فصل [في المجاز] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



فصل
[في المجاز]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ١٥٦]:

«…فَأَمَّا المَجَازُ: فَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ تُجُوِّزَ بهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ…».

[م] والمجاز مشتقٌّ من الجواز، والجواز في الأماكن حقيقة وهو العبور، ويستعمل في المعاني، فهو طريق المعنى بالقول، ويسمَّى بذلك لأنَّ أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع توسُّعًا منهم.

واستعمل المصنِّف لفظ «تُجُوِّزَ» في الحدِّ، وهو تعريف لفظ المُعَرَّفِ، ويستحسن عند العلماء صون الحدود عن ذلك، ويمكن تعريفه بأنه: «اللفظ المستعمَل في غير ما وُضع له أصلًا لعلاقة بينهما مع وجود قرينة صارفةٍ عن إرادة المعنى الأصلي»(١).

وقد جعل المصنِّفُ قسمةَ المجاز في القرآن الكريم رباعيةً تبعًا لأبي إسحاق الشيرازي(٢)، كما جاء في «شرح اللمع»(٣) و«التبصرة»(٤)، والقسمة نفسها ذكرها الكلوذاني(٥) في «التمهيد»(٦)، وزاد آخرون أقسامًا أخرى(٧)، قال الشوكانيُّ(٨) مُعقِّبًا على من قَيَّدَ آحادَ المجاز بعدد: «واعلم أنَّه لا يُشترط النقلُ في آحاد المجاز بل العلاقة كافيةٌ والمعتبَرُ نوعها، ولو كان نقل آحاد المجاز معتبرًا لتوقَّف أهل العربية في التجوُّز على النقل، ولو وقعت منهم التخطئة لمن استعمل غير المسموع من المجازات وليس كذلك بالاستقراء، لذلك لم يدوِّنوا المجازات كالحقائق، وأيضًا لو كان نقليًّا لاستغنى عن النظر في العلاقة لكفاية النقل… وكلُّ من له عِلمٌ وفَهمٌ يعلم أنَّ أهل اللغة العربية ما زالوا يخترعون المجازاتِ عند وجود العلاقة ومع نصب القرينة، وهكذا من جاء بعدهم من أهل البلاغة في فَنَّي النَّظْم والنَّثْرِ، ويتمادحون باختراع الشيء الغريب من المجازات عند وجود المصحِّح للتجوّز، ولم يُسمَعْ عن واحد منهم خلاف هذا»(٩).

[في مسألة وقوع المجاز في القرآن]

• قال الباجي -رحمه الله- من الفصل نفسه في [ص ١٥٨]:

«وَاحْتَجُّوا بأَنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ حَقٌّ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ حَقًّا مَا لَيْسَ بحَقِيقَةٍ…».

[م] في مسألة وقوع المجاز في القرآن الكريم خلافٌ، وما عليه جمهور العلماء وقوعه مُطْلَقًا في القرآن والحديث واللغة.

وذهب محمَّد بن خويز منداد(١٠) وابن القاص(١١) وابن حامد(١٢) وأبو الحسن التميمي(١٣) وغيرُهم إلى عدم وقوعه في القرآن الكريم وواقعٌ في غيره، ويرى المذهب الثالث عدمَ وقوعِه في القرآن والحديث وواقع فيما عداهما، وهو محكيٌّ عن داود(١٤) الظاهري وابنه أبي بكر(١٥)، وإن كان المشهور عنهما القول بمنع وقوعه في القرآن خاصَّة. وبالغ ـ في إيضاح منع المجاز ـ أبو العباس بن تيمية(١٦)، وتلميذه ابن القيم، بل أوضحَا منعه في اللغة أصلًا، وبه قال أبو إسحاق الإسفرائيني(١٧)، وأبو علي الفارسي(١٨)، كما عزاه لهما ابن السبكي في «جمع الجوامع»(١٩).

قال الشنقيطي(٢٠) في «منع جواز المجاز»: «وأوضح دليل على منعه في القرآن: إجماع القائلين بالمجاز على أنَّ كلَّ مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقًا في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا يرمي ليس هو بأسد، وإنما هو رجلٌ شجاع، فيلزم على القول بأنَّ في القرآن مجازًا أنَّ في القرآن ما يجوز نفيه، ولا شكَّ أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهدت في الخارج صحَّتُه، وأنه ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في القرآن العظيم»(٢١).

