فصل [في الاحتجاج بأمرٍ نُسخ وجوبه] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 10 صفر 1442 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2020 م



فصل
[في الاحتجاج بأمرٍ نُسخ وجوبه]

• قال المصنِّف -رحمه الله- في [ص ١٧٢]:

«إِذَا نُسِخَ وُجُوبُ الأَمْرِ جَازَ أَنْ يُحْتَجَّ بهِ عَلَى الجَوَازِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابنَا مِنْهُمْ القَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ».

[م] المراد بالجواز الاشتراك بين الندب والإباحة، فيبقى الفعل إمَّا مباحًا أو مندوبًا؛ لأنَّ الماهية الحاصلة بعد النسخ مركَّبة من قيدين: أحدهما زوال الحرج عن الفعل وهو المستفاد من الأمر، والثاني: زوال الحرج عن الترك وهو المستفاد من الناسخ، وهذه الماهية صادقة على المندوب والمباح فلا يتعيَّن أحدهما بخصوصه، وهو اختيار المجد بن تيمية(١) ورجَّحه الرازي وأتباعه وحكي عن الأكثر، ومذهب أبي الوليد الباجي من خلال استدلاله أنَّ الجائز أعمُّ من الوجوب لشموله للإباحة والندب والوجوب والكراهة التنزيهية، فإذا نسخ الوجوب فقد نسخ أحد أفراد عموم الجواز، وتبقى الإباحة والندب يشتركان في الجواز، أمَّا الكراهة فلا تدخل في الجواز بهذا الاعتبار؛ لأنَّ الشرع لا يأمر بالمنهي عنه.

هذا، ويذهب أبو يعلى(٢) والكلوذاني وابن عقيل من الحنابلة إلى أنَّ وجوب الأمر إذا نسخ فيبقى الاحتجاج به على الندب؛ لأنَّ المرتفع التحتُّم بالطلب فإذا زال التحتُّم بقي أصل الطلب وهو الندب، ويبقى الفعل مندوبًا إليه، وذهب الغزالي من الشافعية وابن بَرهان(٣) من الحنابلة والحنفية إلى أنه لا يدلُّ على الندب ولا على الإباحة، وإنما يرجع إلى ما كان عليه من البراءة الأصلية أو الإباحة أو التحريم؛ لأنَّ اللفظ موضوع لإفادة الوجوب دون الجواز، وإنما الجواز تبع للوجوب، إذ لا يجوز أن يكون واجبًا لا يجوز فعله، فإذا نسخ الوجوب وسقط، سقط التابع له، وهو نظير قول الفقهاء: «إِذَا بَطَلَ الخُصُوصُ بَقِيَ العُمُومُ»(٤).

وبناءً عليه يكون الخلاف معنويًّا كما يذهب إليه بعض أهل العلم كالتلمساني(٥) والهندي(٦) وغيرهما؛ لأنه ـ على هذا الرأي الأخير ـ إذا كان الحكم قبل مجيء أمر الإيجاب على التحريم، فإنَّه يعود الحكم إلى ما كان عليه بعد نسخ الوجوب وهو التحريم، ومن يقول يبقى على الجواز لا يقضي بالتحريم، وتختلف الفروع حكمًا باختلاف تقرير هذا الأصل.

هذا، والذي يظهر لي في هذه المسألة وجوبُ التفريق بين العبادات والمعاملات، فإذا نُسخ الوجوبُ في العبادات فيُحمل على الندب إذا لم يرد من الشرع إبطال الفعل كلية؛ لأنه أدنى ما يكون عليه أمر العبادة والتقرُّب إلى الله تعالى، مثل نسخ وجوب صوم عاشوراء فيجوز أن يحتجَّ به على الندب، أمَّا إن كان في المعاملات فيرجع فيه إلى ما كان عليه الحكم قبل نسخ وجوب الأمر. والعلم عند الله تعالى.

