فصل [في اللفظ العامِّ الوارد على سبب] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 10 صفر 1442 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2020 م



فصل
[في اللفظ العامِّ الوارد على سبب]

• قال المصنِّف -رحمه الله- في [ص ٢٠٦]:

«…فَأَمَّا المُسْتَقِلُّ بنَفْسِهِ فَمِثْلُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بئْرِ بُضَاعَةَ، فَقَالَ: «المَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»(١)، فَمِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ العَامِّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ -رحمه الله- أَنَّهُ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبهِ وَلاَ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَلاَ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبهِ، وَإلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ القَاضِي وَأَكْثَرُ أَصْحَابنَا».

[م] مذهبُ الجمهور أنَّ اللفظَ العامَّ الواردَ على سببٍ خاصٍّ لا يختصُّ به بل يكون عامًّا لمن تسبَّب في نزول الحكم ولغيره، أي أنَّ «العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ».

وخالف في ذلك مالكٌ وأحمد في رواية عنهما، والمزنيُّ(٢) وأبو ثور(٣) والقفال والدقاق(٤) والأشعري ورأوا أنَّ العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وفصل في المسألة فريق ثالث، وتوقَّف آخرون.

ويكفي لصِحَّة مذهبِ الجمهور قُوة إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تعميم الأحكام الواردة على أسبابٍ خاصَّة، كآية الظِّهَارِ نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجتِه، وآيات اللِّعَان نزلت في عويمرٍ العجلانيِّ وزوجتِه، وآية القذف نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها، وآية السرقة نزلت فيمن سرق رداء صفوان بن أمية، وكذلك المواريث وغيرها.

وممَّا هو نصٌّ في محلِّ النِّزاع قصّة الأنصاري الذي قَبَّلَ امرأةً أَجنبيَّةً فأتى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فذكر له ذلك، ونزل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[سورة هود: ١١٤]، قال الرجل: ألي هذه ؟ قال: «لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي»(٥). وفي روايةٍ قال: «بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً»(٦). ومعناه أنَّ العبرةَ بعموم لفظِ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا بخصوص السبب.

ومن ذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا طرق عليًّا وفاطمة رضي الله عنهما فقال: «أَلَا تُصَلِّيَانِ ؟» فقال عليٌّ رضي الله عنه يا رسول الله: «إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا»، فانصرف النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم راجِعًا وهو يضرب فخذَه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا[سورة الكهف: ٥٤](٧)، فجعل عليًّا داخلًا في عموم الآية مع أنَّ سبب نزولها في الكفار الذين أكثروا الجدلَ والخصومةَ والمِراءَ لإدحاضِ الحقِّ الذي بيَّنه اللهُ في القرآن الكريم، ففي الآية دليلٌ على عموم الآية وشمولها لكلِّ خصامٍ وجدلٍ؛ لأنَّ «العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ»(٨).

هذا، والمعتبر في هذه المسألة إذا لم توجد قرينة على التخصيص ولا على التعميم إلَّا اللفظ نفسه، فالخلاف ـ في الجملة(٩) ـ لفظي لاتفاق العلماء على تعميم أحكام اللِّعان والظِّهار والسرقة وغيرها ممَّا نزلت بسبب حوادث خاصَّة، غاية ما في الأمر أنَّ مذهب الجمهور يرى ثبوت تلك الأحكام المشابهة لتلك الحوادث عن طريق اللفظ والنصّ، بينما عند من يقصر اللفظ على السبب ولا يحمله على عمومه يلحق تلك الأحكام المشابهة للأصل بالقياس، والفرق بين الطريقتين يظهر من حيث النسخُ والتعارضُ، أمَّا من حيث النسخ فإن الحكم الثابت عن طريق النصِّ ينسخ وينسخ به، بخلاف الحكم الثابت عن طريقة القياس فلا يقبل النسخ. أمَّا من حيث التعارض فالحكم الثابت عن طريق عموم النصِّ أقوى من الحكم الثابت عن طريق القياس.

• قَالَ المُصَنِّفُ -رحمه الله- في [ص ٢٠٨]:

«وَأَمَّا مَا لاَ يَسْتَقِلُّ بنَفْسِهِ، فَمِثْلُ مَا سُئِلَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبسَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلاَ إِذًا»(١٠)، فَمِثْلُ هَذَا الجَوَابِ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبهِ، وَيُعْتَبَرُ بهِ فِي خُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ، وَلاَ اخْتِلاَفَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ».

