلزم من ذلك بطلانه، وإنما وجب المصير إلى المنطوق وتقديمه لقوته على المفهوم.

ولقد كان لاختلافهم في دليل الخطاب أثر واسع في الاختلاف في الفروع فمن ذلك:

• نكاح الأَمَة مع طول الحرة، فقد ذهب الجمهور إلى العمل بالمفهوم المخالف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ[النساء: ٢٥]، الدالّ على تحريم نكاح الأَمَة المؤمنة مع طول الحرة، لدلالة المنطوق على جواز نكاح الأَمة المؤمنة بشرط عدم استطاعة طول الحرة عملًا بدليل الخطاب خلافًا للأحناف.

• نكاح الأَمَة الكتابية عند عدم استطاعته طول الحرّة، فقد ذهب الجمهور إلى العمل بالمفهوم المخالف من الآية السابقة حيث دلّت بمفهومها على تحريم نكاح الأَمة الكتابية لتقييد منطوقها بوصف الإيمان، وخالف الحنفية في ذلك جريًا على عدم الاحتجاج بالمفهوم المخالف(٢٨).

• كما يذهب الجمهور إلى عدم جواز نكاح الأَمَة مُطلقًا مؤمنةً أو كتابيةً مع عدم خوف العنت وهو الوقوع في الزنا، لقوله تعالى بعد الآية السابقة: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ[النساء: ٢٥]، وخالف في ذلك الأحناف جريًا على أصلهم في الأخذ بعموم الآيات وعدم العمل بمفهوم المخالفة في الآية.

• ما يذهب إليه الجمهور من أنَّ بيع النخل قبل أن يؤبَّر(٢٩) فثمرته للمشتري أخذًا من مفهوم الصفة في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمْرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»(٣٠)؛ «فقد جعل التأبير حدًّا لملك البائع للثمرة، فيكون ما قبله للمشتري، وإلَّا لم يكن حدًّا، ولا كان ذكر التأبير مفيدًا(٣١)»(٣٢)، وخالف أبو حنيفة ورأى أنَّ الثمرة للبائع سواء بين أن يكون النخل مؤبَّرًا أو غير مؤبَّرٍ، فإنَّ قَيْدَ التأبير لا يدلُّ على نفي الحكم عند عدمه(٣٣).

• ومن ذلك ما يذهب إليه الجمهورُ من أنَّ للأب إجبار ابنته البِكر البالغة على الزواج، استدلالًا بمفهوم الصفة في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»(٣٤)، فإنَّ مفهومه أنَّ غير الثَّيِّبِ لا تكون أحقّ بنفسها، فيكون وليُّها أحقّ منها، لذلك كان له أن يجبرها، وخالف في ذلك أبو حنيفة حيث إنه لم ير للأب ولاية الإجبار على ابنته البكر البالغة(٣٥)؛ لأنَّ مفهوم المخالفة ليس ـ عنده ـ حُجَّة.

 



(١) «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٤٨٩).

(٢) «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٧٩).

(٣) «إحكام الفصول» (٥١٥)، «الحدود» كلاهما للباجي (٥٠).

(٤) سبق تخريجه، انظر: الرابط.

(٥) انظر تعريفات دليل الخطاب في المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٩٤).

(٦) يذهب فريقٌ من القائلين بحُجِّيَّة مفهوم الصفة إلى القول بأنَّ تعليقَ الحكم على صفةٍ في جنسٍ يقتضي نفيَ الحكمِ عَمَّا عدا الموصوف بتلك الصفة في ذلك الجنس وغيره، فالزكاة كما لا تجب في معلوفة الغنم لا تجب ـ أيضًا ـ في معلوفة الإبل والبقر، تأسيسًا على أنَّ الوصف في الحكم عِلَّة الحكم، والحكم ينتفي بانتفاء عِلَّته، وهو غير مسلم؛ لأنَّ الصفة قد تكون عِلَّةً كالإسكار، وقد لا تكون إلَّا مكمِّلة للعِلَّة كالسوم في الغنم.