قلت: مَن تأوَّل صفات الله تعالى الواردة في القرآن، ونفى حقيقتها بشبهات عقلية أثبت المجاز فيها، وهو مذهب المثبتين للمجاز من المتكلِّمين ومن وافقهم، وعليه فالقول بالمجاز على هذا الرأي ذريعة إلى تأويل الصفات ونفيها، وهذا على خلاف مذهب المثبتين للمجاز من أهل السُّنَّة، فأثبتوا صفات الله تعالى في القرآن على حقيقتها ومنعوا دخول المجاز فيها، وماعدا آيات الصفات فالمجاز يدخل فيها ولا تلازم بين القسمين، إذ لا يلزم من إثبات المجاز تأويل الصفات أو نفيها؛ لأنَّ المجاز يحتاج إلى قرينة وهي منتفية عن آيات الصفات عند أهل السنَّة، لذلك كان الخلاف بين أهل السنَّة في إثبات المجاز ونفيه خلافًا لفظيًّا كما صرَّح ابن قدامة -رحمه الله- بقوله: «..وذلك كلُّه مجاز؛ لأنَّه استعمال للفظ في غير موضوعه ومن منع فقد كابر، ومن سلم وقال: لا أسميه مجازًا فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه، والله أعلم»(٢٢).

 



(١) انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢١).

(٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي. انظر ترجمته على كتاب «الإشارة» (٦٧).

(٣) (١/ ١٦٩).

(٤) (١٧٨).

(٥) هو أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني البغدادي الحنبلي، تلميذ أبي يعلى ابن الفراء، أحد علماء المذهب وأعيانه، كان فقيهًا أصوليًّا أديبًا شاعرًا، له تصانيف مفيدة، منها: «التمهيد» في الأصول، و«الهداية» في الفقه، و«التهذيب» في الفرائض، توفي سنة (٥١٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (١/ ١١٦)، «الكامل» لابن الأثير (١٠/ ٥٢٤)، «اللباب» لابن الأثير (٣/ ١٠٧)، «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٤٨)، «دول الإسلام» كلاهما للذهبي (٢/ ٣٧)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ١٨٠)، «مرآة الجنان» لليافعي (٨/ ٤١)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٤/ ٢٧).

(٦) (١/ ٨١).

(٧) انظر: «المحصول» للرازي (١/ ١/ ٤٤٩)، و«التمهيد» للإسنوي (١٨٦)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ١٥٦).

(٨) هو أبو عبد الله محمَّد بن علي بن محمَّد، الشوكاني ثمَّ الصنعاني اليمني، الفقيه المحدِّث الأصولي النظار، عرف بالإمام المجتهد، له تصانيف كثيرة ومفيدة، منها: «فتح القدير» في التفسير، و«نيل الأوطار» في الحديث، و«إرشاد الفحول» في الأصول، توفي سنة (١٢٥٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «البدر الطالع» له (٢/ ٢١٤)، «الفتح المبين» للمراغي (٣/ ١٤٤)، «الأعلام» للزركلي (٦/ ٢٩٨)، «معجم المؤلفين» لكحالة (٣/ ٥٤١)، «الرسالة المستطرفة» للكتاني (١١٤)، «الإمام الشوكاني، حياته وفكره» د. عبد الغني قاسم غالب الشرحيبي، و«الإمام الشوكاني مفسّرًا» محمد حسن الغماري.

(٩) «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٤).

(١٠) انظر ترجمته على هامش كتاب «الإشارة» (١٥٨).

(١١) هو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري ثمّ البغدادي، المعروف بابن القاص، فقيه شافعي، تلميذ أبي العباس بن سُرَيج في طبرستان، كثير المواعظ، وشديد الخشوع والرقة، له تصانيف صغيرة الحجم كثيرة الفائدة، منها: «التلخيص»، و«المواقيت»، و«أدب القاضي»، و«المفتاح»، وغيرها، توفي ببغداد سنة (٣٣٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «طبقات الشيرازي» (١١١)، «طبقات الشافعية» للسبكي (٣/ ٥٩)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (١/ ٦٨)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٢١٩)، «دول الإسلام» (١/ ٢٠٩)، «سير أعلام النبلاء» كلاهما للذهبي (١٥/ ٣٧١)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ٣٣٩).

(١٢) هو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي الوراق، شيخ الحنابلة في زمانه، وهو من أكبر تلامذة أبي بكر غلام الخلَّال، كان يتقوَّت من النَّسْخ، ويُكثر الحج، له مصنّفات في علوم مختلفة، أشهرها: «الجامع» في الفقه، و«شرح الخرقي»، و«شرح أصول الدين»، وغيرها، توفي سنة (٤٠٣ﻫ).

انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٧/ ٣٠٣)، «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (٢/ ١٧١)، «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (٦٢٥)، «المنهج الأحمد» للعليمي (٢/ ٨٢)، «دول الإسلام» للذهبي (١٧/ ٢٠٣)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٣٤٩)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ١٦٦).