 



(١) هو أبو البركات مجد الدِّين عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمَّد بن تيمية الحراني، جدُّ شيخ الإسلام ابن تيمية، فقيه حنبلي، محدِّث أصولي نحوي مفسر، له تصانيف عدة، منها: «الأحكام الكبرى»، و«المحرر» في الفقه، و«المنتقى» من أحاديث الأحكام، و«المسودة»، في أصول الفقه، التي زاد عليه ابنه عبد الحليم، وحفيده تقي الدين أحمد. توفي سنة (٦٥٢ﻫ).

انظر ترجمته في: «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٢/ ٢٤٩)، «فوات الوفيات» للكتبي (٢/ ٣٢٣)، «غاية النهاية» لابن الجزري (١/ ٣٨٥)، «طبقات المفسرين» للداودي (١/ ٣٠٣)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٣/ ١٨٥)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٥/ ٢٥٧)، «الرسالة المستطرفة» للكتاني (١٨٠).

(٢) هو أبو يعلى محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن الفرَّاء القاضي الحنبلي، كان من أوعية العلم في الأصول والفروع، عالم زمانه وفريد عصره، له تصانيف كثيرة في فنون شتى، منها: «العدة» في الأصول، «أحكام القرآن»، و«عيون المسائل»، و«الأحكام السلطانية»، «وشرح الخرقي» وغيرها، توفي سنة (٤٥٨ﻫ).

انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٢/ ٢٥٦)، «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٨٩)، «دول الإسلام» كلاهما للذهبي (١/ ٢٦٩)، «الكامل» لابن الأثير (١٠/ ٥٢)، «اللباب» لابن الأثير (٢/ ٤١٣)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ٩٤)، «مختصر طبقات الحنابلة» للنابلسي (٣٧٧)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ٣٠٦).

(٣) هو أبو الفتح أحمد بن علي بن محمَّد الوكيل الحنبلي ثمَّ الشافعي، المعروف ﺑ «ابن بَرهان»، فقيه أصولي، ولي التدريس بالنظامية، له تصانيف أصولية، منها: «البسيط»، و«الوسيط»، و«الأوسط»، و«الوجيز»، توفي سنة (٥١٨ﻫ).

انظر ترجمته في: «طبقات السبكي» (٣/ ٣٠)، «الكامل» لابن الأثير (١٠/ ٦٢٥)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (١/ ٩)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي» (١٩/ ٤٥٦)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (١/ ٢٧٩)، «طبقات الشافعية» للإسنوي (١/ ١٠٢)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ١٩٤)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٤/ ٦٢).

(٤) انظر: اختلاف الأصوليين في بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب أو التوقُّف في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (١٧٣).

(٥) هو أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن علي الشريف الإدريسي: نسبة إلى إدريس بن عبد الله بن حسن، وهو أول من دخل المغرب، التلمساني: نسبة إلى مدينة «تلمسان» الواقعة في الغرب من القطر الجزائري، أحد علماء القرن الثامن الهجري له مؤلَّفاتٌ نافعة منها: «مفتاح الوصول إلى بناء الأصول على الفروع»، و«مثارات الغلط في الأدلة»، وله أجوبة عن مسائل فقهية وأصولية، توفى سنة (٧٧١ﻫ).

انظر ترجمته موسَّعةً على كتاب «مفتاح الوصول» ـ بتحقيقي ـ المكتبة المكية ـ مؤسّسة الريان ط/  ١ ـ (١٤١٩ﻫ ـ ١٩٩٨م).

(٦) هو أبو عبد الله محمَّد بن عبد الرحيم بن محمَّد الأرموي، الملقب بصفي الدين الهندي، فقيه شافعي أصولي، ناظر شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن مصنفاته: «الفائق» في التوحيد، و«نهاية الوصول إلى علم الأصول»، توفي بدمشق سنة (٧١٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٩/ ١٦٢)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٢٧)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٤/ ٧٤)، «الدرر الكامنة» لابن حجر (٤/ ١٤)، «مرآة الجنان» لليافعي (٤/ ٢٧٢)، «طبقات الشافعية» للإسنوي (٢/ ٣٠٢)، «البدر الطالع» للشوكاني «٢/ ١٨٧)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ٣٧).

عدد الزوار