(٧) فمفهوم الحال والزمان والمكان وغيرها تُعَدُّ من جملة مفاهيم الصفة، وإنما أفردها بعضُ العلماء بالذِّكر تكميلًا للفائدة، قال الشوكاني في «إرشاد الفحول» (١٨٣): «قال ابن السمعاني: ولم يذكره المتأخِّرون لرجوعه إلى الصفة، وقد ذكره سليم الرازي في التقريب وابن فورك»، وقال ـ أيضًا ـ في مفهوم الزمان والمكان: «وهو في التحقيق داخل في مفهوم الصفة باعتبار متعلِّق الظرف المقدر كما تقرّر في علم العربية».

(٨) «مذكرة الشنقيطي» (٢٣٨).

(٩) أخرجه مسلم (٩/ ٢٠٥)، وأبو داود (٢/ ٥٧٧)، وابن ماجه (١/ ٦٠١)، والترمذي (٣/ ٤١٦)، والنسائي (٦/ ٨٤)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(١٠) أخرجه مسلم (١٣/ ١٧٢)، وأبو داود (٤/ ٨٥)، وابن ماجه (٢/ ١١٢٤)، والترمذي (٤/ ٢٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٩٦)، وأحمد (٢/ ١٦، ٢٩، ٣١)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(١١) الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم العِلَّة، أنَّ الصفةَ قد تكون عِلَّةً كالإسكار، وقد لا تكون علةً بل مُتمِّمة كالسوم، فإن الغنم هي العِلَّة والسوم مُتمِّمٌ، لذلك كان الخلاف فيه وفي مفهوم الصفة واحدًا. [«إرشاد الفحول» للشوكاني (١٨١)]، لكن من ـ حيث القوةُ ـ فمفهوم العِلَّة أقوى من مفهوم الصفة، ومفهوم الحصر بالنفي والإثبات أقوى من المفاهيم الأخرى ترتيبًا لما ذكره بعضُهم أنه من المنطوق.

(١٢) مفهوم اللقب أضعف المفاهيم، وهو تقييدُ الحكمِ أو الخبرِ باسمٍ جامدٍ سواء كان اسم جنسٍ أو اسم جمعٍ، أو اسم عينٍ لقبًا كان أو كنيةً أو اسمًا، فلا يدلُّ على نفي الحكم عمَّا عداه، فلو قال: «قام زيد» لا يدلُّ على أنَّ غيرَه لم يقم، وقد قال بحُجِّيَّته الدقاق من الشافعية، ونسب القول إلى ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية وغيرهم، وقد فصَّل ابن السمعاني في تعليق الحكم بالاسم فجعله ضربين: أحدهما: اسم مشتقٌّ من معنى كالمسلم والكافر والزاني والقاتل، فحكمه حكم الصفة في قول جمهور أصحاب الشافعي.. والثاني: اسم لقبٍ غير مشتق من معنى كالرجل والمرأة ونحوه، فمذهب الشافعي أنه غير حجَّة. [«البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٢٩)].

هذا، وقد بيَّن ابن تيمية أنَّ مفهوم اللقب على نوعين حيث قال: «لقبٌ هو جنس ولقبٌ يجري مجرى العَلَم، مثل: زيد، وأنت، وهذا المفهوم أضعف المفاهيم، ولهذا كان جماهير أهل الأصول والفقه على أنه لا يحتج به، فإذا قال: «محمَّد رسول الله» لم يكن هذا نفيًا للرسالة عن غيره، ولكن إذا كان سياق الكلام ما يقتضي التخصيص فإنه يحتج به على الصحيح كقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، أما إذا كان التخصيص لسبب يقتضيه فلا يحتج به باتفاق الناس». [«منهاج السنة النبوية» لابن تيمية (٧/ ٣٣١)].

ومن آثار الخلاف أنَّ مَن أوصى بوصية لزيد ثمَّ أوصى بها لبكر، فلا يُعَدُّ رجوعًا عن الوصية إلَّا على رأي من يحتجُّ بمفهوم اللقب، ومن قال عند الخصومة: «إنَّ زوجتي ليست بزانية» فلا يُعَدُّ قذفًا لزوجة خصمه إلَّا على رأي من يقول بحُجَّيَّةِ مفهومِ اللقب.