(١٣) هو أبو الحسن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث التميمي، فقيه حنبلي، له اطلاع على مسائل الخلاف، ولد سنة ٣١٧ﻫ، صحب أبا القاسم الخرقي وأبا بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلَّال، صنّف في الأصول والفروع والفرائض، توفي سنة (٣٧١ﻫ).

انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١٠/ ٤٦١)، «المنتظم» لابن الجوزي (٧/ ١١٠)، «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (٢/ ١٣٩)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٢٩٨)، «المنهج الأحمد» للعليمي (٢/ ٦٦).

(١٤) انظر ترجمته على هامش كتاب «الإشارة» (١٥٨).

(١٥) انظر ترجمته على هامش كتاب «الإشارة» (١٧٦).

(١٦) هو أبو العبَّاس تقيُّ الدِّين أحمدُ بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي، الإمام المحقِّق، الحافظ المجتهد، شيخ الإسلام، نادرة عصره، انتهت إليه الإمامة والرئاسة في العلم والعمل، كان سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجا في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، له تصانيف عديدة، منها: «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم»، «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، «منهاج السنة النبوية في نقد الشيعة والقدرية». توفّي بدمشق سنة (٧٢٨ ﻫ).

انظر ترجمته في: «دول الإسلام» للذهبي (٢/ ٢٣٧)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٤/ ١٣٢، ١٣٥، ١٤٦)، «الدرر الكامنة» لابن حجر (١/ ١٥٤)، «مرآة الجنان» لليافعي (٤/ ٢٧٧)، «طبقات المفسّرين» للداودي (١/ ٤٦)، «طبقات الحفّاظ» للسيوطي (٥٢٠)، «فوات الوفيات» للكتبي (١/ ٧٤)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ٨٠)، «الفتح المبين» للمراغي (٢/ ١٣٤)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٣٦٢).

(١٧) هو الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم بن مهران الإسفرائيني الشافعي، شيخ أهل «خراسان»، الملقب بركن الدين، كان فقيهًا أصوليًّا، له مصنفات عديدة، وآراء أصولية مشهورة، وتعليقة في أصول الدين، توفي سنة (٤١٨ﻫ).

انظر: «طبقات الشيرازي» (١٠٦)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (١/ ٢٨)، «اللباب» لابن الأثير (١/ ٥٥)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ٢٤)، «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٣٥٣)، «دول الإسلام» كلاهما للذهبي (١/ ٢٤٨)، «طبقات الإسنوي» (١/ ٤٠)، «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ١٧٠)، «مرآة الجنان» لليافعي (٣/ ٣١)، «معجم البلدان» لياقوت (١/ ١٧٨)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ٢٠٩).

(١٨) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغافر الفارسي النحوي، صاحب التصانيف، وإمام عصره في علوم العربية، جرت بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس، ومن أشهر مصنفاته: «الإيضاح»، «والتكملة» في النحو، و«التذكرة»، و«المقصور والممدود»، و«الحجة» في القراءات، وكتاب «الإغفال» فيما أغفله الزجاج من المعاني وغيرها من المصنفات. توفي سنة (٣٧٧ﻫ).

انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٧/ ٢٧٥)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (٢/ ٨٠)، «معجم الأدباء» للحموي (٧/ ٢٣٢)، «الكامل» لابن الأثير (٩/ ٥١)، «المنتظم» لابن الجوزي (٧/ ١٣٨)، «دول الإسلام» للذهبي (١/ ٣٧٧)، «بغية الوعاة» للسيوطي (٢١٦)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ٨٨).

(١٩) انظر: المصادر المثبتة على هامش النصِّ المحقَّق من كتاب «الإشارة» (ص ١٦٠).

(٢٠) هو محمَّد الأمين بن محمَّد المختار الجكني الشنقيطي الموريتاني، الفقيه الأصولي المفسر، صاحب «أضواء البيان»، كان -رحمه الله- في مواقفه مع الحق قويًّا صلبًا في بيانه، ليّنًا سهلًا في الرجوع إلى ما ظهر إليه منه، له مؤلفات، منها: «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز»، و«دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب»، و«مذكرة الأصول على روضة الناظر»، و«أدب البحث والمناظرة»، وله العديد من المحاضرات ذات المواضيع المستقلة، ولد سنة ١٣٢٥ﻫ، وتوفي بمكة مرجعه من الحج سنة (١٣٩٣ﻫ).

انظر ترجمته مفصَّلة في محاضرة أُلقيت في موسم ثقافات الجامعة الإسلامية بالمدينة، أعدّها وألقاها تلميذه الشيخ محمَّد سالم عطية، وهي مثبتة في آخر الجزء (١٠) من «أضواء البيان»، وكذا ترجمة الشيخ عبد الرحمن السديس له.

(٢١) «منع جواز المجاز» للشنقيطي (ص ٨).

(٢٢) «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ١٨٣).

عدد الزوار