[م] لا خلافَ بين العلماء في تبعية الجواب غيرِ المستقلِّ بالسؤال أو الحادثة في عمومه اتفاقًا، وأمَّا الاعتبار به في خصوصه فقيل: إنه لا نزاعَ في ذلك، والصواب أنه محلُّ خلاف، ويتبع السؤال في خصوصه في أحد قولي العلماء وهو المختار عند الجمهور(١١).

 



(١) حديث صحيح، مخرج على هامش «الإشارة» (٢٠٦).

(٢) انظر ترجمته على هامش «الإشارة» (٣٢١).

(٣) هو أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، الإمام الحافظ، سلك المذهب الحنفي في بادئ الأمر، ثمَّ انتقل إلى المذهب الشافعي، وأصبح من كبار أصحابه، كان محدّثًا فقيهًا، مرموق المكانة، روى أقدم مؤلفات الشافعي التي كان يكتبها في بغداد، له اجتهادات مستقلة عن المذهب، من كتبه: كتاب: «الطهارة»، و«الصلاة»، و«المناسك»، توفي سنة (٢٤٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٢/ ٩٧)، «الفهرست» للنديم (٢٦٥)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٦/ ٦٥)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (١/ ٢٦)، «اللباب» لابن الأثير (٣/ ١٠٤)، «الكامل» لابن الأثير (٧/ ٧٥)، «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٧٢)، «دول الإسلام» كلاهما للذهبي (١/ ١٤٦)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٠/ ٣٢٢)، «مرآة الجنان» لليافعي (٢/ ١٢٩)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر (١/ ١١٨)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (٢٢٦)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ٩٣).

(٤) هو أبو بكر محمَّد بن محمَّد بن جعفر البغدادي الشافعي المعروف بالدقاق، والملقب بالخبَّاط، فقيه أصولي، كانت له خبرة بكثير من العلوم، ولي قضاء الكرخ ببغداد، من مؤلفاته: «شرح مختصر المزني»، وكتاب في الأصول على مذهب الشافعي، توفي سنة (٣٩٢ﻫ).

انظر ترجمته في: «طبقات الفقهاء» للشيرازي (١١٨)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٣/ ٢٢٩)، «الكامل» لابن الأثير (٩/ ١٧١)، «طبقات الشافعية» للإسنوي (١/ ٢٥٣)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (١/ ١٦٧)، «النجوم الزاهرة» لابن تغرى بردي (٤/ ٢٠٦)، «معجم المؤلفين» لكحالة (١١/ ٢٠٣)، «تاريخ التراث العربي» لسزكين (٢/ ١٨٩).

(٥) أخرجه البخاري (٨/ ٣٥٥)، ومسلم (١٧/ ٧٩) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

(٦) أخرجه مسلم (١٧/ ٨٠) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

(٧) أخرجه البخاري (٨/ ٤٠٧)، ومسلم (٦/ ٦٤) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(٨) «مذكرة الشنقيطي» (٢٠٩)، وانظر تفصيل المذاهب في مسألة العامِّ المستقلّ على سبب خاصّ بسؤال أو بغيره وأدلتهم في المصادر المثبتة على الأصل (ص ٢٠٨).

(٩) من فروع هذه المسألة اختلافهم في الترتيب في الوضوء بناء على قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ». [انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٥٣٩)].

(١٠) أخرجه أبوداود في «البيوع والإجارات» (٣/ ٦٤٥ ـ ٦٥٧) باب بيع التمر بالتمر، والترمذي في «البيوع» (٣/ ٥٢٨)، باب في النهي عن المحاقلة والمزابنة، والنسائي في «البيوع» (٧/ ٢٦٨) باب اشتراء التمر بالرطب، وابن ماجه في «التجارات» (٢/ ٧٦١) باب بيع الرطب بالتمر، وأخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ١٢٨)، وأحمد في «مسنده» (١/ ١٧٥)، والشافعي في «مسنده» (١٤٧) وفي «الرسالة» (٣٣١) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصحَّحه ابن المديني وابن حبان والحاكم وقال في «مستدركه» (٢/ ٣٨): «ولا أعلم أحدًا طعن فيه». [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٤٠)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٩)، «إرواء الغليل» للألباني (٥/ ١٩٩)].

(١١) انظر المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (ص ٢٠٩).

عدد الزوار