[انظر تفصيل المذاهب في «شرح اللمع» للشيرازي (١/ ٤٤١)، «البرهان» للجويني (١/ ٤٧٠)، «الوصول» لابن برهان (١/ ٣٣٨)، «المحصول» للرازي (١/ ٢/ ٢٢٥)، «روضة الناظر» لابن قدامة (٢/ ٢٢٤)، «الإحكام» للآمدي (٢/ ٢٣١)، «منتهى السول» لابن الحاجب (١٥٢)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٢٧١)، «العدة» لأبي يعلى (٢/ ٤٧٥)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ٤٣٢)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٨٢)].

(١٣) «المستصفى» للغزالي (٢/ ٢٠٤).

قال الشنقيطي في «مذكرته» (٢٣٩): «الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب، أنَّ تخصيص الغنم بالسوم مثلًا لو لم يكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكم لكان تطويلًا بلا فائدة، بخلاف: جاء زيد فإن تخصيصه بالذِّكر ليمكن إسناد المجيء إليه، إذ لا يصح الإسناد بدون مسند إليه».

(١٤) هو أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر العامري المروزي القاضي، فقيه من كبار الشافعية، والمعتمد في المشكلات المعقدة، أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وله كتاب «الجامع» في المذهب أحاط فيه بالأصول والفروع، «والإشراف على الأصول»، و«شرح مختصر المزني»، توفي سنة (٣٦٢ﻫ).

انظر ترجمته في: «طبقات الفقهاء» للشيرازي (١١٤)، «طبقات الشافعية» للسبكي (٣/ ١٢)، «طبقات الشافعية» للإسنوي (٢/ ١٩٩)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (١/ ٦٩)، «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي (٢/ ٢١١)، «مرآة الجنان» لليافعي (٢/ ٣٧٥)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٢٠٩)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ٤٠).

(١٥) هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي ثمَّ البصري، أحد أئمة النحو واللغة، أخذ النحو عن سيبويه، وصحب الخليل، ويعرف ﺑ «الأخفش الأوسط» ومن أشهر مؤلفاته: «تفسير معاني القرآن»، و«المقاييس في النحو»، و«الاشتقاق»، و«شرح أبيات المعاني»، توفي سنة (٢١٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «وفيان الأعيان» لابن خلكان (٢/ ٣٨٠)، «طبقات النحويين» للزبيدي (٧٢)، «مرآة الجنان» لليافعي (٢/ ٦١)، «معجم الأدباء» للحموي (١١/ ٢٢٤)، «طبقات المفسرين» للداودي (١/ ١٩١)، «بغية الوعاة» للسيوطي (٢٥٨)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ٣٦).

(١٦) هو أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، الإمام اللغوي المفسر، كان نحويًّا على طريقة الكوفيين، له تصانيف كثيرة منها، «مقاييس اللغة»، و«غريب إعراب القرآن»، و«جامع التأويل في تفسير القرآن»، و«سيرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم»، و«حلية الفقهاء»، توفي سنة (٣٩٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «الفهرست» للنديم (٨٠)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان» (١/ ١١٨)، «معجم الأدباء» للحموي (٤/ ٨٠)، «طبقات المفسرين» للداودي (١/ ٦٠)، «أنباه الرواه» للقفطي (١/ ٩٢)، «بغية الوعاة» للسيوطي (١٥٣)، «طبقات المفسرين» للسيوطي (٢٦)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ١٣٢).

(١٧) هو أبو الفتح عثمان بن جِنِّي الموصلي النحوي اللغوي، إمام العربية، من أعلم أهل اللغة بالنحو والتصريف، وأحذق أهل الأدب في هذه الصناعة، قرأ الأدب على أبي عليّ الفارسي، وله تصانيف من أشهرها: «الخصائص»، و«سر الصناعة»، و«المبهج»، و«التصريف الملوكي»، و«شرح تصريف المازني»، وله نظم جيد، توفي سنة (٣٩٢ﻫ).

انظر ترجمته في: «الفهرس» للنديم (٩٥)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١١/ ٣١١)، «اللباب» لابن الأثري (١/ ٢٩٩)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (٣/ ٢٤٦)، «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ١٧)، «دول الإسلام» كلاهما للذهبي (١/ ٢٣٦)، «مرآة الجنان» لليافعي (٢/ ٤٤٥)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٣٣١)، «بغية الوعاة» للسيوطي (٣٢٢)، «معجم الأدباء» للحموي (١٢/ ٨١)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ١٤٠).

(١٨) انظر المصادر الأصولية المثبة على هامش «الإشارة» (٢٩٥).

(١٩) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٧٩)، والنسائي (٤/ ٧٦)، وأحمد (١/ ١٦)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ١٢٣(١١٣١).

(٢٠) أخرجه الترمذي (٢/ ١٦١)، والنسائي (٢/ ٦٣)، وابن ماجه (١/ ٣٠٦)، قال الترمذي: «حديث أبي ذر رضي الله عنه حسن صحيح»، وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٦/ ٣٥١ رقم (٧٩٨٧).

(٢١) أخرجه مسلم (٦/ ٩٦)، وأبو داود (٢/ ٧)، وابن ماجه (١/ ٣٣٩)، والترمذي (٥/ ٢٤٢)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(٢٢) سبق تخريجه، انظر: الرابط.

(٢٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٩٩)، والنسائي (١/ ١١٥)، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ورواه مسلم (٤/ ٣٨)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ».

(٢٤) أخرجه البخاري (٩/ ٦٥٧)، ومسلم (١٣/ ٨٢)، وأبو داود (٤/ ١٥٩)، والنسائي (٧/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٢/ ١٠٧٧)، ومالك في «الموطأ» (٢/ ٤٣)، من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.

(٢٥) «الأم» للشافعي (٥/ ٦).

(٢٦) «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٦١).

(٢٧) انظر موانع اعتبار مفهوم المخالفة، أو شروط العمل بمفهوم المخالفة في «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٢٧١)، و«البحر المحيط» للزركشي (٤/ ١٧)، و«نشر البنود» للعلوي (١/ ٩٨)، و«مذكرة الشنقيطي» (٢٤١)، و«الفتح المأمول» (١٠١).

(٢٨) انظر «المغني» لابن قدامة (٦/ ٥٩٦)، «فتح القدير» للشوكاني (١/ ٤٥٠).

(٢٩) التأبير: هو التلقيح أي شقّ طلع النخلة الأنثى ليذر فيها من طلع النخلة الذكر. [«النهاية» لابن الأثير (١/ ١٣)، «مختار الصحاح» للرازي (٢)].

(٣٠) حديث متفق عليه: أخرجه البخاري (٤/ ٤٠١، ٤٠٤) (٥/ ٤٩، ٣١٣)، ومسلم (١٠/ ١٩١)، ومالك في «الموطإ» (٢/ ١٢٤)، والشافعي في «مسنده» (١٤٢)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٣١) «المغني» لابن قدامة (٤/ ٦٥)، «الهداية» للمرغيناني (٣/ ٢٥).

(٣٢) «مفتاح الوصول» للتلمساني (٥٦١).

(٣٣) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ١٨٩)، «شرح مسلم» للنووي (١٠/ ١٩١)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤٠٢)، «تفسير النصوص» لمحمَّد أديب صالح (١/ ٧٠٥).

(٣٤) تقدّم تخريجه، انظر: الرابط.

(٣٥) انظر: «المحلى» لابن حزم (٩/ ٤٥٨)، «المنتقى» للباجي (٣/ ٢٦٧)، «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ٥)، «المغني» لابن قدامة (٦/ ٤٨٧)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (٢/ ١١٨)، «مغني المحتاج» للشربيني (٣/ ١٤٩).

عدد الزوار